الصنع والصناعة في القرآن المكرم
صنع
لغة:
أصل واحد وهو عمل الشيء
صنعاً. وامرأة صناعٌ ورجل صنعٌ أي حاذقين فيما يعملانه. والصنيعة ما اصطنعته من
خير. والتصنع حسن السمت. وفرس صنيع، أي
قام أهله بتدريبه وتعليمه. والمصانع ما يصنع من بئر وغيرها للسقي. والمصانعة
كالرشوة. والإبل المخشوش الذي "يصانع" قائده، أي يوافقه وينقاد له. وصنع إليه معروفاً أي قدمه له. وصنع الشيء عمله فهو مصنوع. والصنع إجادة الفعل. واصطنع النبي
خاتم من حديد أي أمر بأن يصنع له ذلك الخاتم. والمصانع المباني من القصور. واتخذوا
صنيعاً أي اتخذوا طعاماً تنفقونه في سبيل الله ([1])
صنع في القرآن:
ورد هذا الجذر 20 مرة في
القرآن المبجل، وهو له علاقة بالفعل والعمل، وقد شرحنا الفعل وقلنا هو القيام بأمر
أول مرة، فإن تكرر الفعل أطلق عليه القرآن "عمل" فماذا يكون الصنع إذاً؟
ونلاحظ من خلال النصوص أن
هناك صناعة حسية مادية تمثلت في صناعة السفينة مثلاً، وهناك صناعة معنوية مثل
صناعة موسى وتكوينه. وقد افترضنا عدة افتراضات ولم نجزم إلا بافتراض واحد هو ترابط
عدة أعمال وأفعال لصناعة الشيء من أجل القيام بدور على خير وجه، فلنبحث في الآيات
المبجلات:
السفينة صناعة:
{وَاصْنَعِ
الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا}
[هود: 37].
{ وَيَصْنَعُ
الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ} [هود: 38].
{اصْنَعِ
الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا}
[المؤمنون: 27].
فهذا نوح يصنع سفينة! ذلك أن السفينة تحتاج إلى أعمال مترابطة متكاملة،
فهناك الحداد الذي يتعامل مع الحديد والمعادن، وهناك الحبّال الذي يصنع الحبال،
وهناك النجار الذي يقطع الأخشاب وهناك الإدارة والعقل الذي يدير كل تلك الأعمال.
ﵟوَحَمَلۡنَٰهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلۡوَٰحٖ
وَدُسُرٖ ﵞ [القمر:
13]
ولأن بناء الفلك هو أعمال مترابطة
ومتكاملة، فإنه لم يقل وافعل الفلك أو أعمل الفلك، بل قال أصنع، لأنها عدة أعمال
مترابطة ومتكاملة يقوم بها شخص واحد أو يتعاون عليها الكثير من العمال المهرة.
الدروع صناعة:
{وَعَلَّمْنَٰهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ} [الأنبياء: 80].
كذلك قام داود بصناعة لباس واقٍ يحمي جنوده، وقد وصفه القرآن بأنه صناعة، لأنه يعتمد على عدة أعمال مترابطة، فهناك من يذيب الحديد، وهناك من يعيد تشكيله وهناك من يتفنن في تصميمه، فالسرابيل والدروع صناعات وليسوا أعمال لأنها قائمة على أعمال مترابطة مع بعضها، لتؤدي وظيفة واحدة.
عاد تصنع:
ذلك لأنهم احترفوا الصناعة، وقد وصف القرآن مدينتهم بأنها لا مثيل لها في
تلك المنطقة.
ﵟ إِرَمَ ذَاتِ ٱلۡعِمَادِ
٧ ٱلَّتِي لَمۡ يُخۡلَقۡ مِثۡلُهَا فِي ٱلۡبِلَٰدِﵞ [الفجر: 7-8]
ووصف أجسادهم بالضخمة وهذا يساهم في العمل والصناعة.
ﵟوَزَادَكُمۡ
فِي ٱلۡخَلۡقِ بَصۜۡطَةٗۖ ﵞ [الأعراف: 69]
وقد بالغوا في البناء والصناعة
ﵟأَتَبۡنُونَ
بِكُلِّ رِيعٍ ءَايَةٗ تَعۡبَثُونَ ١٢٨ وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمۡ
تَخۡلُدُونَﵞ [الشعراء:
128-129]
لم يظهر لنا ماهية الصناعة التي كانوا يصنعونها، فهل
هي صناعة أسلحة، أو صناعة أطعمة، كصناعة الخمر التي تتطلب عدة أعمال مترابطة كالعصر،
ثم التخمير، ثم التخزين، لكن نرجح أنها صناعات غذائية، لأنهم بنوا هذه المصانع
كأنهم سيخلدون، فنبيهم يحذرهم من نسيان الموت.
مصانع فرعون:
{ وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ
كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَٰرِقَ الْأَرْضِ وَمَغَٰرِبَهَا الَّتِي بَٰرَكْنَا
فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَٰءِيلَ بِمَا
صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ
وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ } [الأعراف: 137].
شرحنا في مقال أن الفراعنة لم يكونوا يرغبون بخروج بني إسرائيل من
بلادهم، لما يمتلكونه من مهارة في الصناعة ولأنهم كانوا سُخرة يخدمون بالمجان
تقريباً، فهذه الآية تشير إلى دمار صناعة الفراعنة، ونرجح أنه بسبب خروج بني
إسرائيل.
