التيمم في القرآن المكرم


التيمُّم في القرآن المُكرَّم

توجيهُ البصرِ إلى الصعيد، وانتقاءُ الطيِّب منه

رجلٌ في سفرٍ لا ماءَ فيه. تَحضُرُ الصلاةُ فيَخفِضُ بصرَه إلى الأرض، لا يُلقيه إلقاءً، بل يُقلِّبُه في التراب حتى يقعَ على موضعٍ بعينه يَرضاه، ثمّ يَضرِبُ بيديه فيَمسَحُ. هذا الفعلُ كلُّه اسمُه في القرآن: التيمُّم.

والمعاجمُ تقول في هذا الجذر: القصدُ والتوخِّي. وهو صحيحٌ، لكنّه ناقصٌ إن وُقِفَ عندَه؛ فليس كلُّ قصدٍ تيمُّماً، ولو كان كذلك لَقيل في الآية «فاقصِدوا صعيداً طيّباً». فما الذي يَزيدُه التيمُّمُ على القصد؟(١)

أوّلاً: ما تقولُه المعاجم

قال ابن فارس: «الياء والميم: كلمةٌ تدلُّ على قَصْدِ الشئِ وتعمُّده وقصده»، ثمّ نقلَ عن الخليل قيداً هو مِلاكُ الباب: «تَيمَّمْتُ فلاناً بسَهمي ورُمحي، إذا قَصَدته دون مَن سِواه». ومثلُه عند الجوهريّ: «يَمَّمْتُه برُمحي تَيميماً، أي توخّيتُه وقصدتُه دون مَن سِواه».(٢)

وقالوا في اليَمِّ: «البَحْرُ الذي لا يُدْرَكُ قَعْرُهُ ولا شَطّاه». وقالوا: «يُمَّ الرَّجُلُ فهو مَيمومٌ إذا وقع في اليَمِّ وغَرِقَ فيه»، و«يُمَّ السّاحلُ إذا طَما عليه اليَمُّ فغَلَبَ عليه». وفي الجذر طائرٌ أيضاً - اليَمامُ - اختلفوا فيه: أوحشيٌّ هو أم آلِفٌ للبيوت.(٣)

وأصرحُ ما في البابِ نصٌّ للخليل يكادُ يكونُ خلاصةَ هذا المقال، وقد وقعَ في مادّةٍ أخرى فقلَّ مَن التفتَ إليه: «وقال تعالى: ولا تيمَّموا الخبيثَ منه، أي: لا تَتَوخَّوْا أَرْدَأَ ما عندَكم فتتصدَّقوا به. والتيمُّمُ بالصعيد من ذلك. والمعنى: أن تتوخَّوْا أطيبَ الصعيد، فصار التيمُّمُ في أفواه العامّة فِعلاً للمَسْحِ بالصعيد». فالخليلُ يَجعلُ الآيتين باباً واحداً، ويُفسِّرُ التيمُّمَ في كلتيهما بانتقاءِ الأردأ أو الأطيبِ من كتلةٍ حاضرة - لا بمجرَّد القصد. وهذا هو المطلوب.(٤)

ثانياً: اليَمُّ - لِمَ لم يقُلْ «البحر»؟

قبل أن نَعرِضَ للتيمُّم نَقِفُ على أخيه في الجذر، فمنه يَتبيَّنُ الأصل. ذهبَ الليثُ إلى أنّ اليَمَّ ما لا يُدرَكُ قعرُه ولا شَطّاه، ورَدَّ عليه الأزهريُّ بالقرآن: «ويَقَع اسمُ اليَمّ على ما كان ماؤه مِلْحاً زُعاقاً، وعلى النَّهْرِ الكبيرِ العَذْبِ الماء... وهو نَهَرُ النِّيلِ بمصر... قال الله عز وجل ﴿فَلۡيُلۡقِهِ ٱلۡيَمُّ بِٱلسَّاحِل﴾؛ فجعل له ساحِلاً، وهذا كلُّه دليلٌ على بُطْلانِ قولِ الليث».(٥)

فإذا لم يكن المائزُ في العُمق ولا في السَّعة ولا في المُلوحة - إذ النيلُ عَذْبٌ ذو ضِفَّتين وقد سُمِّي يَمّاً - فما بقيَ؟ بقيَ أنّ الماءَ ماضٍ إلى جهة.

