أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

📁 آخر الأخبار

السفع والناصية في القرآن المكرم


 السفع والناصية في القرآن المكرم

‌‌‌سفع في المعاجم:

السفع أصلان إما أنه يعني لون من الألوان أو يعني تناول الشيء باليد. فالسفع هو السواد. وقيل للأثافي سفع ولعله لتغير لون الأثافي إلى السواد. والسفعاء هي المرأة الشاحبة. والسفعاء الحمامة وسفعتها في عنقها. والسفعة في آثار الدار ما خالف من رمادها سائر لون الأرض. ويرى الخليل أن السفعة سواد مشوب بالحمرة.

 وسفعت الفرس أي أخذت بمقدم رأسه وهي ناصيته. وسفع الطائر ضريبته أي لطمه. وسفعت رأس فلان بالعصا.  وفي الحديث: (أنا وسفعاء الخدين كهاتين يوم القيامة) وفي حديث آخر: (ليصيبن أقوام سفع من النار) والأسفع هو الثور الوحشي الذي خده سواد. وسفع الثور: نقط سود في وجهه. وسفعته النار والشمس والسموم: لفحته لفحا يسيرا؛ فغيرت لون بشرته، وسودته ([1])

السفع في القرآن

لم يرد هذا الجذر إلا مرة واحدة في القرآن المبجل

{ كَلَّا لَئِن لَّمۡ يَنتَهِ لَنَسۡفَعَۢا بِٱلنَّاصِيَةِ }  [العلق: 15].

لكن لو درسنا سورة العلق سنجد أنها تتكلم عن كبير من كبراء كفار قريش، ممن له سلطة وسطوة وجماعة قوية، بل هو أحد المجرمين الظلمة، الذي له تأثير وبلاغة بحيث يقنع الآخرين في منع الرسول من الدعوة.

لقد توعدته السورة بأن يسفع بناصيته، إذا لم يتوقف عن منع الرسول، فما هو السفع ومتى يكون؟

يرى الطبري أن السفع هو تسويد الوجه، وبين أن سبب ذكر الناصية دون بقية الوجه لأنها مقدمة الوجه، وقيل معنى الآية أي لنأخذن بناصيته إلى النار ([2]) بينما يرى ابن كثير أن المقصود هو أبو جهل، وأنه سيتم تسويد ناصيته يوم القيامة ([3])

ونستبعد التسويد، لأن تسويد الوجه مذكور في القرآن فلا يصح الترادف، وتسويد الناصية لا قيمة له، لأن ذلك لن يمنع ذلك الكافر من صد الرسول عن الصلاة.

نلاحظ أن سفع لها جذر ثنائي ولها أقارب، فأصلها سف وهو نفاذ دقاق جافة من أثناء، أما "سفف" فهو مرور الدقيق من المنخل، أما "سوف" هو شم الجمل ونفاذ المدماك أثناء البناء. وكذلك "أسف" وهو نفاذ الندى والخصوبة من الأرض. و "سفر" وهو زوال ما يعروا وجه الأرض. وكذلك "سفك" وهو إراقة المحتبس المائع. أو "سفل" وهي القوائم الدقيقة التي يقوم عليها البدن. وكذلك "سفن" وهو إزالة قدر من ظاهر الشيء حكاً ([4]) أما معكوس سفع فهو "عفس" وعفس يعني عالج، واعتفس القوم أي اصطرعوا ([5])

ومن أكثر الألفاظ قرباً من سفع هو "صفع" والصفع هو ضرب القفى ([6]) وكذلك من الأقارب الجذر "صقع" وهو ضرب الرأس أو شجها ([7]) وبهذا، نقول، بكل ثقة أن سفع هو ضرب الرأس وليس تسويد الرأس، وقد يكون من نتيجة هذا الضرب ظهور السواد في الرأس والوجه، أو أي مكان يتم فيه الضرب، بل قد يكون السفع هو السواد الناتج عن الاحتكاك الشديد كالضرب. والخلاصة من كل هذا أن السفع هو إيذاء الرأس.

 فإذا تبين لنا أن السفع هو إيذاء الرأس، فإن الناصية هي جزء من الرأس وهذا ما سوف نؤكده عند دراسة لفظة الناصية. وبهذا يتبين لنا هذا الكافر لو حاول منع الرسول من الصلاة أي الدعوة للدين الجديد، فإن المولى سيضرب ناصيته وهي كما سوف نرى مركز اتخاذ القرار، فإنه سيصاب بالخبال أو الجنون، أو التخبط في اتخاذ القرارات.

الناصية في القرآن الكرم

نصو في المعاجم:

الناصية هي قصاص الشعر في مقدم الرأس وجمعها نواصي. وسمي الشعر الذي ينبت في الناصية بهذا الاسم عند العامة. وقيل في تفسير الآية أي لنسودن وجهه بكفت الناصية لأنها في مقدم الوجه.

