الردف والترادف في القرآن
ردف
في المعاجم:
أصل واحد مطرد، يدل على اتباع الشيء.
والترادف هو التتابع. والرديف هو الذي يرادفك. والعجيزة تسمى ردفاً لأنها تأتي
تباعاً للجسم. والرداف هو موضع مركب الردف. وهذا برذون لا يرادف أي لا يحمل عليه
رديفاً. وأرداف النجوم تواليها. وأرداف الملوك في الجاهلية هم الذين كانوا يخلفون
الملوك. والردفان هما الليل والنهار. وهذا أمر ليس فيه ردف، أي ليس له تبعة. ورِدف
كل شيء هو مُؤخره.
ونلاحظ أن الردم قريب الردف، لفظاً ومعنى،
وهو على نفس شاكلته، فالردف اتابع للشيء على خط أفقي، بينما الردم فهو اتباع للشيء
على خط رأسي، فالردم هو تراب يتبع تراب آخر سبقه في الحفرة ([1])
الردف
في القرآن:
ورد هذا الجذر ثلاث مرات فقط، ومعناه
واضح لأنه معنى حسي مادي مباشر، فهناك شيء يسير وهناك من يسير خلفه ويتبعه، فيجب
أن يكون الطرفان في حالة حركة، وأحدهما يتبع الآخر وهذا ما نراه في الآيات:
الملائكة
مردفون:
{إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ
بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ} [الأنفال
: 9]
يبين المولى للذين آمنوا أنه يرسل
الملائكة مردفين، فهم لا يتقدمون الصفوف، فلو قال لهم "رواد" لاعتمد
عليهم الذين آمنوا ولما احتاجوا القتال، ولكن الملائكة لا تعمل نيابة عنهم إلا في
حالة ضعفهم الشديد، وهي لا تتدخل بسيوف أو أسلحة، وإنما ببعض الأعمال التي لا تقتل
الكفار ولكن تشوش عليهم، لهذا بين لهم المولى أنهم مردفين، أي من خلفكم ويتبعونكم
فلا تخافوا.
العذاب
ردف:
{قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ}
[النمل : 72]
شرحنا أن الترادف هو المتابعة فهناك من
يتحرك وهناك من يسير خلفه، فكلاهما في حالة حركة، ونلاحظ هنا أنه يجب أن يكون هناك
تلاصق وعدم وجود زمن بين الرادف والمردف، فالرادف يتحرك مباشرة مع حركة المردف،
فلا يوجد فاصل زمني أو مكاني. لهذا يحذر القرآن كفار قريش أنه قد يكون العذاب
رديفاً للحياة المتنعمة التي يعيشونها فحياتهم نعيم متحرك قد يليه مباشرة أي ردفاً
عذاب الله الشديد.
الزلازل
متتابعة:
{تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ} [النازعات : 7]
عندما تبدأ الساعة ستكون هناك زلازل
مترادفة، أي يحدث الزلزال ثم يليه زلزال آخر وهو الرادفة
ﵟيَوۡمَ
تَرۡجُفُ ٱلرَّاجِفَةُ 6 تَتۡبَعُهَا ٱلرَّادِفَةُﵞ [النازعات: 6-7]
وهي معروفة علمياً، فتُعرف بـ "الهزات
الارتدادية" (Aftershocks)
فيوم القيامة سيحدث زلزال رئيسي ثم يتبعه زلزال رئيسي آخر، وهنالك زلازل أخرى
صغيرة لكن هذين الزلزالين الرئيسيين اللذان سيدمران معظم الأرض.
وبهذا يتبين معنى الترادف بكل وضوح وله
شروطه وهي:
- الاتباع في نفس الاتجاه
- كلاهما يتحركان
- لا يوجد فاصل بينهما في الزمن والمكان،
فلو سقط نيزك، ثم تلاه سقوط نجم، ثم تلاه سقوط شهب، فإننا لا نستطيع أن نقول أن الشهاب
ردفُ للنيزك في هذه الحالة.
- أن الرادف والمردف كلاهما ماديان، وليس
من المعنويات على عكس المتابعة.
ملاحظة
مهمة: الترادف
اتعجب كيف استخدموا هذا الجذر في الكلمات،
فالردف لا وجود له في الكلمات، فلو قصدوا بأنه التطابق فهذا يخالف معنى الردف في
القرآن الذي يعني التتابع، ولو قصدوا التقارب بين الكلمات في المعنى فهذا مطلقاً
لا يعني الردف لأن الردف يعني التتالي والتتابع، مع الحركة.
والجذور والكلمات التي يسمونها مترادفة بالخطأ
لا يصح أن تسمى بذلك، فهي يجب أن تسمى بالجذور المتشاركة، فهي جذور تشترك مع غيرها
في أحد المعاني، ولكن لها خصوصية في معنى آخر؛ فالصواب هو أن نقول الكلمات
المتشاركة وليس المترادفة أو المتطابقة، فلا وجود للتطابق في القرآن، وإنما الصواب
هو الكلمات المتشاركة.
الخلاصة:
الردف في القرآن هو الاتباع، فهناك عنصر
يتحرك فيردفه عنصر آخر يتحرك خلفه مباشرة، فكلاهما في حالة حركة، كما أنهما شبه
متلاصقان، فلا يوجد فاصل زماني ولا مكاني بينهما، ويختلف الردف عن المتابعة في أنه
تتابع ماديات خلف بعضها وليس معنويات.
هذا والله أعلم
علي موسى الزهراني
هل لديك نظرة أخرى
أطرحها هنا كي نستفيد من علمك