والقرآنُ يُصرِّحُ بالمقابل: ﴿وَٱتۡرُكِ ٱلۡبَحۡرَ رَهۡوًا﴾. وقد اختلفوا في «رَهْواً» ههنا اختلافاً واسعاً: قيل ساكناً على هِينتك، وقال الزَّجّاجُ يَبَساً، وقال ابنُ الأعرابيّ واسعاً، وقال خالدُ بنُ جَنبة دَمِثاً؛ ورجَّح الأزهريُّ أن يكون من نعتِ البحر لا من نعتِ موسى: «دَعِ البحرَ قائماً ماؤه ساكناً واعْبُرْ أنت البحرَ». وليس يَعنينا أيُّ الأقوالِ أرجح؛ يَعنينا أنّها على تباينها تَصِفُ حالاً واحدةً في جوهرها: سكوناً أو يُبْساً أو سَعةً أو دَماثة. ولم يَقُلْ أحدٌ إنّ «رَهْواً» ههنا مُضِيٌّ إلى جهة.(٦)

وفي مقابلِه الفعلُ الذي وُصِف به عملُ اليَمِّ: «طَما... إذا مرَّ مُسرِعاً».(٧)

ولذلك اجتمعَ اللفظان في قصّةٍ واحدةٍ وافترقا: ﴿فَٱضۡرِبۡ لَهُمۡ طَرِيقٗا فِي ٱلۡبَحۡرِ يَبَسٗا﴾ [طه ٧٧] - ماءٌ فُلِقَ فسَكَن؛ ثمّ في الآية التي تليها ﴿فَغَشِيَهُم مِّنَ ٱلۡيَمِّ مَا غَشِيَهُمۡ﴾ [طه ٧٨] - ماءٌ عادَ فمضى. وأصرحُ منه ﴿فَلۡيُلۡقِهِ ٱلۡيَمُّ بِٱلسَّاحِل﴾: جُعِلَ اليَمُّ فاعلاً يَحمِلُ ويُلقي، والساكنُ لا يُلقي بالساحل شيئاً.(٨)

ثالثاً: فما التيمُّم؟

إذا كان اليَمُّ ماءً له وِجهةٌ يَلزَمُها، فالتيمُّمُ على وزن التفعُّل هو تكلُّفُ هذه الوِجهة: أن تُوجِّهَ نفسَك إلى شيءٍ بعينه فلا تَعدِلَ عنه. وقيدُ الخليل «دون مَن سِواه» هو الحدُّ كلُّه: ليس التيمُّمُ توجُّهاً فحسب، بل توجُّهٌ يُخرِجُ ما عدا المقصود.

وقد وَضَعنا قبلُ احتمالين لهذه الكلمة في آيتَي القرآن، وكِلاهما معقول: أن تكون النظرَ إلى الأسفل لفحص الشيء، أو أن تكون تقليبَ الشيء وبعثرتَه لأخذِ ما نُريد منه. والذي تبيَّن لنا الآن أنّ الاحتمالين ليسا ضِدَّين، بل هما مرحلتان لفعلٍ واحد: تُوجِّهُ البصرَ إلى الكتلة، ثمّ تُقلِّبُها حتى تُعيِّنَ منها المقصود. فالتوجيهُ أوّلُه، والانتقاءُ آخِرُه، والوِجهةُ تَجمعُهما.

رابعاً: الآيتان، و«مِنْه» التي تحسِمُ

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَنفِقُوا۟ مِن طَيِّبَـٰتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ ۖ وَلَا تَيَمَّمُوا۟ ٱلْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِـَٔاخِذِيهِ إِلَّآ أَن تُغْمِضُوا۟ فِيهِ﴾ [البقرة ٢٦٧].

