الخيانة في القرآن المكرم
خون
في المعاجم:
أصل واحد هو التنقص. وخون هو نقصان
الوفاء. وتخونني فلان حقي أي تنقصني. والخوان هو الأسد. وخان أي من كان به ضعف وفي
نظره فترة. وخانته رجلاه أي لم يقدر على المشي. وخان الدلو الرشاء أي انقطع. وتخون
الترحال الناقة أي تنقص لحمها وشحمها. واختان المال أي سرقه ([1])
الخيانة
في القرآن:
دعنا عزيزي القارئ نحلل النصوص لكي نصل
إلى معنى الخيانة، أنظر لهذا النص المبجل.
ﵟوَلَا
تُجَٰدِلۡ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخۡتَانُونَ
أَنفُسَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمٗا 107 يَسۡتَخۡفُونَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَلَا يَسۡتَخۡفُونَ مِنَ
ٱللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمۡ إِذۡ يُبَيِّتُونَ مَا لَا
يَرۡضَىٰ مِنَ ٱلۡقَوۡلِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا يَعۡمَلُونَ مُحِيطًاﵞ [النساء: 107-108]
نلاحظ
التالي:
الخيانة كلام وليس فعل، لأنه لو كان فعل
لعلمه الناس، وإنما هي أقوال ولهذا قال "يستخفون من الناس" وقال "
يبيتون ما لا يرضى من القول". وقد وضحت الآية التالية لهذه الآيات ما فعلوه
بالضبط وهو اتهام بريء بما فعله أحدهم
ﵟوَمَن
يَكۡسِبۡ خَطِيٓـَٔةً أَوۡ إِثۡمٗا ثُمَّ يَرۡمِ بِهِۦ بَرِيٓـٔٗا فَقَدِ
ٱحۡتَمَلَ بُهۡتَٰنٗا وَإِثۡمٗا مُّبِينٗاﵞ [النساء: 112]
وقال "تختانون أنفسكم" لأن ذلك
المتهم البريء، هو من نفس العشيرة، فاعتبر فعلهم هذا فجور بأنفسهم، فقد قام أحدهم
بذنب، ثم اجتمعوا واتفقوا على إلقاء التهمة على آخر.
وقد نعت هذه الخيانة بأنها إثم، وهي فعلاً كذلك، فكل خيانة مجرد إثم،
وقد شرحنا معنى إثم وقلنا هي كل ما يخرج من الفم أو يدار في العقل من نيات وأفكار.
خيانة
زليخة:
{ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ
وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ}
[يوسف : 52]
كما نعلم، فزليخة امرأة العزيز، هددت
يوسف بالسجن، والتعذيب، لكنها لم تقم بأي عمل من هذا بسبب أنها مجرد جارية عند
العزيز، وبسبب أنها تحب يوسف، والقرآن يؤكد أن جماعة من الفراعنة هم من سجن يوسف
بعد أن شاهدوا شغف نسائهم بيوسف، فهم من خانوا يوسف أي اجتمعوا سراً دون علم يوسف
وحرضوا بعضهم فخططوا لسجنه وهو بريء
ﵟثُمَّ بَدَا
لَهُم مِّنۢ بَعۡدِ مَا رَأَوُاْ ٱلۡأٓيَٰتِ لَيَسۡجُنُنَّهُۥ حَتَّىٰ حِينٖﵞ [يوسف: 35]
ثم بعد اجتماعهم عند الملك، وكان السؤال
لماذا سجن يوسف؟ فتهرب النسوة من الإجابة وزعمن أنهن لم يتحرشن به لعلمهن بطهارته.
ثم أجابت زليخة، أنها لم تكن السبب في سجنه، ولم تحرض على ذلك مطلقاً في غيابه "لم
أخنه بالغيب" وإن كان قد هددته في حضوره. ثم بينت في الآية التالية أنها لا
تبرئ نفسها تماماً مما حدث ليوسف، فهي من بدأت المشكلة بعرض يوسف على النسوة فغار
رجالهم، فسجنوا يوسف.
