نفح في القرآن المكرم
نفح
في المعاجم:
نفح أصل يدل على اندفاع الشيء أو رفعه.
ونفحت رائحة الطيب أي انتشرت واندفعت. ولهذا الطيَب نفحة طيبة. ونفح بالمال أي
أرسله من يده إرسالاً. ولا تزال لفلان نفحات من معروف. ونفحت الريح أي هبت. وقوس
نفوح أي بعيدة الدفع للسهم. ونفحت الدابة أي رمت بحافرها فضربت به. ونفحه بالسيف
أي تناوله به. والنفوح في الناقة أي ما يخرج لبنها من أحاليها من غير حلب. ونفح
العرق أي نزا منه الدم ([1])
نفح
في القرآن:
{ وَلَئِن
مَّسَّتۡهُمۡ نَفۡحَةٞ مِّنۡ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَٰوَيۡلَنَآ إِنَّا
كُنَّا ظَٰلِمِينَ } [الأنبياء: 46].
لم ترد هذه اللفظة ألا مرة واحدة في هذه
الآية، فهل نفحة مثل قطعة أم نفحة تعني طريقة العذاب؟
من خلال المعاجم يتبين النفح هو اندفاع
الشيء بقوة وسرعة يخرج من وسط ثابت، ففيه عنصر المفاجأة ولا تكون المفاجأة إلا مع
السرعة غالباً. وحسب ما فهمنا من محصلة الجذور التي كانت مشابهة للنفح مثل النفخ والنفث
والتفل، فإن النفح هو القذف بقوة وسرعة للشيء وفيه عنصر المفاجأة أيضاً، وهو متجه
نحو الأعلى، على عكس الحذف الذي يعني رمي الشيء باتجاه أفقي. وهذا ما تؤكده
السورة، فهي تتكلم عن غفلة كفار قريش عما يجري حولهم كما تقول الآية التي سبقتها
ﵟبَلۡ
مَتَّعۡنَا هَٰٓؤُلَآءِ وَءَابَآءَهُمۡ حَتَّىٰ طَالَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡعُمُرُۗ
أَفَلَا يَرَوۡنَ أَنَّا نَأۡتِي ٱلۡأَرۡضَ نَنقُصُهَا مِنۡ أَطۡرَافِهَآۚ
أَفَهُمُ ٱلۡغَٰلِبُونَﵞ [الأنبياء: 44]
فقد استمرت المتع في قريش حتى اعتادوا
عليها مع طول العمر، وهم في غيبوبة وغفلة، رغم أن الأرض كانت تتآكل من أطرافها
حولهم أي كان نفوذهم يتناقص من جهة الروم والفرس، فالروم يقضمون جهة تبوك ونفوذها
يمتد هناك، واليمن صار في ملك الفرس، ولكن مع هذا هم في غفلة رغم تحذير الرسول لهم
والقرآن، فحذرتهم الآية بنفحة من عذاب أي عذاب مباشر يصيبهم في عقر دارهم، وهو
عذاب مباشر وسريع ومفاجئ، لكنه ليس قاتل ومميت.
فلماذا استخدم لفظة جذر "نفح"
دون غيرها من الجذور مثل قذف أو رمى؟
من الواضح أنه يريد أن يبين لهم أن هذا
العذاب سيكون من أسفل الأرض، فهو عذاب منفوح، أي تم قذفه إلى الأعلى فكما وجدنا في
كتب المعاجم فالنفح هو قذف الشيء إلى الأعلى، ولازال يستخدم هذا الجذر في بعض
المناطق، فلهذا سيكون هذا العذاب صاعداً للأعلى أي منفوحاً، وقد يكون بركاناً ينفح
إلى السماء فيضرهم بعض الضرر.
وهناك سورة الدخان التي تنبأت أو حذرت من
ضربة دخانية تصيب قريش
ﵟفَٱرۡتَقِبۡ
يَوۡمَ تَأۡتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٖ مُّبِينٖ 10 يَغۡشَى ٱلنَّاسَۖ هَٰذَا
عَذَابٌ أَلِيمٞ 11 رَّبَّنَا ٱكۡشِفۡ عَنَّا ٱلۡعَذَابَ إِنَّا مُؤۡمِنُونَ 12
أَنَّىٰ لَهُمُ ٱلذِّكۡرَىٰ وَقَدۡ جَآءَهُمۡ رَسُولٞ مُّبِينٞ 13 ثُمَّ
تَوَلَّوۡاْ عَنۡهُ وَقَالُواْ مُعَلَّمٞ مَّجۡنُونٌ 14 إِنَّا كَاشِفُواْ
ٱلۡعَذَابِ قَلِيلًاۚ إِنَّكُمۡ عَآئِدُونَ 15 يَوۡمَ نَبۡطِشُ ٱلۡبَطۡشَةَ
ٱلۡكُبۡرَىٰٓ إِنَّا مُنتَقِمُونَﵞ [الدخان: 10-16]
ولم يسجل التراث أي أثر بركاني في فترة
الرسول عليه السلام، ولكن يزعمون أن الرسول دعا على قريش بعذاب مثل عذاب سنين
يوسف، فجاءهم قحط شديد، حتى أكلوا الميتة والجلود والعظام، وهذا يكنى عنه بالدخان،
فكل عذاب بهذه الشدة يكنى بالدخان، وقيل، بل هو عذاب يوم فتح مكة، وقيل، بل دخان
يأتي قبل يوم القيامة كعلامة له ([2])
ونرجح أن هذا العذاب يوم القيامة، فهو
مؤقت قبل حلول الساعة الموعودة التي سيتفجر فيها كل شيء ويساق الناس إلى المحشر،
فلا نقبل أن الدخان يعني الجوع والقحط ولا يمكن للرسول أن يدعو على قومه بالهلاك
وفيهم النساء والأرامل والأطفال وكبار السن. وقد أشارت إليه سورة الزلزلة التي
شرحناها وكيف أن الناس تعجبت من الزلازل وكيف رد عليهم الرسول حينها.
الخلاصة:
تبين لنا أن النفحة هي القذفة والرمي إلى
الأعلى، وأن هذا الجذر لم يرد إلا مرة واحدة، وأنه كان مجرد تهديد لم يقع، وأنه
سيقع على كل الناس يوم القيامة كما بينت سورة الدخان، إذ "ستنفح"
البراكين الحمم والأدخنة إلى الأعلى. ووجدنا هذا الجذر مشابه لجذور كثيرة من نفخ ونفث
وتفل وغيرها من الجذور التي تؤكد على انتقال شيء صغير من جسم كبير إلى آخر.
ورغم أن القرآن لم يسعفنا في فهم الكلمة
بسبب محدودية علمنا القرآني، فإن المعاجم قد ساعدتنا في هذا الفهم ولو من باب
الترجيح وليس اليقين، لكن الآية تعطينا سورة معقولة عن عذاب كان من الممكن أن يقع
على قريش، لولا رحمة الله بهم، وإن لم نعلم يقيناً شكله.
هذا والله وأعلم
علي موسى الزهراني
هل لديك نظرة أخرى
أطرحها هنا كي نستفيد من علمك