والشاهدُ في حرفين: «مِنْه». فالخبيثُ المنهيُّ عن تيمُّمِه بعضٌ من كتلةٍ حاضرة، لا شيءٌ قائمٌ بنفسه. ولو أُريدَ مجرَّدُ التوجُّه لكفى «ولا تَقصِدوا الخبيث». فالنهيُ إذاً عن الانتقاء: أن تُقلِّبَ محصولَك فتَختارَ رديئَه للصدقة. ويشهدُ لذلك تمامُ الآية: ﴿وَلَسْتُم بِـَٔاخِذِيهِ إِلَّآ أَن تُغْمِضُوا۟ فِيهِ﴾ - أي لو عُرِض عليكم هذا الرديءُ لَما أخذتموه إلّا بِتغاضٍ. فالكلامُ كلُّه في مفاضلةٍ بين أفرادِ كتلةٍ واحدة.

﴿فَلَمْ تَجِدُوا۟ مَآءً فَتَيَمَّمُوا۟ صَعِيدًا طَيِّبًا فَٱمْسَحُوا۟ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ﴾ [المائدة ٦].(٩)

و«مِنْه» ههنا أيضاً: تَمسَحُ مِن الصعيد، لا الصعيدَ كلَّه. فالفعلُ واحدٌ في الموضعين: كتلةٌ حاضرةٌ - محصولٌ أو صعيد - يُوجِّهُ إليها الناظرُ بصرَه فيُعيِّنُ منها ما يُريد. وفي البقرة نُهِيَ عن تعيين الرديء، وفي المائدة أُمِرَ بتعيين الطيّب. ولو كان التيمُّمُ مجرَّدَ إتيانِ الأرض لَما احتاج إلى وصفٍ ولا إلى تبعيض.

ولذلك اشترطَ الطِّيب: ﴿صَعِيدًا طَيِّبًا﴾. ووصفُ الصعيدِ بالطِّيب لا يستقيمُ إلّا على الانتقاء: إذ لا يُوصَفُ بالطيِّب إلّا ما يُقابِلُه في الكتلة غيرُ طيّب. وقد نصَّ الخليلُ على التبعيض في الفعل نفسِه: «وتَيَمَّمِ الصَّعيدَ، أي: خُذْ من غُبارِه بكفَّيك للصلاة» - فليس المأمورُ به الصعيدَ كلَّه، بل ما يُؤخَذُ منه.(١٠)

خامساً: شهادةُ المعاجم على الانتقاء

وليس هذا استنباطاً محضاً؛ فالمعاجمُ نفسُها تَشهَدُ له من ثلاثة أوجه.

الأوّل: قولُ ابن السكّيت في الآية: «أي اقصِدوا لصعيدٍ طيّب. ثمّ كثُر استعمالُهم لهذه الكلمة حتى صار التيمُّمُ مسحَ الوجه واليدين بالتراب». فالمسحُ عندهم معنًى طارئٌ بالاستعمال، والأصلُ القصد. فمن جعل التيمُّمَ هو المسحَ فقد أخذ بالفرع وتركَ الأصل.(١١)

والثاني: أنّ في الجذر مشتقّاً يَجمعُ الطرفين لفظاً واحداً: «واليَمامةُ: القَصْدُ كاليَمام، يقال: هو يَمامتي ويَمامي أي قَصْدي». فاسمُ الطائرِ هو اسمُ القصدِ بعينه، لا يَفصِلُ بينهما شيء.(١٢)

والثالث: تفريقُ الخليل بين (أمَّ) و(يمَّ) في موضعٍ بعينه. فقد أنشدَ بيتاً فيه «يَمَّمْته الرُّمحَ شَزْراً» ثمّ قال: «ومن قال في هذا البيت: أمَّمته فقد أخطأ، لأنّه قال: شَزْراً، ولا يكون الشَّزْرُ إلّا من ناحيةٍ، ولم يَقصِدْ به أَمامه». والشَّزْرُ نظرٌ أو طعنٌ من جانب. فالآمُّ يَمضي إلى غايته أمامَه، والمُيَمِّمُ يُعيِّنُ هدفَه من أيِّ ناحيةٍ كان منه.(١٣)

