التفسير في القرآن المكرم
فسر في
المعاجم:
فسر تدل على بيان شيء وإيضاحه. والتفسرة هي
نظر الطبيب إلى البول لمعرفة المرض. والفسر كشف المغطى. ويرون أن التفسير والتأويل
بمعنى واحد، وقال غيرهم أن التفسير كشف المراد من اللفظ المشكل والتأويل هو رد أحد
المحتملين إلى ما يطابق الظاهر. والتفسير هو كشف المراد من اللفظ المشترك والتأويل
هو رد أحد المحتملين إلى ما يطابق الظاهر. وفسر تعني أحصى وعد وذكر وسرد. وتفسر أي
توضح وتبين وشرح. ويتفسر أي يمكن تفسيره ويفسر ويشرح ويقرأ وتحل رموزه. واستفسر أي
سأل أن يفسر ويوضح. وافسار تعني رسن زمام أو مقود. والمفسر هو مؤول الأحلام. وفسر الشيء
أي أبانه ([1])
الكلمات
القريبة من فسر:
سنجد كلمات قريبة من جذر فسر من ناحية
التركيب، ففقر مثلا هو انفراج في شيء، وفطر هو فتح الشيء، وفس هو ذهاب غلظ الشيء
بتسرب قوته. وفسح هو ذهاب الكتل الغليظة التي تشغل المكان. وفسد هو ذهاب نفع
الشيء. وفسق هو خروج الشيء من شيء ([2])
من خلال هذه المعاجم نلاحظ أن هناك
مشتركاً قريباً بين هذه الألفاظ وهو بروز وظهور للشيء المخفي، فكأن له علاقة
بالمعرفة بعد جهل.
التفسير
في القرآن:
كما نلاحظ لم نجد في المعاجم ما يسمن
ويغني من جهل، فهي فقيرة في ضرب الأمثلة على هذه الكلمة، ويبدو أن هذه الكلمة لم
تكن متداولة عند العرب كثيراً، ولولا القرآن الذي نشرها وبثها في لغة العرب عبر
التعليم لما بقيت كما نتصور.
وفي القرآن لم ترد هذه الكلمة إلا مرة
واحدة في هذه الآية
{وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ
إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا}
[الفرقان : 33]
لهذا لن ينفع منهج الاستقراء، لأنه لا
توجد آيات أخرى، وسوف نضطر إلى دراسة السورة كاملة لكي نتحسس طريقنا نحو هذه
الكلمة الفريدة.
نلاحظ أن هذه الكلمة لها علاقة بالأمثلة،
ولم نشرح هذا الجذر بعد، ولكن خلال دراستنا الحالية له، يتبين أنه يعني المطابقة
بين شيئين في جزئية واحدة فقط، فعيسى مثل آدم في طريقة الخلق فقط، والماء مثل
الزيت في السيلان فقط، وهكذا.
ولنرى
في هذه السورة من البداية
ﵟوَقَالُواْ
مَالِ هَٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأۡكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمۡشِي فِي ٱلۡأَسۡوَاقِ لَوۡلَآ
أُنزِلَ إِلَيۡهِ مَلَكٞ فَيَكُونَ مَعَهُۥ نَذِيرًا 7 أَوۡ يُلۡقَىٰٓ إِلَيۡهِ
كَنزٌ أَوۡ تَكُونُ لَهُۥ جَنَّةٞ يَأۡكُلُ مِنۡهَاۚ وَقَالَ ٱلظَّٰلِمُونَ إِن
تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلٗا مَّسۡحُورًا 8 ٱنظُرۡ كَيۡفَ ضَرَبُواْ لَكَ
ٱلۡأَمۡثَٰلَ فَضَلُّواْ فَلَا يَسۡتَطِيعُونَ سَبِيلٗاﵞ [الفرقان: 7-9]
يضرب الكفار الأمثال للرسول، فيريدون
الرسول ألا يأكل ولا يمشي في الأسواق، أو يكون عنده كنز أو جنة، فيبين أن هؤلاء
ضربوا أمثال سخيفة لا يصح أن تتطابق مع النبي المرسل، فلهذا لم يستطيعوا سبيلاً في
غايتهم وهو التشكيك في الرسول، لأن القرآن رد عليهم أن أمثال الرسول كانوا يأكلون
الطعام ويمشون في الأسواق
ﵟ19 وَمَآ
أَرۡسَلۡنَا قَبۡلَكَ مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ إِلَّآ إِنَّهُمۡ لَيَأۡكُلُونَ
ٱلطَّعَامَ وَيَمۡشُونَ فِي ٱلۡأَسۡوَاقِۗ وَجَعَلۡنَا بَعۡضَكُمۡ لِبَعۡضٖ