ولما أراد الحسين الرحيل إلى العراق، قال له أحد محبيه: "لولا أني أكره لنصوتك" أي أخذت بناصيتك لمنعك من السفر. وقالت عائشة: "لماذا تنصون ميتكم" أي تسرحون رأس الميت. ونصف الثوب أي كشفه. ونصوته أي جاذبته. وناصيته أي جذبت ناصيته. والمنتصى أعلى الواديين. وإبل ناصية أي ارتفعت في المرعى. ونواصي الناس أي أشرافهم ([8])

هل الناصية هي قشرة الفص الجبهي الأمامي؟

لقد أثبت علم الأعصاب أن منطقة قشرة الفص الأمامي هي منطقة الوظائف التنفيذية والعقلية العليا، فهي المسؤولة عن التفكير والتخطيط واتخاذ القرارات وحل المشكلات وتحديد الأهداف. وهي تتحكم في العواطف وتميز بين الصواب والخطأ ومن خلالها تظهر شخصية الفرد، بل هي التي تتحكم في الحركات الإرادية للجسم فهي مركز قيادته.

 فهل يتطابق معها النص القرآني؟

الناصية في القرآن:

آخذ بناصيتها:

{ إِنِّي تَوَكَّلۡتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمۚ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلَّا هُوَ ءَاخِذُۢ بِنَاصِيَتِهَآۚ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ }  [هود: 56].

كل الدواب لها ناصية، ومن خلالها يتحكم المولى بها، فلو أراد شيئاً نفذه ومن خلالها وبدون إرادة منها- لو شاء – لأن تلك الناصية هي التي تتحكم في كل جسم الكائن ونفسه وعقله، وهذا يشير إلى أنها مقدمة الرأس أو ما يسميه الطب قشرة الفص الجبهي الأمامي.

يؤخذ بالنواصي والأقدام:

{ يُعۡرَفُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ بِسِيمَٰهُمۡ فَيُؤۡخَذُ بِٱلنَّوَٰصِي وَٱلۡأَقۡدَامِ }  [الرحمن: 41].

يوم القيامة يساق البشر إلى حيث مصيرهم، وخاصة المجرمين، وكل إنسان معه سائق يسوقه، وهذا السائق يأخذ البشري من النواصي والأقدام، والقدم معروفة وهي مقدمة الرجل الأمامية  وليس العقب التي هي ما خلف الرجل، فما الناصية هنا؟

بعد أن يتم السيطرة على القدم التي تحرك البشري، يتم السيطرة على الناصية التي هي مركز الأوامر كما رأينا ومن خلالها يتحرك البشري بلا إرادة وسيطرة منه نحو حتفه خاصة المجرمين.

وقد يتم أخذ الناصية بواسطة سحبه من شعره

ﵟيَوۡمَ يُسۡحَبُونَ فِي ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمۡ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَﵞ [القمر: 48] 

وقد يتم سحبه بواسطة الأغلال التي في أعناقهم

ﵟإِذِ ٱلۡأَغۡلَٰلُ فِيٓ أَعۡنَٰقِهِمۡ وَٱلسَّلَٰسِلُ يُسۡحَبُونَ ﵞ [غافر: 71] 

ناصية كاذبة خاطئة؟

{ نَاصِيَةٖ كَٰذِبَةٍ خَاطِئَةٖ }  [العلق: 16].

بما أن الناصية تكذب وتخطئ، فهي مركز التحكم والتفكير والقرار، وهذا لا يكون إلا في الفص الجبهي الأمامي من قشرة الدماغ، وبهذا نتأكد أن الناصية هي الجبهة الأمامية من الدماغ.

سفع الناصية:

{ كَلَّا لَئِن لَّمۡ يَنتَهِ لَنَسۡفَعَۢا بِٱلنَّاصِيَةِ }  [العلق: 15].

قلنا إن السفع هو مثل الصفع والصقع، وهي ضرب الرأس بطريقة ما ومن جهة ما، فإن السفع هو ضرب الرأس في منطقة الناصية أي مقدمة الرأس، وهذا يعني ضرب يجعل القدرة على التمييز مشوشة والقدرة على اتخاذ القرار مضطربة، فحينها لن يستطيع منع الرسول من الدعوة للدين. أما لو دعا أصحابه ضد الرسول فإن المولى سيجمع لهم الزبانية.

الخلاصة:

السفع هو ضرب جزء من الرأس، بطريقة تؤذيه، والناصية هي القشرة الفص الجبهي الأمامي أي مقدمة الرأس، والتي فيها يتخذ البشري قرارته ويحدد مواقفه وتظهر شخصيته، بل هي التي تتحكم في حركة الجسم، فقد يؤدي سفع الناصية أي ضربها إلى خلل في حركة الجسم وعدم قدرة على التحكم فيه.

هذا والله أعلم

علي موسى الزهراني



([1]) «معجم مقاييس اللغة» (3/ 83): «الغريبين في القرآن والحديث» (3/ 902): «المغرب في ترتيب المعرب» (1/ 398): «المعجم الاشتقاقي المؤصل» (2/ 1025):

([2]) «تفسير الطبري» (24/ 536):

([3]) «تفسير ابن كثير - ط ابن الجوزي» (7/ 605):

([4]) «المعجم الاشتقاقي المؤصل» (2/ 1029):

([5]) «معجم مقاييس اللغة» (4/ 68):

([6]) «تاج العروس من جواهر القاموس» (21/ 339):

([7]) «تاج العروس من جواهر القاموس» (21/ 340):

([8]) «تاج العروس من جواهر القاموس» (40/ 90): «المعجم الاشتقاقي المؤصل» (4/ 2203):

ali
ali
تعليقات