سادساً: اعتراضٌ لا بدَّ من جوابه

في المعاجم جملةٌ تَهدِمُ ما مضى إن أُخِذَت على إطلاقها. قال ابنُ منظور: «وأمّا التيمُّمُ الذي هو التوخِّي، فالياءُ فيه بدلٌ من الهمزة». ومثلُها في التاج: «الياءُ بدلٌ من الهمزة، يقال: تيمَّمْتُه وتأمَّمْتُه»، وقبلَهما الجوهريّ: «وأصلُه التعمُّدُ والتوخِّي، من قولهم: تَيَمَّمْتُكَ وتَأَمَّمْتُكَ». فإن كانت الياءُ بدلاً من الهمزة فالكلمةُ من (أ م م)، وسقطَ البابُ كلُّه.(١٤)

والجوابُ من ثلاثة أوجه. أوّلُها أنّ دعوى الإبدال حكمٌ على أصلٍ مفترَض، لا وصفٌ للفظِ الذي نَزَل. والحرفُ الذي في المصحف ياء؛ وقراءةُ الحرفِ إنما تكونُ على ما رُسِم لا على ما قُدِّر.

وثانيها - وهو أقواها - أنّ القائلين بالإبدال أنفسَهم لم يُسوُّوا بين الفعلين في كلِّ موضع. فالخليلُ يُطلِقُ التسويةَ أوّلاً: «وتقول: أَمَّمْتُ ويَمَّمْتُ»، ثمّ يُبطِلُها بعد أسطرٍ في موضعٍ بعينه بعلّةٍ يَذكرُها: أنّ الطعنَ شَزْرٌ، والشَّزْرُ من ناحيةٍ لا من أمام. فالتسويةُ عنده في الأصل، والفرقُ في الاستعمال - وعلى الاستعمال المُعوَّل.(١٥)

وثالثها أنّ القرآنَ لم يَخلِطْ بينهما. جاء ﴿وَلَآ ءَآمِّينَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ﴾ [المائدة ٢] لقاصدي غايةٍ واحدةٍ معلومةٍ أمامَهم لا يَنتقونها من بين غاياتٍ سِواها؛ وجاء التيمُّمُ في موضعيه لانتقاءِ واحدٍ من متعدِّد: ﴿صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ من الصعيد، و﴿ٱلْخَبِيثَ مِنْهُ﴾ من المال. ولم يُسمَّ قاصدُ البيتِ مُتيمِّماً قطُّ، ولا سُمِّي المُتيمِّمُ آمّاً.

على أنّ هذا لا يَنفي القرابةَ بين البابين، فالحرفان يَلتقيان في القصد. إنّما يَنفي أن يكونا واحداً، وأن يُلغى ما بينهما من فرقٍ نصَّ عليه أقدمُ مَن دوَّن.

سابعاً: الخلاصة

التيمُّمُ توجيهُ البصرِ نحو الأرض للفحص والتدقيق، ثمّ تقليبُ التراب حتى يَظهرَ الطيِّبُ منه فيُمسَحَ به. فنحن نُيمِّمُ نظرَنا نحو التراب لنتأكَّدَ من طهارته، ونُيمِّمُ نظرَنا نحو المحاصيل - وهي على الأرض أسفلَ منّا - لنُميِّزَ الخبيثَ من الطيّب؛ ثمّ نُبعثِرُ التراب لنصِلَ إلى الأنقى تحتَه، ونُقلِّبُ المحصولَ لنَفصِلَ جيِّدَه عن رديئه.

وليس التيمُّمُ في أصله مسحاً، وإنما المسحُ آخِرُ الفعل. والذي جعلَ العربَ يُسمُّون هذا العملَ كلَّه تيمُّماً أنّ أوّلَه توجيهُ وِجهةٍ لا تَلتفِتُ إلى غيرها - وهو الأصلُ الذي يَجمعُ بين الماءِ الماضي إلى جهة، والرامي الذي يَقصِدُ واحداً دون مَن سِواه، واسمِ اليَمامةِ الذي هو القصدُ بعينه.(١٦)

هذا، والله أعلم.