لقد حرضت زليخة سيدها على سجن يوسف عندما
دخل عليهما الغرفة، لكن ذلك كان أمام يوسف ولم يكن خيانة فهو تهديد وليس تحريض، بحضور
الخصم. كما أنها هددته بالسجن إن لم يستجب لها، لكن كان ذلك تهديداً وليس تحريضاً.
لهذا قالت لم أخنه بالغيب، أي لم أحرض عليه وهو غائب.
ويجب أن نفرق بين التحريض والذي ذكر في
القرآن مرتين وبين الخيانة
{وَحَرِّضِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ عَسَى ٱللَّهُ
أَن يَكُفَّ بَأۡسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ }
[النساء: 84].
{ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَرِّضِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ
عَلَى ٱلۡقِتَالِۚ} [الأنفال: 65].
فهذا التحريض ليس غرضه التآمر، بل الدفاع عن
النفس، وهو علانية وليس مخفياً، أما الخيانة فهي تحريض في الخفاء على شخص برئ،
فالتحريض هو شحن الهمم لكي تدافع عن نفسها.
خائنة
الأعين:
{يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا
تُخْفِي الصُّدُورُ} [غافر : 19]
رأي
أهل التراث:
يرون أن المقصود في الآية، هو الرجل يكون
في جلسة مع رفاقه، فتمر امرأة فيتظاهر بعدم النظر إليها فينظر في غفلة منهم. وقال
آخر هو نظر العين إلى كل ما نهى عنه الشارع. وقال آخر هو همزه وإغماضه بعينيه فيما
لا يحب الله. وذات مرة عاتبهم الرسول على عدم قتل أحدهم فقالوا له: هلا أومأت
إلينا بعينك. فرد عليهم الرسول: "إنه لا ينبغي لنبي أن يكون له خائنة الأعين"
([2])
الجواب
الصحيح:
تبين السورة أن فرعون اجتمع بالنخبة من
قومه وصار يحرض ضد بني إسرائيل
ﵟفَلَمَّا
جَآءَهُم بِٱلۡحَقِّ مِنۡ عِندِنَا قَالُواْ ٱقۡتُلُوٓاْ أَبۡنَآءَ ٱلَّذِينَ
ءَامَنُواْ مَعَهُۥ وَٱسۡتَحۡيُواْ نِسَآءَهُمۡۚ وَمَا كَيۡدُ ٱلۡكَٰفِرِينَ
إِلَّا فِي ضَلَٰلٖﵞ [غافر: 25]
ﵟوَقَالَ
فِرۡعَوۡنُ ذَرُونِيٓ أَقۡتُلۡ مُوسَىٰ وَلۡيَدۡعُ رَبَّهُۥٓۖ إِنِّيٓ أَخَافُ أَن
يُبَدِّلَ دِينَكُمۡ أَوۡ أَن يُظۡهِرَ فِي ٱلۡأَرۡضِ ٱلۡفَسَادَﵞ [غافر: 26]
ولم يكن موسى حاضراً ذلك المجلس ولو كان
حاضراً لم يكن الأمر خيانة فكل شيء معلوم لموسى، وحتى الآية التي تلت ورد فيها
موسى على فرعون وقومه
ﵟوَقَالَ
مُوسَىٰٓ إِنِّي عُذۡتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٖ لَّا يُؤۡمِنُ
بِيَوۡمِ ٱلۡحِسَابِﵞ [غافر: 27]
فلم يكن في نفس المجلس، بل وصلته الأخبار،
ولعله من مؤمن آل فرعون الذي كان حاضراً ذلك المجلس، ولو كان موسى حاضراً لاستخدمت
الآية حرف الفاء "فقال" وليس حرف الواو "وقال". وقد شرحنا أن حرف
الفاء هو دائما رد فعل على فعل سابق له.
فآية خائنة الأعين، تتكلم عن كفار قريش
وما يخفونه في صدورهم من تحريض، فهم يريدون جمع كلمتهم ضد الرسول والمؤمنين. وقد
بينت سورة الإسراء هذه الخيانة، فقد تطورت الخيانة إلى تنفيذ تمثل في المكر.