فِتۡنَةً أَتَصۡبِرُونَۗ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرٗاﵞ [الفرقان: 20]
ثم طالبوا بالمعجزات كإنزال الملائكة أو
نزول القرآن دفعة واحدة
ﵟوَقَالَ
ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡنَا ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ
أَوۡ نَرَىٰ رَبَّنَاۗ لَقَدِ ٱسۡتَكۡبَرُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ وَعَتَوۡ عُتُوّٗا
كَبِيرٗاﵞ [الفرقان: 21]
ﵟوَقَالَ
ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡلَا نُزِّلَ عَلَيۡهِ ٱلۡقُرۡءَانُ جُمۡلَةٗ وَٰحِدَةٗۚ
كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِۦ فُؤَادَكَۖ وَرَتَّلۡنَٰهُ تَرۡتِيلٗاﵞ [الفرقان: 32]
فيرد
المولى على أمثالهم فيقول:
ﵟوَلَا
يَأۡتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئۡنَٰكَ بِٱلۡحَقِّ وَأَحۡسَنَ تَفۡسِيرًا 33ﵞ [الفرقان: 33]
أي هم طالبوه بأن يكون مثل فلان وعلان من
الأنبياء والرسل الذين لم يكونوا يأكلوا الطعام ويمشون في الأسواق، فهي أمثال
خيالية وقصص كاذبة، فرد عليهم النص أن المولى لا يأتي بالأمثال
فقط، أي النماذج السابقة للرسول، فهي
أمثال وهي حقيقة، فنوح بشري كمحمد وكذلك هود وصالح وغيرهم من الأنبياء، وهم حقيقة
وليست أساطير وقصص خيالية.
وهم أرادوا أن ينزل القرآن دفعة واحدة
وضربوا مثلاً بالتوراة والإنجيل، اللذان نزلا دفعة واحدة، فتفرق القرآن دليل
بطلانه، فرد عليهم المولى أن تفريقه لتثبت فؤاد الرسول وهذا التفسير الذي عناه.
وضرب الأمثال قديم فكل أمة تريد أن يكون
رسولها من الملائكة وليس من البشر، وكل أمة من السابقين ضرب الله لهم الأمثال، إلا
قوم نوح فهم أول الأقوام ولم يسبقهم نبي من البشر، لهذا ابتدأ بقوم عاد فقط، ولها
قالوا لنبيهم نوح
ﵟفَقَالَ
ٱلۡمَلَؤُاْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ مَا هَٰذَآ إِلَّا بَشَرٞ
مِّثۡلُكُمۡ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيۡكُمۡ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَأَنزَلَ
مَلَٰٓئِكَةٗ مَّا سَمِعۡنَا بِهَٰذَا فِيٓ ءَابَآئِنَا ٱلۡأَوَّلِينَ ﵞ [المؤمنون: 24]
ولهذا جاءت هذه الآيات لتؤكد أنها تضرب
الأمثال لكل قوم بالرسول الذي سبقهم باستثناء قوم نوح، فلم يسبقه رسول بشري.
ﵟوَعَادٗا
وَثَمُودَاْ وَأَصۡحَٰبَ ٱلرَّسِّ وَقُرُونَۢا بَيۡنَ ذَٰلِكَ كَثِيرٗا 38
وَكُلّٗا ضَرَبۡنَا لَهُ ٱلۡأَمۡثَٰلَۖ وَكُلّٗا تَبَّرۡنَا تَتۡبِيرٗا 39ﵞ [الفرقان: 38-39]
فعاد سبقهم نوح الرسول البشري، فهو مثال
مطابق لنبيهم هود، وثمود سبقهم النبي هود الرسول البشري فهو مطابق لنبيهم صالح.
وكذلك أصحاب الرس وكثير غيرهم، ضرب لهم مثل برسول بشري سابق مثل نبيهم.
ثم أيضاً يضيف
وأحسن
تفسيراً:
أي هو يضرب أمثال النبي بأنبياء حقيقيين
مثل محمد الرسول، ثم يقدم أحسن تفسير أي أحسن حجة أو سبب في ذلك، أي يقدم لهم حجة
وسبب مقنع وهو التفسير، في بعض اسئلتهم او اعتراضاتهم.
فكما رأينا في الآيات السابقة، فعندما احتجوا
أن الرسول بشري، بين لهم أن ذلك اختبار لهم، فلو أرسل ملكاً لما صح الاختبار. وعندما
احتجوا بنزول الملائكة أو رؤية الله، أوضح أن عدم قبولهم هو بسبب الكبر والعتو،
وليس البحث عن الحقيقة. وعندما احتجوا أن القرآن ينزل مفرقاً، على عكس التوراة
والإنجيل، أوضح أنه لكي يثبت فؤاد الرسول.