  1. المصادرُ التي نستقرئ منها خمسةٌ: كتابُ العين للخليل، والصحاحُ للجوهري، ومقاييسُ اللغة لابن فارس، ولسانُ العرب لابن منظور، وتاجُ العروس للزَّبيدي.
  2. «الياء والميم: كلمةٌ تدلُّ على قَصْدِ الشئِ وتعمُّده وقصده» ثمّ استشهدَ بآية التيمُّم، ثمّ قال: «قال الخليل: يقال تَيمَّمْتُ فلاناً بسَهمِى ورُمْحى، إذا قَصَدته دون مَنْ سِواه» (المقاييس جـ٦ صـ١٥٢). وفي الصحاح: «يَمَّمْتُه: قصدتُه... وتَيَمَّمْتُه: تقصَّدتُه. وتَيَمَّمْتُ الصعيدَ للصلاة، وأصلُه التعمُّدُ والتوخِّي، من قولهم: تَيَمَّمْتُكَ وتَأَمَّمْتُكَ... ويَمَّمْتُهُ برمحى تيميما، أي توخيته وقصدته دون من سواه» (جـ٥ صـ٢٠٦٤). وجملةُ الجوهريِّ الأخيرةُ («تَيَمَّمْتُكَ وتَأَمَّمْتُكَ») اعتراضٌ على ما يُبنى في هذا المقال، وقد أُفرِدَ له فصلٌ بتمامه.
  3. نصُّ العين في مادة يم: «اليَمُّ: البَحْرُ الذي لا يُدْرَكُ قَعْرُهُ ولا شَطّاه. ويقال: اليَمُّ: لُجَّتُهُ. وتقول: يُمَّ الرَّجُلُ فهو ميموم، إذا وقع في اليَمِّ وغَرِقَ فيه. ويقال: يُمَّ السّاحلُ، إذا طَما عليه اليَمُّ فغَلَبَ عليه. واليمامةُ: الحمامة. واليمامُ: طيرٌ على ألوانٍ شتّى يأكلُ العِنب. وأهلُ الشّام يقولون: اليَمامُ يَأْلَفُ كما يَأْلَفُ الحَمامُ» (العين جـ٨ صـ٤٣١). وقولُه «ويقال: اليَمُّ لُجَّتُه» إثباتُ محقِّقٍ من التهذيب؛ والذي في أصول العين «ولا يقال». وقولُ الشاميّين في اليَمام ليس هو الراجحَ عند غيرهم: «الأصمعيّ: اليَمامُ: الحمامُ الوحشيّ... وقال الكسائي: هي التي تألَفُ البيوت» (الصحاح جـ٥ صـ٢٠٦٥)، وفي اللسان: «الجوهريُّ: اليَمامُ الحمامُ الوحشيُّ... وقال الكسائي: هي التي تألَفُ البيوت» ثمّ قال: «اليَمامُ الَّذي يَسْتَفْرِخُ، والحَمامُ هو البرِّيُّ الذي لا يَأْلفُ البُيوتَ» (جـ١٢ صـ٦٤٨). فالمسألةُ خلافيّةٌ، ولا يُبنى عليها ههنا شيء.
  4. نصُّ الخليل في العين (جـ٨ صـ٤٣٠). وهو في مادّة (أمم) لا في مادّة (يم)، ولذلك يَغفُلُ عنه مَن طلبَه في موضعه المتوقَّع. وفي المادّة نفسِها قبلَه: «وأمَّ فلانٌ أمراً، أي قَصَد. والتيمُّمُ: يجري مجرى التوخِّي، يقال: تيمَّمْ أمراً حسناً، وتيمَّمْ أطيبَ ما عندك فأطعِمْناه».
  5. «وقال الزجاج: اليَمُّ البحرُ... ويَقَع اسمُ اليَمّ على ما كان ماؤه مِلْحاً زُعاقاً، وعلى النَّهْرِ الكبيرِ العَذْبِ الماء، وأُمِرَتْ أُمُّ موسى... أن تجعلَه في تابوتٍ ثمّ تقذفَه في اليَمِّ، وهو نَهَرُ النِّيلِ بمصر... وماؤه عَذْب. قال الله عز وجل ﴿فَلۡيُلۡقِهِ ٱلۡيَمُّ بِٱلسَّاحِل﴾؛ فجعل له ساحِلاً، وهذا كلُّه دليلٌ على بُطْلانِ قولِ الليثِ إنه البحرُ الذي لا يُدْرَكُ قَعْرُه ولا شَطّاه» (لسان جـ١٢ صـ٦٤٧). والكلامُ للأزهريِّ نصّاً، نقلَه ابنُ منظور بلا عزوٍ؛ وقد عزاه إليه الزَّبيديُّ صريحاً: «قال الأزهريُّ: ويقع اسمُ اليَمِّ على ما كان ماؤُه مِلْحاً زُعاقاً... وهذا كلُّه يدلُّ على بُطلانِ قولِ الليث» (التاج جـ٣٤ صـ١٣٩-١٤٠).
