أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

📁 آخر الأخبار

فتي والفتوى في القرآن المكرم


 

فتي والفتوى في القرآن المكرم

فتي في المعاجم:

فتى أصلان: أحدهما يدل على طراوة وجدة، والثاني يدل على تبيين حكم. والفتىّ هو الطري من الإبل. والفتى من الناس هو واحد الفتيان. والفتاء هو الشباب. والفتاة المحدثة يقال لها فتاة وكذلك الغلام يقال له فتى. والفتى هو السخي الكريم. والفتى هو العبد. والفتاة هي الأمة.

أما الأصل الآخر هو الفُتيا، فأفتى الفقيه أي بين حكم المسألة. واستفتيت أي سألت عن الحكم. وما فتئت أذكره أي ما زلت. وأفتاه في الأمر أي أبانه. والفتيا هو تبيين المشكل أو المفارقة والتمييز وفض التباس الأمر وتشابكه ([1])

فتي في القرآن

ورد هذا الجذر في 19 آية في سبع سور مكرمات. وقالوا كما رأينا في المعاجم أنهما أصلان أحدهما يدل على طراوة والثاني يدل على تبيين حكم. ونتعجب ما العلاقة بينهما، فلا نعتقد أن هناك صلة بين الاثنين. ونرجح أن جذر الفتى والفتاة ليس له علاقة بالفتوى.

وسوف نستبعد الألفاظ التي وردت فيها الآيات بمعنى (الفتاة والفتى) وسوف ندرسها لاحقاً، لأن غرضنا هو المقارنة بين الاستفتاء وبين السؤال وبين الطلب. وقد وجدنا أن الطلب هو بذل الجهد للحصول على الشيء المادي كما رأينا أن السؤال هو بذل الكلام للحصول على المراد باعتباره حقاً للسائل.

 وعند استبعادنا لكلمات فتى وفتيان وغيرها، سنجد أن الآيات التي تتعلق بالفتوى هي عشرة فقط، وعند النظر والتأمل سنجد ملاحظات هي:  

-      المستفتي يطلب معلومات فقط، وليس مال كما في الجذر سأل.  

-      الاستفتاء، هو طلب معلومات عويصة وصعبة. ولا يعلم قدرة المفتي في الإجابة.

-      وبما أن الإجابة عويصة وصعبة، فليس من مسؤولية المفتي الإجابة.

-      وسنجد في الأخير أن الفتوى هي فتق الحجب والغمام، عن الغامض والمجهول من المعلومات.

 استفتاء صاحبي السجن:

عندما سأل صاحبي السجن يوسف قالوا له: نبئنا بتأويله.

{ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَىٰكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ }  [يوسف: 36].

فرد عليهم يوسف

{ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ }  [يوسف: 41].

ليبين أن هذا السؤال هو طلب الفتوى، أي أن الأمر عويص وصعب، ولا يمكن لأي أحد أن يعرفه إلا القليل ممن أعطي هذا العلم. وهو لا يقصد التباهي، بل يدفعهم للإيمان بدينه وترك دين آبائهما.  

الملك يطلب الفتوى في الرؤيا:

{يَٰأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيَٰيَ إِن كُنتُمْ لِلرُّءْيَا تَعْبُرُونَ}  [يوسف: 43].

{ يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَٰتٍ}  [يوسف: 46].

 يعلم الملك أن سؤاله عويص وصعب، ويحتاج إلى علم خبير أو لديه وحي، فلم يقل أجيبوا عن سؤالي، بل قال أفتوني، لعلمه بصعوبة السؤال وقد ردوا عليه أنهم لا يعلمون فعلاً.

الفتوى عن أصحاب الكهف:

{مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَٰهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَدًا }  [الكهف: 22].

 بداية يجب أن نقر أن الرسول لا يعلم عدد أصحاب الكهف كما تقول الآية، كما يجب أن نتفق أن بعضاً من هؤلاء المتخاصمين يعلم العدد، ومع ذلك منعه الله أن يستفتي في عدد هؤلاء، وذلك لسبب بسيط جداً

إنها مجرد شكليات وحقائق تافهة لا قيمة لها عند العاملين المنشغلين

فلا تصبح مثلهم تضيع وقتك وجهدك في هذه الحوارات.