كما نرجح أن تلك الصناعة كانت مختصة بصناعة الأسلحة، لأنه مع دمار هذه
الصناعة فقد الفراعنة قوتهم وزال ملكهم بعد خروج بني إسرائيل، فمن الوارد أن سلسلة
صناعة الأسلحة كانت تعتمد على المهارة في تشكيل المعادن التي تستخدم في صناعة
السلاح، لأن السلاح صناعة وليس عمل فهو جملة أعمال مترابطة ومتكاملة لتأدية وظيفة
واحدة هي خروج سلاح صالح للاستعمال.
السحرة صنّاع:
{ وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَٰحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ
} [طه: 69]
وقد وصف القرآن عمل سحرة فرعون بأنه صناعة، ولأننا لا نعرف طريقة
أعمالهم، فإن القرآن بين أنه ليس عمل واحد، بل صناعة تظافرت فيه عدة أعمال فأخرجت حبال
كأنها تتحرك نحو موسى. ونرجح أن أعمالهم لم يكن فيها استعانة بالجن، بل هي استعانة
بقوانين الطبيعة التي قد تخدع وتؤدي للخيال.
حركة الجبال صناعة:
{
وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ
كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ } [النمل: 88].
بغض النظر عن مرور الجبال هل سيكون في الدنيا أم الآخرة، وإن كنّا نرجح
أنها في الآخرة، فإن هذه الحركة لا يقوم بها عمل واحد أو فعل واحد، بل هي أعمال مترابطة
ومتكاملة تؤدي إلى هذه الحركة.
الصناعة المعنوية:
فإذا تعاونت أعمال متعددة لتخرج لنا انتاجاً واحداً معنوياً، سميت كذلك
بأنها صناعة، حتى لو كان المنتج معنوياً ومن ذلك:
الفساد الإداري صناعة:
{ لَوْلَا يَنْهَىٰهُمُ
الرَّبَّٰنِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ
السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ } [المائدة: 63].
الفساد الإداري والاقتصادي هو صناعة، أي عمل منظم ومتكامل قائم على عدة
أعمال تتكامل فيما بينها، وأن هناك أطراف كثيرة تصنعها، فهناك القاضي الفاسد،
وهناك الشرطي الفاسد وهو التاجر الفاسد، كل هؤلاء يتعاونون على أكل مال المستضعفين،
في صناعة متقنة لا يستطيع العامة مقاومتها، بل قد يشارك رجل الدين في هذه الصناعة
بأن يحلل ويحرم من عنده، وقد يثبط المظلوم عن المقاومة.
موسى صناعة:
{وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً
مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي } [طه: 39].
{ وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي } [طه: 41].
وموسى تمت صناعته برعاية الله، فمنذ مولده وهو تحت رعايته وعنايته، يعرضه
للتجارب حتى صقل وصار رجلاً حنكته التجارب، فكأنه صناعة صنع لما تعرض له من صنوف
الأعمال، فشخصية موسى لم تأت من فراغ، بل من تجارب (أعمالٍ) صقلته، فهو عاش في
البلاط الملكي ورأى ما فيه من عيوب وحسنات، ثم ذهب للتعلم على يد الخضر، ثم انتقل
إلى الصحراء حيث تمرس على الجلد والصبر والتحمل، فكان صناعة صنعه الله، بهذه
الأعمال التي وقعت فيه قدراً قدره الله له، فأخرجت لنا موسى البهي الذي قاد قومه
إلى الخلاص من الفراعنة.
التحلل صناعة:
{ قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ
أَبْصَٰرِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ } [النور: 30].
والتحلل الأخلاقي صناعة أيضاً، لما يتطلبه من أعمال متعددة حتى يحدث ذلك
الفسق، فنصح القرآن بوأده في مهده، وذلك بغض البصر، ثم حفظ الفرج، أي حفظ اللسان
والسمع من كل ما هو دافع نحو الفاحشة، فالفاحشة لا تأتي فجأة، بل تسبقها أعمال
متعاونة متراكمة بخطوات شيطانية تسوق الإنسان نحو الفاحشة.
زفي الختام، نقول: إن بقية الآيات التي ورد فيها هذا الجذر يقصد بها
الفساد السياسي والديني والاقتصادي كل هذا الفساد المنظم لا يقوم على فعل أو عمل واحد،
بل على أعمال كثيرة مترابطة ومتكاملة، ويقوم بها فريق متعاون يقتسمون بها الكعكة،
كعكة الاقتصاد والسلطة والعزة.
الخلاصة:
الصناعة، هي أعمال مترابطة ومتكاملة، غرضها أن تخرج منتجاً ذا قيمة، ليقوم
بعمل مفيد لصاحب الصناعة، فالغرض من الصناعة هو إخراج منتج يؤدي وظيفة ويؤدها على
أحسن وجه.
فالسفينة صناعة، لأنها قامت على
عدة أعمال مترابطة، ولأن لها وظيفة هي حماية نوحٍ ومن معه. والأسلحة التي صنعها
داود، صناعة لأنها قامت على عدة أعمال مترابطة، وغرضها تقوية جيش داود، وموسى
صناعة معنوية، لأن أعمال كثيرة (تجارب وأقدار) صقلته وجعلت منه ذلك الرجل العظيم.
هذا والله أعلم
علي موسى الزهراني
هل لديك نظرة أخرى
أطرحها هنا كي نستفيد من علمك