  6. في مادّة (رهو): «الراء والهاء والحرف المعتل أصلان، يدلُّ أحدُهما على دَعَةٍ وخَفْضٍ وسكون... فالأوّل الرَّهْو: البحر الساكن. ويقولون: عيشٌ راهٍ، أي ساكن» (المقاييس جـ٢ صـ٤٤٦). وفي الصحاح: «ورَها البحرُ، أي سَكَن» (جـ٦ صـ٢٣٦٦). وفي العين: «والرَّهْوُ: مشيٌ في سكون» (جـ٤ صـ٨٣). وأقوالُ المفسِّرين في قوله ﴿وَٱتۡرُكِ ٱلۡبَحۡرَ رَهۡوًا﴾ مجموعةٌ في اللسان (جـ١٤ صـ٣٤١): «وقيل: أي ساكناً على هِينتِك، وقال الزَّجّاجُ: رَهْواً هنا يَبَساً... وقال أبو سعيد: يقول دَعْه كما فلَقْتَه لك، لأنّ الطريقَ في البحر كان رَهْواً بين فِلْقَي البحر، قال: ومَن قال ساكناً فليس بشيء... قال ابنُ الأعرابي: ... واسِعاً ما بين الطاقات... قال الأزهري: رَهْواً ساكناً من نعتِ موسى أي على هِينَتِك، قال: وأجْوَدُ منه أن تجعلَ رَهْواً من نعتِ البحر، وذلك أنّه قام فِرْقاهُ ساكنَين، فقال لموسى: دَعِ البحرَ قائماً ماؤه ساكناً واعْبُرْ أنت البحرَ. وقال خالدُ بنُ جَنبة: رَهْواً أي دَمِثاً». وفي المادّة نفسِها: «والرَّهْوُ أيضاً: الكثيرُ الحركة، ضدٌّ... والرَّهْوُ أيضاً: السَّريعُ» - فاللفظُ من الأضداد، ولذلك لم يُبنَ عليه ههنا إلّا ما اتّفقت عليه الأقوالُ كلُّها.
  7. وأمّا طَما فقال الجوهريُّ: «طَما الماءُ يَطْمو طُمُوًّا ويَطْمي طُمِيًّا، فهو طامٍ، إذا ارتفعَ وملأ النهرَ... وطَمى يَطمي مثل طَمَّ يَطِمُّ، إذا مرَّ مُسرِعاً» (الصحاح جـ٦ صـ٢٤١٥). ومثلُه في اللسان (جـ١٥ صـ١٥) بزيادةِ ضبطِ الروايتين: «مثل طَمَّ يَطِمُّ [يَطُمُّ]».
  8. وقد أُفرِدَ لبنية الجذر مقالٌ مستقلّ: «ثلاثيّة (ي م م): ماءٌ له وِجهة، وقَصدٌ لا يَلتفِت».
  9. وفي النساء ٤٣ الأمرُ نفسُه بغير «مِنْه»: ﴿فَٱمْسَحُوا۟ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾؛ فالتبعيضُ منصوصٌ في المائدة وحدَها، وعليها المُعوَّل.
  10. معنى الصعيد في المعاجم قولان: «والصَّعيد: وجهُ الأرض قلَّ أو كثُر» (العين جـ١ صـ٢٩٠)؛ وفي المقاييس: «فأمّا الصعيدُ فقال قومٌ: وجهُ الأرض... قال الزّجّاج: ولا يختلف أهلُ اللُّغة أنَّ الصَّعيد ليس بالتُّراب... إلّا أنَّ الحقَّ أحقُّ أن يُتَّبع... أنّ الصَّعيدَ التراب» (جـ٣ صـ٢٨٧). فليس في المعاجم وصفُه بالمَيْل، وإنما هو استنباطٌ للمؤلِّف من مادّة (صعد) نفسِها. [استنباط] وأمّا التبعيضُ فمنصوصٌ عند الخليل في المادّة: «وتَيَمَّمِ الصَّعيدَ، أي: خُذْ من غُبارِه بكفَّيك للصلاة» (العين جـ١ صـ٢٩٠).