والعجيب أن النص لم يقل لا تسأل، بل قال لا تستفتي، فلماذا؟

لأن السؤال عويص وصعب على المسؤول، فمن أين لهم معرفة العدد الصحيح، إلا عن طريق وحي أو أثر وكتاب، ولو كان السؤال في متناول يدهم لقال لا تسأل وليس ولا تستفي.

بلقيس تطلب الفتوى:

{ قَالَتْ يَٰأَيُّهَا الْمَلَؤُا أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ }  [النمل: 32].

تعلم ملكة سبأ أن السؤال عويص وصعب، فرغم قوة ملكها العظيم إلا أنها تجابه وحشاً هائلاً يقاتل معه الجن والإنس والملائكة، فأرادت رأيهم، هل يقاتلون سليمان أم يسالمونه؟

فتهرب القوم من الإجابة وجعلوا مسؤولية اتخاذ القرار على عاتقها.  

ﵟقَالُواْ نَحۡنُ أُوْلُواْ قُوَّةٖ وَأُوْلُواْ بَأۡسٖ شَدِيدٖ وَٱلۡأَمۡرُ إِلَيۡكِ فَٱنظُرِي مَاذَا تَأۡمُرِينَﵞ [النمل: 33] 

ولو كانت تعلم أن السؤال في متناولهم لقالت أجيبوا عن سؤالي.

فتوى أشد خلقاً:

{ فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَم مَّنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَٰهُم مِّن طِينٍ لَّازِبٍ }  [الصافات: 11].

يسأل القرآن الكفار سؤال صعب وعويص، فكيف لهم أن يعرفوا هل هم أشد خلقاً أم الخلق الآخر والمقصود هنا هم الشياطين العاجزين أن يسترقوا السمع، فليس لديهم علم ولا قدرة على معرفة الأكثر شدةً.

فتوى لمن البنات:

{ فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ }  [الصافات: 149].

يسأل القرآن الكفار، عن موضوع البنات "الملائكة الإناث كما يتصورون" فمن أين لهم الجواب على هذا السؤال العويص. لهذا قال استفتهم لصعوبة السؤال حد الاستحالة. فلا علم لديهم ولا وحي ولا كتاب يدلهم على ذلك.

استفتاء أهل الكتاب في النساء:

{ وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ }  [النساء: 127].

ملاحظات أولية:

-      يجب أن نسلم أن السائل هنا هم أهل الكتاب، وهم ممن آمن بالتوراة والقرآن معاً.

-      أن السائل وإن كان يرى السؤال عويصاً عليه، فإنه لم يدر أن السؤال عويص على الرسول أيضاً، لهذا تحول من سؤال إلى فتوى.

-      أن الذي نعت سؤالهم بأنه استفتاء، هو القرآن نفسه، فهم لم يدركوا أن الرسول لم يكن يعلم الإجابة وأن السؤال عويص.

ودعنا نتأمل الآيات كلها:

ﵟوَيَسۡتَفۡتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِۖ قُلِ ٱللَّهُ يُفۡتِيكُمۡ فِيهِنَّ وَمَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ فِي يَتَٰمَى ٱلنِّسَآءِ ٱلَّٰتِي لَا تُؤۡتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرۡغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَٱلۡمُسۡتَضۡعَفِينَ مِنَ ٱلۡوِلۡدَٰنِ وَأَن تَقُومُواْ لِلۡيَتَٰمَىٰ بِٱلۡقِسۡطِۚ وَمَا تَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِهِۦ عَلِيمٗاﵞ [النساء: 127] 

