طلع
لغة:
أصل صحيح يدل على ظهور وبروز، يقال طلعت الشمس. والطلْع هو
نور النخلة ما دام في الكافور. وطلع الزرع أي بدأ يطلع وظهر نباته. والمطلع هو
موضع الطلوع. وطلع علينا فلان أي هجم. والطِلاع ما طلعت عليه الشمس من الأرض.
ونفسَ طُلعة أي تتطلع للشيء. واستطلعت رأي فلان أي نظرت ما الذي يبرز إليك منه.
وطلعة الإنسان أي رؤيته لأنها تطلع. ورمى فلان فأطلع وأشخص أي مرة سهمه برأس
الغرض. وأين مطلع هذا الأمر؟ أي مأتاه. وفلان طلاّع أنجد وطلاع الثنايا أي كان
يعلو الأمور فيقهرها بمعرفته وتجاربه وجودة رأيه([1])
طلع
في القرآن:
طلوع كما سوف نرى في الآيات المبجلات، هو ظهور جزء من الشيء، وليس
كله، فنرى ظهور جزء من الثمار يسمى الطلع، كذلك ظهور جزء من الشمس في الصباح، أو
ظهور جزء من الفجر. وإذا ظهر جزء من الشيء فقد عُلم جزء منه، فما ظهر لنا قد
عرفناه وعلمناه، لهذا ارتبط الطلوع بالمعرفة الجزئية. وإليك الآيات:
طلع
النبات:
{ وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ
دَانِيَةٌ} [الأنعام: 99].
{ وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ } [الشعراء: 148].
{ وَالنَّخْلَ بَاسِقَٰتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ
} [ق: 10].
{ طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَٰطِينِ } [الصافات: 65].
لم يذكر الطلع إلا مع النخل وشجرة الزقوم، والطلع هو الجزء
الذي يطلع للناظر، فمرة يقول من طلعها قنوان دانية، ومرة يقول هضيم ومرة يقول
نضيد، ولن نطيل في شرح هذه المعاني هنا، ولكن نؤكد أن الطلع هنا هو ثمار النخل في
مراحلها الأولى عندما يطلع جزء منها أو عندما يرى الناظر جزء منها.
الاطلاع
على الخيانة:
{وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ
إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ} [المائدة:
13].
لدى الرسول الكريم عيون يخبرونه بما يحدث في المدينة وخارجها،
لأنه مسؤول عن الدولة وحمايتها، فهؤلاء يطلعونه على ما يسربه المنافقون من معلومات
عن الرسول والمسلمين، فهو يطّلع أي يجاهد ويبحث لكي يعرف ما يفعله المنافقون من
نقل الأخبار.
الشمس
تطلع:
{ وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت} [الكهف: 17].
{ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا} [طه: 130].
{ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ
} [ق: 39].
يجب بداية ألا نخلط
بين الطلوع والإشراق، فالشمس في القرآن لا تشرق، بل الأرض هي التي تشرق، والأرض
بالنسبة للبشر شرق وغرب، فإذا ظهرت الشمس من تلك الناحية قالوا هو المشرق ويقصدون
الأرض التي تطلع فيها الشمس بداية، أي المكان الذي يشرق أي يتحول للون الأحمر بفعل
الشمس.
القمر
يطلع:
تقول الروايات أن أهل المدينة عندما عاد الرسول من غزوة تبوك
استقبلوه بالأناشيد ومنها:
طَلَعَ البَدرُ عَلَيْنا * مِن ثَنِيّاتِ الوَداع
فالقمر "البدر" يطلع، واستخدام أهل المدينة جذر طلع
مناسب، لأنه لم يظهر لهم من جيش الرسول إلا بعضه أي جزء منه، من خلال قمة جبال
ثنيات الوداع، فلهذا هو طلع عليهم فعلاً وشبهوه بالبدر لما في قلوبهم من حب له.
مطلع
الشمس:
{حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ
عَلَىٰ قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْرًا} [الكهف: 90].
{ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ مَغۡرِبَ ٱلشَّمۡسِ وَجَدَهَا تَغۡرُبُ
فِي عَيۡنٍ حَمِئَة} [الكهف: 86].
