لبث ومكث في القرآن المكرم
لبث
في المعاجم:
لبث حرف يدل على تمكث. وتلبث أي أقام. ولبث
بالمكان أي فرِح. واللبث هو المكث. وتلبث أي أقام. واللبثة أي التوقف ([1])
مكث
في المعاجم:
مكث كلمة تدل على توقف وانتظار. ورجل
مكيث أي رزين غير عجول. والتمكث الانتظار. والمكيث المقيم الثابت. والماكث
المنتظر. وتمكث أي تلبث ([2])
المكث
واللبث في التفاسير:
مررنا على بعض التفاسير، فتبين لنا أنهم
لم يدرسوا هذا اللفظ، وإنما أتوا بكلام عام فلا ندري هل ميزوا بين المكث واللبث،
ولم نستغرق وقتاً طويلاً في البحث، لأنه من المؤكد أنهم لن يخرجوا عن سيطرة
المعاجم، وما تفرضه عليهم، وقد رأينا المعاجم تخلط بين المكث واللبث ([3])
اللبث في القرآن
عند وضع الافتراضات وحذف البعيد منها، يتبين
لنا أن الافتراض الوحيد المعقول هو اقتطاع جزء من الزمن ولا يهم موضع المكان
فاللبث يشير إلى الزمان فقط، ثم يذكر بعدها مدة ذلك الزمن كما سنرى في الآيات
المبجلات.
لبث
مئة عام:
{ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ}
[البقرة : 259]
لا يهم أين لبث صاحب القرية، المهم أنه
لبث مئة عام. فقد ذكر له ربه أنه لبث أي ظل على حاله تلك مئة عام، أي ظل ميتاً مئة
عام.
لبثت
فيكم:
{قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا
أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا
مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [يونس : 16]
يخبر الرسول الكفار أنه لبث فيهم، أي لبث
في مكة، ولا يكترث للمكان، بل للزمان، ويخبرهم أنه لبث فيهم عمراً، فهل علمتم
غشاً، أو خداعاً، أو جنوناً، أو طمعاً، أو كذباً، في سلوكي وشخصيتي، فلو كان صاحب
دنيا لظهر لهم ذلك من وقت طويل.
تخبط
أصحاب القيامة:
{ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا
سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ} [يونس : 45]
{وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ
إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء : 52]
{يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ
إِلَّا عَشْرًا} [طه : 103]
آيات كثيرة تبين حيرة واختلاف أصحاب
القيامة في زمن لبثهم في الدنيا، فبعد أن يستعيدوا بعض الذاكرة يتخبطون في مدة
لبثهم في الدنيا.
لبث
إبراهيم:
{فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ
حَنِيذٍ} [هود : 69]
حتى المدة القصيرة التي لا تتجاوز الساعات
يستخدم لها لفظة "لبث" فاللبث ليس مدة طويلة أو قصيرة، بل أي مدة.
الكفار
يخرجون بسرعة:
{ وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ
إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء : 76]
تبين الآية أنه لو تم إخراج الرسول
"تطفيشه" فلن يلبث القوم إلا قليلاً وسيخرجون من مكة مثل الرسول ويقتلون
في بدر. ووفق الحسابات لو صدقنا المرويات فإنه بعد سنة وسبعة أشهر خرج الكفار
وقتلوا في بدر.
مكث في القرآن
هو المراوحة في نفس المكان، أي هناك حركة
وتنقل، ولكن في نفس النطاق، فالمكث ليس التسمر في نفس المكان، بل هناك حركة وتنقل،
ولكن لا يخرج عن محيط المكان المقصود.
مكث
الماء:
{ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ } [الرعد
: 17]
من المعلوم أن الماء في الأرض في حالة
حركة وتنقل، لكنه يمكث أي يظل في محيط المكان المشار إليه، وهو هنا الأرض. وهذا
يعني أنه لا يخرج من الأرض، وهو يتنقل بين الأنهار، والبحار، والعيون
والآبار.
مكث
الرسول:
{وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا} [الإسراء : 106]
نجزم أن الماكث هنا هو الرسول، فالقرآن
ليس كائناً حياً لكي يتحرك، فالرسول هو الحي الذي ينتقل ويتحرك، أما تفريق القرآن
على فترة زمنية، فله أغراض منها تثبيت فؤاد الرسول ومنه إعطاء مهلة للكفار كي تتحين
فرص كثيرة لهم، لكي يستمعوا للقرآن.
والرسول لم يكن يجلس في بيته متسمراً
فيه، بل كان يتنقل بين أطراف مكة فلا يخرج من محيطها إلا ليلة واحدة، هي ليلة
الإسراء في السنة الثانية عشر من الهجرة.
ماكثين
فيها:
{مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا} [الكهف :
3]
أصحاب النار لا يجلسون في مكان واحد، بل
يتنقلون من مكان إلى مكان يطوفون بين مناطقها وهي الحميم والجحيم وجهنم. فهم وإن
كانوا يتنقلون بين أقسام النار، إلا أنهم لا يخرجون من محيطها، لهذا هم ماكثون
فيها.
امكثوا:
{ فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا
إِنِّي آنَسْتُ} [طه : 10]
شاهد موسى ناراً من بعيد، فقال لأهله لا
تنتقلوا من محيط هذا المكان، نعم يمكنكم التنقل داخل هذا المكان، ولكن لا تخرجوا
من تلك الدائرة، حتى أعود إليكم بالنار.
مكث
غير بعيد:
{فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ
أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ} [النمل
: 22]
نجزم أن الماكث هنا هو الهدهد، ونرجح أنه
بعد تهديد سليمان له وسماعه بالخبر، مكث غير بعيد عن سبأ، وقد توصلنا إلى أن
الهدهد هو من الملائكة أو الجن، وأنه مكث عند سبأ يراقب سلوكهم فعاد بمعلومات
مشاهدة يقينية. وهذه الآية تؤكد أن المكث هو البقاء في المكان فقد مكث غير بعيد عن
سبأ العاصمة، أي في حركة واكتشاف لكن داخل محيط سبأ.
ماكثون:
{وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ
مَاكِثُونَ} [الزخرف : 77]
طلب أصحاب النار أن يقضي عليهم المولى
فبين الملك أنهم ماكثون، أي سيظلون في النار مع الحركة داخل محيطها، بين مناطق
النار كما ذكرنا، فمالك يخبرهم أنه لا مخرج لكم منها وإنما تستطيعون التنقل بين
أقسامها.
الخلاصة:
المكث يشير إلى المكان، فإذا كان فلان
ماكثاً في المدينة، فهذا يعني أنه لم يخرج من محيطها، ولكنه في حالة حركة داخلها.
أما اللبث فهو المدة الزمنية التي استغرقها الشيء، لهذا لا يذكر هذا الجذر إلا
وتأتي بعده المدة الزمنية.
هذا والله أعلم
علي موسى الزهراني
هل لديك نظرة أخرى
أطرحها هنا كي نستفيد من علمك