ﵟوَإِنِ ٱمۡرَأَةٌ خَافَتۡ مِنۢ بَعۡلِهَا نُشُوزًا أَوۡ إِعۡرَاضٗا فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِمَآ أَن يُصۡلِحَا بَيۡنَهُمَا صُلۡحٗاۚ وَٱلصُّلۡحُ خَيۡرٞۗ وَأُحۡضِرَتِ ٱلۡأَنفُسُ ٱلشُّحَّۚ وَإِن تُحۡسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٗا 128 وَلَن تَسۡتَطِيعُوٓاْ أَن تَعۡدِلُواْ بَيۡنَ ٱلنِّسَآءِ وَلَوۡ حَرَصۡتُمۡۖ فَلَا تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلۡمَيۡلِ فَتَذَرُوهَا كَٱلۡمُعَلَّقَةِۚ وَإِن تُصۡلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا 129 وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغۡنِ ٱللَّهُ كُلّٗا مِّن سَعَتِهِۦۚ وَكَانَ ٱللَّهُ وَٰسِعًا حَكِيمٗا 130ﵞ [النساء: 128-130] 

فهي تتكلم عن العلاقات الزوجية ومدى تعقيدها وما التصرف الصحيح حيال هذه المواقف الغامضة عليهم وعلى الرسول، فكان المولى هو الذي يفتيهم أي يفتق الحجب ويبعد الغمام عن المعلومة التي يريدونها.

استفتاء أهل الكتاب عن الكلالة:

{ يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَٰلَةِ إِنِ امْرُؤٌا هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا }  [النساء: 176].

كما سأل أهل الكتاب، الرسول في قضايا النساء، سألوه أيضاً في الكلالة، فرد القرآن أن هذا السؤال غامض وعويص، لهذا هو استفتاء وليس سؤال عادي، وأن المفتي هنا هو الله جل جلاله، فهو من سيهشم لهم الحجب ويفتق لهم الغمام، حتى تظهر لهم المعلومة.

 ﵟيَسۡتَفۡتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفۡتِيكُمۡ فِي ٱلۡكَلَٰلَةِۚ إِنِ ٱمۡرُؤٌاْ هَلَكَ لَيۡسَ لَهُۥ وَلَدٞ وَلَهُۥٓ أُخۡتٞ فَلَهَا نِصۡفُ مَا تَرَكَۚ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمۡ يَكُن لَّهَا وَلَدٞۚ فَإِن كَانَتَا ٱثۡنَتَيۡنِ فَلَهُمَا ٱلثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَۚ وَإِن كَانُوٓاْ إِخۡوَةٗ رِّجَالٗا وَنِسَآءٗ فَلِلذَّكَرِ مِثۡلُ حَظِّ ٱلۡأُنثَيَيۡنِۗ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ أَن تَضِلُّواْۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمُۢﵞ [النساء: 176] 

في الختام:

نلاحظ أن هناك تقارب في التركيب اللفظي بين فتي وفتق وفتح وفتن، فكلها أصلها من الثنائي فت وهو التكسير والتهشيم، أي إظهار ما خفي بعد التهشيم، كذلك فتح فهو يظهر ما خفي من خلفه، كذلك فتن فهو يعني إذابة الذهب فيزيل ما فيه من شوائب فيظهر الذهب وحده. وكذلك فتق والذي يفصل بين جسمين وظهر ما بينهما ([2])

وهذا يعني أن الفتي هو تهشيم شيء ليظهر ما خفي من ورائه من معلومات، وهذه هي الفتوى، فهي تهشم الحجب وتطرد الغمام عن المعلومة الغامضة والمخفية، والمستفتي يسأل المفتي أن يهشم له الحجب فينبئه بما خفي عنه.

الخلاصة:

المستفتي هو الذي يسأل المفتي أن يهشم له الحجب ويبعد الغمام عن معلومة مخفية ومحجوبة عنه، وهو يسأل وليس لديه يقين بقدرة المفتي على الإجابة، ولن يحمله المسؤولية بعدم الإجابة، كما رأينا في جذر السؤال، لهذا فإن السائل يطلب الفتوى، ولو كان السائل يعتقد أن المسؤول يعلم الإجابة، لما قال (افتنا) ولقال: أجبنا عن سؤالنا.

هذا والله أعلم

علي موسى الزهراني



([1]) «معجم مقاييس اللغة» (4/ 473): المعجم الاشتقاقي المؤصل (3/ 1620) المحيط في اللغة (2/ 382 بترقيم الشاملة آليا)

([2]) «المعجم الاشتقاقي المؤصل» (3/ 1631):

ali
ali
تعليقات