مطلع الشمس إما أنه اسم مكان أو اسم زمان، أي أنه إما أنه وقت
طلوع الشمس وزمنه أو أنه مكان طلوع الشمس، وحتى الجذر بلغ يعني إما بلوغ الزمان أو
المكان، والآية التي سبقتها تقول (مغرب الشمس) وفيها نفس الإشكال، فإذا يقصد جهة
ومكان فلماذا لم يقل المشرق والمغرب.
نرجح بعد طول تأمل ونظر، أن مغرب الشمس اسم زمان كذلك مطلع
الشمس، أي أن ذو القرنين تحرك فلما اقترب الغروب وجد الشمس تغرب في عين حمئة،
بينما لما تحرك مرة أخرى وصادف طلوع الشمس، وجد الشمس تطلع على قومٍ بلا ستر من
الشمس، وأنه لم يستخدم مفردة (المشرق) لأن المشرق اتجاه وهو لا ينتهي، بينما مطلع
الشمس فهو زمان وهو خاص بذي القرنين، أثناء توسعه في الفتوحات، فلما تحرك أول مرة،
صادف غروب الشمس عنده في تلك اللحظة أن غابت الشمس في عين حمئة، ثم استمر في حركته
حتى بلغ وقت طلوع الشمس صادف قوماٍ آخرين.
فنرجح وبقوة أن ذا القرنين يقوم بتوسعاته في الأرض، فسار في
الليل والنهار، فصادف ذات مرة أثناء سيرة وعند غروب الشمس في عين حمئة بشراً، ثم أكمل
مسيرته ونرجح أنه في نفس الاتجاه فلا يعقل أن يغير اتجاهه، صادف قوماً عند طلوع
الشمس.
مطلع
الفجر:
{ سَلَٰمٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْرِ } [القدر: 5].
هناك فرق بين الشمس والفجر، ونرجح أن الفجر يطلع قبل الشمس، فما
هو مطلع الفجر؟
هو وقت ينفجر فيه النور في السماء دون أن تظهر الشمس بعد، فستكون
ليلة القدر في سلام حتى مطلع الفجر، وهذا يؤكد أن السلام لم يعم كل الأرض فقد كانت
في حروب، لكنه يقصد مكة وحدها، حيث نزل الوحي على الرسول، حتى الجن والشياطين
منعوا من استراق السمع، ولو قال قبل طلوع الفجر، لعم السلام كل الأرض، فلا يوجد
مكان لا يطلع فيه الفجر.
طلوع
الشمس
{ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا} [طه: 130].
{ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ
} [ق: 39].
إذا كان طلوع الشمس وهو وقت ظهورها وهو في الصباح، فما الفرق
بين طلوع الشمس ومطلع الشمس، إذ رجحنا أن مطلع الشمس هو وقت طلوعها؟
نرجح أن مطلع الشمس هو وقت طلوعها بالنسبة لشخص معين أو مكان
معين، فمطلع الشمس لأهل مكة محدد ومعلوم، بينما طلوع الشمس فهو عام لأي مكان أو
شخص، فنجد أن في قصة ذو القرنين استخدم عبارة مطلع الشمس ومغربها، ذلك لأنه يتحدث
عن ذي القرنين وحده في مكان محدد، كذلك مطلع الفجر، فيقصد به مكة حيث نزل الوحي
والملائكة فيها، بينما طلوع الشمس فهو عام لكل شعوب الأرض في كل مكان، فما قبل
ظهور الشمس يسبح الإنسان ربه، أي إنسان في أي مكان.
اطلع
إلى وعلى:
{ وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ
ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُم بَٰسِطٌ ذِرَاعَيْهِ
بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ
فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا }
[الكهف: 18].
{ أَسْبَٰبَ السَّمَٰوَٰتِ فَأَطَّلِعَ إِلَىٰ إِلَٰهِ
مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَٰذِبًا وَكَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ
عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ
} [غافر: 37].
قلنا إن "طلع" تعني ظهر جزءاَ من الشيء، فإذا كان
حرف الطاء مشدداً مثل اطّلع، فهذا يعني أن الناظر هو الذي بذل الجهد لكي يستطيع
الرؤية.
ونلاحظ أيضاً أنه في قصة أصحاب الكهف قال اطّلع على. وهذا
يعني أن الناظر هو الذي بالأعلى فالرسول سيكون في أعلى الكهف أو لأنه واقف وهم
رقود. كذلك اطّلاع فرعون فقد استخدم اطّلع إلى، وهذا يعني أنه يريد النظر
إلى الأعلى ولهذا طلب من هامان بناء الصرح، لأنه يريد بلوغ أسباب السماوات.