فهذه تفاسير الله لهم، أي أسبابه التي
يرد بها عليهم وحججه التي يفترض أن تقنعهم. ويختلف التفسير عن الحجة، فالحجة دفع
وجدل بين آراء متضاربة، ولكن التفسير هو تقديم القناعة والسبب على سؤال يطرحه
الآخر، فليس فيه خصومه، بل هو مجرد توضيح وجواب لسؤال. ثم بين للرسول أنهم قوم مثل
البهائم لا يسمعون ولا يعقلون، فمهما أتيت من حجج "تفاسير" فلن يقتنعوا.
ﵟأَمۡ تَحۡسَبُ
أَنَّ أَكۡثَرَهُمۡ يَسۡمَعُونَ أَوۡ يَعۡقِلُونَۚ إِنۡ هُمۡ إِلَّا
كَٱلۡأَنۡعَٰمِ بَلۡ هُمۡ أَضَلُّ سَبِيلًا ﵞ [الفرقان: 44]
فمهما قدمت لهم من تفاسير فلن يقبلوها
ولن يقتنعوا بها، وبدلاً من رد تفاسير القرآن وحججه، شخصنوا القضية وتنمروا على
الرسول بغية اسكاته، فصاروا يسخرون منه.
ﵟ40 وَإِذَا
رَأَوۡكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَٰذَا ٱلَّذِي بَعَثَ ٱللَّهُ
رَسُولًا 41 إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنۡ ءَالِهَتِنَا لَوۡلَآ أَن صَبَرۡنَا
عَلَيۡهَاۚ وَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ حِينَ يَرَوۡنَ ٱلۡعَذَابَ مَنۡ أَضَلُّ
سَبِيلًاﵞ [الفرقان: 41-42]
ملاحظة:
يستخدم المسلمون لفظة تفسير، ومقصدهم شرح
وتوضيح نصوص القرآن ومقاصد نصوصه، ويرى بعضهم أن الصواب هو التأويل أو التدبر،
وكلها مصطلحات ذات معنى واحد، فهم يقصدون إجلاء ما غمض من النصوص.
والتفسير ببساطة هو أن تقول للآخرين أنظر
هذا ما فهمته من القرآن. حتى لو كان التفسير بالمأثور فناقله يقول لنا: أنظروا
ماذا يرى السابقون في فهم القرآن.
أما التأويل فلا نراه صواباً إلا في
الآيات المستقبلية، فهو معرفة ما سيؤول إليه خبر النص القرآني، فكل التأويل لا يصح
إلا في آيات القيامة والساعة والجنة والنار، فنحن نحاول معرفة ما ستؤول إليه تلك
النصوص التي تحدثت عن يوم القيامة وما يحدث حينها، وسوف نفرد مقالاً في التأويل
بإذن الله.
أما التدبر فلا نراه صحيحاً، لأن التدبر
ببساطة كما شرحنا سابقاً هو تتبع القرآن فيما يقدمه من توجيهات، أي نسير دبره أي
خلف وصاياه. ويمكن أن نستخدم لفظة النظر في القرآن، لأن النظر تركيز شديد على
الشيء. ولا نجد بأساً في استخدام أي لفظ طالما المقصد هو فهم النصوص وإجلاء الغامض
منها، ولن نضيع وقتاً في الجدال حول هذه الأمور، فهذا ما ضيع المسلمين.
ونرى أن التفسير لا يصح استخدامه في معنى
شرح وفهم النصوص، بل رأينا أن التفسير هو تقديم السبب أو الحجة لإقناع الآخر، ولكن
لا نجد خطرا في استخدامه، فهو مجرد كلمة فريدة ذكرت مرة واحدة في القرآن ومعناها
قريب من معنى التوضيح وإن لم يكن هو تماماً.
الخلاصة:
التفسير هو التوضيح لسؤال طرحه الآخر،
يريد أن يعرف السبب، أو تفنيد لمعتقده، بتقديم سبب في شيء يخالفه.
فسألوا الله أن ينزل رسولاً من الملائكة كما
كان سابقاً وضربوا أمثلة خيالية أو أمثلة ما قبل ظهور نوح وآدم.
فرد عليهم (تفسيراً) أن الدنيا اختبار
وفتنة ولو أنزل ملكاً لم يكن الاختبار صحيحاً.
وسألوا أن تنزل الملائكة أو ينزل الله،
فرد عليهم أنهم مقتنعون بضعف كلامهم، ولكنهم يبحثون عن العناد ورد الرسالة ورفضها
بأي كلام متهافت.
وسألوا أن ينزل القرآن دفعة واحدة مثل
التوراة والإنجيل، فبين أنه نزل مفرقاً لكي يثبت به فؤاد النبي، فهذه التفاسير أي
الحجج أو الأسباب التي دفعت إلى ما كان الحال عليه في بشرية الرسول وتفرق القرآن،
أو في رد اعتراضهم على مسألة نزول الله والملائكة.
هذا والله أعلم
علي موسى الزهراني
هل لديك نظرة أخرى
أطرحها هنا كي نستفيد من علمك