حرف كلّا في القرآن المكرم
كلّا
في المعاجم:
كلا، قد تعني صلة لما بعدها، وقد تعني
ردع وزجر أي انتبه لا تفعل ذلك. وقد تعني تحقيقاً أي كلا تعني حقاً. والكاف لا
موضع لها من الإعراب. وعند سيبويه والخليل والمبرد والزجاج وأكثر نحاة البصرة، فإن
كلا تعني الردع والزجر لا معنى آخر له. ويجيزون الوقف عليها. وكل سورة فيها كلا، فهي
مكية لأنها للتهديد والوعيد. ويرى ثعلب أن كلا مركبة من كاف التشبيه ولا النافية، وإنما
شددت لامها لتقوية المعنى ولدفع توهم بقاء معنى الكلمتين ([1])
كلّا
في القرآن:
ورد هذا الحرف في القرآن 32 مرة في 15
سورة معظمها من السور القصار، ومعناها واضح بإذن الله وليس ما ذهب إليه أهل
المعاجم، الذين زعموا أنها للردع والزجر، نعم المغزى من كلّا هو الردع، ولكن
المعنى ليس كذلك. وهذا الردع لا فائدة منه للكفار فقلوبهم مغلقة ولكن لمن فيه ذرة
خير.
وعندما وضعنا الافتراضات، تبين لنا أن
الافتراض الوحيد الممكن هو ما نقوله بالعامية "بالعكس" فإذا قال لك
أحدهم إن الكتاب الفلاني ممل، فترد عليه بالعكس، بل هو مشوق. ولو استخدمت تعبير
القرآن لقلت كلّا هو مشوق وممتع.
هذا ببساطة هو المعنى، وهو يشير إلى
حقيقة وهي أن كلّا ترد على الإفك، وقد شرحنا معنى الإفك وقلنا هو قلب الحقائق
وعكسها، فكلما جاء القوم بالأماني والتخيلات رد عليهم بعكسها. لندرس بعض الآيات:
كلا
لينبذن:
{ كَلَّاۖ لَيُنۢبَذَنَّ
فِي ٱلۡحُطَمَةِ } [الهمزة: 4].
جاءت كلا التي تعني العكس، لأن ذلك
الكافر يحسب أن ماله أخلده، فترد عليه كلا لتقول له ولغيره، كلا ستموت ولن تخلد
وسوف تنبذ في الحطمة.
ﵟيَحۡسَبُ
أَنَّ مَالَهُۥٓ أَخۡلَدَهُۥ 3 كَلَّاۖ لَيُنۢبَذَنَّ فِي ٱلۡحُطَمَةِﵞ [الهمزة: 3-4]
كلا سوف
تعلمون:
{ كَلَّا سَوۡفَ
تَعۡلَمُونَ } [التكاثر: 3].
{ ثُمَّ كَلَّا سَوۡفَ
تَعۡلَمُونَ } [التكاثر: 4].
{ كَلَّا لَوۡ تَعۡلَمُونَ
عِلۡمَ ٱلۡيَقِينِ } [التكاثر: 5].
كلا واضحة هنا، فهم منكرون للبعث
ﵟأَلۡهَىٰكُمُ
ٱلتَّكَاثُرُ 1 حَتَّىٰ زُرۡتُمُ ٱلۡمَقَابِرَﵞ [التكاثر: 1-2]
ولهذا هم مشغولون بالدنيا حتى يحين
الموت، لأنهم لا يؤمنون بالبعث والحساب، { إِنۡ
هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنۡيَا نَمُوتُ وَنَحۡيَا وَمَا نَحۡنُ بِمَبۡعُوثِينَ}([2]) فكلا ليست على جهلهم بالآخرة، بل
"كلا" تقول لهم: بل العكس سوف تخلقون من جديد وتحاسبون. وسوف تعلمون ذلك
حتماً.
كلا
لا وزر:
{ كَلَّا لَا وَزَرَ
} [القيامة: 11].
يرون أن الوزر يعني الحصن، وقيل الحرز
وقيل الجبل وقيل الجبل بلغة حمير هو الوزر، وقيل لا منع وقيل لا غار ([3]) ومهما يكن معناه فإن له علاقة بالمفر.
ﵟيَقُولُ
ٱلۡإِنسَٰنُ يَوۡمَئِذٍ أَيۡنَ ٱلۡمَفَرُّﵞ [القيامة: 10]
فإن كلّا ترد على هذا الإنسان الذي يبحث
عن المفر أي الطريق الذي يفر منه إلى جبل أو ملجأ، يأويه، فقالت له كلا أي العكس
فلن تجد أي منجى إلا المحشر.