الاطلاع
الغيب أم على الغيب:
{ أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ
الرَّحْمَٰنِ عَهْدًا } [مريم: 78].
{وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطۡلِعَكُمۡ عَلَى ٱلۡغَيۡبِ} [آل عمران: 179].
لا تفرق المعاجم بين أطلع الغيب وبين أطلع على الغيب، وتراهما
شيئاً واحداً، وترى أن أطلع على الغيب هي الأفصح، لكن دعنا عزيزي القارئ نحلل
النصين:
الغيب في الآية
الأولى يقصد به المستقبل أي مستقبل الإنسان في الآخرة، وهذا أمر منظور في استقامة
وليس من أسفل أو أعلى، فالمستقبل أمامنا وليس أعلى منّا أو أسفل لهذا قال اطلع
الغيب، فالكافر يزعم أنه لو كانت هناك آخرة سيكون من المنعمين.
أما في الآية الثانية (ليطلعكم على الغيب) فيقصد به الوحي الذي
سوف يسجل في الكتب ثم يطلع الناس عليه لأنه يكون في أسفل نظرهم. وقد طالب الكفار في
سور سابقة أن ينزل عليهم كتاب كامل بالوحي، فهم يصرون على ذلك. لهذا سيطلعون على
الوحي من خلال هذا الكتاب، لأن القارئ سينظر للكتاب وهو أسفل منه، فبين لهم أن
الله لن ينزل الكتاب الذي هو غيب عن البشر، إلا من خلال الرسل عن طريق الوحي لهم.
مطالعة
أهل النار:
{ قَالَ هَلْ أَنتُم مُّطَّلِعُونَ } [الصافات: 54].
{ فَاطَّلَعَ فَرَءَاهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ } [الصافات: 55].
يتعجب أحد المؤمنين أنه نجا بأعجوبة من دخول النار، ذلك أنه
كان يصغي لصاحبه الذي كان يحثه على الكفر، لكنه لم يستمع إليه، هكذا كان يحدث
زملاءه في الجنة، ثم طلب منهم الاطلاع لحال ذلك الصديق الكافر، فاطلع صاحبه فوجده
في سواء الجحيم، أي الأرض المستوية من النار في جزئية منها هي الجحيم.
والجحيم بارزة وليست كجهنم والسموم والحميم
{ وَبُرِّزَتِ ٱلۡجَحِيمُ لِمَن يَرَىٰ } [النازعات: 36].
فهي على امتداد نظر الذي في الجنة، لهذا اطلع صاحبه ولم يقل
النص اطلع على صاحبه ولو قال ذلك كان يعني أن صاحبه في قيعان جحيم، ولو قال اطلع
إلى صاحبه لكان أعلى منه أي في قمة جبلية نارية.
النار
تطّلع:
{ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى
الْأَفْءِدَةِ } [الهمزة: 7].
هي الحطمة التي ينبذ فيها الكافر، فيصبح أسفل منها، وهي
بالأعلى لهذا هي تطّلع على فؤاده، فتعرف مقدار ما يستحقه من عذاب، وهي لا ترى
فؤاده كله، بل ما برز منه لها.
الخلاصة:
الاطلاع هو رؤية جزء من الشيء، فلو أحاط بالشيء فيطلق عليه
علم وليس اطلاع. والشمس تطلع أي يظهر جزء منها بداية عند صعودها.
وطلوع الشمس: هو وقت ظهور الشمس والذي نسميه بالخطأ شروق
الشمس، في أي مكان ولأي شخص.
ومطلع الشمس: هو وقت ظهور الشمس بالنسبة لشخص معين أو مكان
معين.
واطّلع: أي بذل الجهد لرؤية جزء من شيء معين.
واطّلع إلى: أي نظر للشيء أعلى منه
وأطّلع على: أي نظر للشيء أسفل منه
واطّلع: بدون حروف الجر أي نظر أمامه وليس أسفل أو أعلى
والنار تطّلع: أي ترى بعض الشيء وهو الفؤاد أي جزء منه.
هذا والله أعلم
علي موسى الزهراني
هل لديك نظرة أخرى
أطرحها هنا كي نستفيد من علمك