  11. «وقال ابن السكّيت: قولُه تعالى ﴿فَتَيَمَّمُوا۟ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ أي اقصِدوا لصعيدٍ طيّب. ثمّ كثُر استعمالُهم لهذه الكلمة حتى صار التيمُّمُ مسحَ الوجه واليدين بالتراب» (الصحاح جـ٥ صـ٢٠٦٤، والتاج جـ٣٤ صـ١٤٠-١٤١).
  12. نصُّ التاج (جـ٣٤ صـ١٤١): «واليَمامةُ: القَصْدُ كاليَمام، يقال: هو يَمامتي ويَمامي أي قَصْدي». وفي المادّة نفسِها روايةٌ أخرى تُفسِّرُها بالجهة لا بالقصد: «وامْضِ يَمامي ويَمامتي، أي أمامي» (جـ٣٤ صـ١٤٢)، وهي التي اقتصرَ عليها اللسانُ: «وقالوا: هو يَمامَتي ويَمامِي كأَمامي» (جـ١٢ صـ٦٤٨). فالنقلُ فيه وجهان لا وجهٌ واحد.
  13. «ومن قال في هذا البيت: أمّمته فقد أخطأ، لأنّه قال: شزراً ولا يكون الشّزر إلاّ من ناحيةٍ، ولم يَقصِدْ به أَمامه. والأَمُّ: القَصْدُ، فعلاً واسما» (العين جـ٨ صـ٤٣١). والشَّزْرُ من جانبٍ لا من أمام: «وطعنٌ شَزْرٌ، أي من ناحيةٍ ليست على شَجيحةٍ الطريقة» (العين جـ٦ صـ٢٣١). والبيتُ لعامر بن مالكٍ مُلاعِبِ الأسِنّة. وروايةُ «شَزْراً» هي روايةُ العين والمقاييس والتاج والصحاح في مادّة (زحلق): «يَمَّمْتُه الرمحَ شَزْراً ثمّ قلتُ له - هذي المروءةُ لا لعبُ الزَّحاليق» (الصحاح جـ٤ صـ١٤٨٩)، وإن جاء في مادّة (يمم) من الصحاح نفسِه «صَدْراً» (جـ٥ صـ٢٠٦٥).
  14. «وأمّا التيمُّمُ الذي هو التوخِّي، فالياءُ فيه بدلٌ من الهمزة» (لسان جـ١٢ صـ٦٤٨). وفي التاج: «والتيمُّمُ: التوخِّي والتعمُّدُ، الياءُ بدلٌ من الهمزة، يقال: تيمَّمْتُه وتأمَّمْتُه. ويمَّمَه برُمحه تيميماً وأمَّمَه: قصدَه وتوخّاه دون سواه» (جـ٣٤ صـ١٤٠). وفي الصحاح: «وأصلُه التعمُّدُ والتوخِّي، من قولهم: تَيَمَّمْتُكَ وتَأَمَّمْتُكَ» (جـ٥ صـ٢٠٦٤).
  15. «وتقول: أَمَّمْتُ ويَمَّمْتُ... ويَمَّمْتُ فلاناً بسَهْمي ورُمحي، أي: توخَّيتُه به دون ما سواه» (العين جـ٨ صـ٤٣٠) - وهو قبلَ بيتِ الشَّزْر بأسطر. فالتسويةُ مُطلَقةٌ عنده، ثمّ يُبطِلُها في البيت وحدَه بعلّةِ الشَّزْر.
  16. وقد أُفرِدَ للوضوء والتيمُّم مقالٌ آخَر بُيِّن فيه أنّ التيمُّمَ أقربُ إلى أن يكون بديلاً عن الاغتسال منه إلى أن يكون بديلاً عن الوضوء، وأنّ مقصودَ الطهارة في الموضعين بثُّ الشعور بالطهارة لا إزالةُ القَذَر وحدَها.

التعليقات (0)