كلا
إن معي ربي:
{ قَالَ كَلَّآۖ
إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهۡدِينِ } [الشعراء:
62].
هذا رد موسى على الخائفين من قومه
ﵟقَالَ
أَصۡحَٰبُ مُوسَىٰٓ إِنَّا لَمُدۡرَكُونَﵞ [الشعراء: 61]
فيقول لهم موسى، بل العكس سننجو، ولكن
ننتظر الهداية والوحي من الله.
كلا
لا تطعه:
{ كَلَّا لَا تُطِعۡهُ
وَٱسۡجُدۡۤ وَٱقۡتَرِب۩ } [العلق: 19].
قام أحدهم بتحذير الرسول من الدعوة للدين
ﵟأَرَءَيۡتَ
ٱلَّذِي يَنۡهَىٰ 9 عَبۡدًا إِذَا صَلَّىٰٓﵞ [العلق: 9-10]
فردت عليه الآية أنه كلا أي افعل العكس ولا
تطعه واسجد واقترب.
كلا سنكتب:
{ كَلَّاۚ سَنَكۡتُبُ
مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُۥ مِنَ ٱلۡعَذَابِ مَدّٗا } [مريم: 79].
هذا الكافر يسخر من فكرة البعث فيقول إنه
لو بُعث سيجد المال والولد فكما أكرمه الله في الدنيا بالمال والولد فكذلك سيتكرر
الأمر نفسه لأن الله يحبه.
ﵟوَقَالَ
لَأُوتَيَنَّ مَالٗا وَوَلَدًاﵞ [مريم: 77]
فترد عليه الآية بكلا، أي العكس هو
الصحيح، فسوف تكون فقيراً بلا أولاد وسوف نكتب ما تقول ونطيل عقابك في النار.
كلا
سيكفرون:
{ كَلَّاۚ سَيَكۡفُرُونَ
بِعِبَادَتِهِمۡ وَيَكُونُونَ عَلَيۡهِمۡ ضِدًّا } [مريم: 82].
تتكلم السورة عن الآلهة التي اتخذها
الكفار للعبادة والعز والفخر
ﵟوَٱتَّخَذُواْ
مِن دُونِ ٱللَّهِ ءَالِهَةٗ لِّيَكُونُواْ لَهُمۡ عِزّٗا ﵞ [مريم: 81]
فترد عليهم كلا، لتقول لهم إنهم سينكرون
عبادتهم تلك، كذلك سيكونون ضدكم وليس عونا ونصراً لكم.
كلا
والقمر:
{ كَلَّا وَٱلۡقَمَرِ
} [المدثر: 32].
سبب كلا والقمر، هو أن المولى أخبرهم أن
على جهنم تسعة عشر ملكاً فقط، وكان ذلك فتنة للكفار، ودليلاً للمؤمنين
ﵟعَلَيۡهَا
تِسۡعَةَ عَشَرَﵞ [المدثر: 30]
فقال الكفار
ﵟوَلِيَقُولَ
ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ وَٱلۡكَٰفِرُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ
بِهَٰذَا مَثَلٗاۚ ﵞ [المدثر: 31]
تعجب بعض أهل الكتاب المرضى وكفار قريش
من عدد الملائكة، وكلهم منكرون لهذا العدد، فكيف يدخل الملائكة النار، وكيف يديرون
بشراً بالملايين وهم مجرد 19 ملكاً فقط.
فردت الآية أنه كلا، إنها لإحدى الكبُر
ﵟإِنَّهَا
لَإِحۡدَى ٱلۡكُبَرِ 35 نَذِيرٗا لِّلۡبَشَرِ ﵞ [المدثر: 35-36]
أي هذا العدد ليس مجال إنكار ورفض، بل هو
مجال تعجب واندهاش عند المؤمن، فهي بالعكس ليست من تخاريف محمد، بل هي معجزات
عجيبة كان يفترض أن تزيد إيمانكم وهي نذير للبشر.
ونكتفي بهذا القدر لكيلا نطيل على
القارئ.
الخلاصة:
كلّا، تعني ببساطة ما نقول بالعامية
"بالعكس" فلو سألك أحدهم: هل الأرض مثمرة، فتقول له: كلّا لم تثمر قط.
أي بالعكس لم تثمر ولا شجرة واحدة. وهي تختلف عن حرف "لا" الذي يعني
النفي فقط، فكلّا تعني النفي وتعني حدوث العكس.
هذا والله أعلم
علي موسى الزهراني
هل لديك نظرة أخرى
أطرحها هنا كي نستفيد من علمك