ﵟوَإِن
كَادُواْ لَيَسۡتَفِزُّونَكَ مِنَ ٱلۡأَرۡضِ لِيُخۡرِجُوكَ مِنۡهَاۖ ﵞ [الإسراء: 76]
وخائنة الأعين هي تحريض بحركة من العين،
فكأن القوم يحرضون بعضهم أثناء إلقاء الرسول للمواعظ في مجالسهم وأنديتهم وعند
الكعبة، وقد رأينا كيف حرض أبو جهل بعض رفاقه بإلقاء الجزور على ظهر الرسول عليه
السلام. فالمقصد أن التحريض فعّال ونشيط في تلك الفترة، وكان يكفي أن يُومئ أحدهم
لكي يتحرك السفهاء ضد المؤمنين
ﵟوَإِذَا
مَرُّواْ بِهِمۡ يَتَغَامَزُونَﵞ [المطففين: 30]
فالآية الكريمة "خائنة الأعين"
تهديد للكفار من أي تحريض خفي، فكل شيء مكشوف عنده جل جلاله، ثم ضرب لهم مثلاً
بفرعون وقومه وكيف كان الله يعلم كل كلمة قالوها، فلا تحسبوا أن
خيانتكم للرسول غائبة عنه.
خيانة امرأتي نوح ولوط:
{ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ
لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا} [التحريم : 10]
الخيانة ليس لها علاقة بالجنس مطلقاً، تلك
يسميها القرآن الزنى والفاحشة، وإنما امرأتي لوط ونوحٍ حرضتا أقوامهما على
أزواجهما خفية، وهذا فعل شنيع وغريب، لهذا كان مصيرهما النار.
تختانون
أنفسكم:
{ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ
} [البقرة : 187]
شرحنا في الآية الأولى كيف كان القوم يختانون
أنفسهم وذلك بأنهم اتفقوا على إلقاء التهمة على شخص بريء منهم وفيهم، فهو من
أنفسهم.
وهنا أيضاً تحدث الخيانة أي التحريض على
ممارسة الجنس وهم صائمون وهو محرم عليهم سابقاً كما في التوراة، فهم يحرضون بعضهم
البعض في الخفاء وسراً على هذا الفعل، ولعل النفس هنا يقصد بها نسائهم اللاتي لم
يكن يعرفن الحكم الصحيح، أو أن كبارهم وعلمائهم يحرضون بعضهم على إباحة هذا الفعل
الشنيع.
والمولى إذ وجه الناس للخير، فإنه لا
يريد لهم ممارسة الخيانة، مهما كان شكلها وهي كما قلنا التحريض بالخفاء، فالإسلام يمنع
أي باب من أبواب النفاق أو الجبن أو التخفي الجبان، فهو يريد مجتمع سليم ومعافى،
حتى لو كان فيه تسامح مثل ممارسة الجنس أيام الصيام.
الخوف
من الخيانة:
{وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً
فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ} [الأنفال : 58]
شرحنا معنى الخوف وقلنا هو توقع الشر
والضرر، فهنا يوجه المولى الرسول أنه لو توقع الخيانة من أحد الجماعات، فليتصل بهم
ويحذرهم، من عقاب الله، ذلك لأن الخيانة لا عقاب عليها من رئيس الدولة لأنها عبارة
عن كلام في كلام، أي هي تحريض ضد الرسول والمؤمنين، وهو تحريض بالخفاء فيحسبون أن
الرسول لن يعلم بذلك، فالآية تقول لو شعرت يا محمد أن جماعة تحرض بالخفاء ضدك
فأطلعهم على عقاب الله لهم، فالله لا يحب الخائنين.
وقد أكد القرآن أنه لا عقاب على الخونة أي
الذين يحرضون على الرسول
{وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ
إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}
[المائدة : 13]
بل وجهه الله إلى العفو عنهم والصفح، ذلك
لأن هذا الأسلوب هو الذي يحول هؤلاء إلى أصدقاء بعد حين، فقد زالت أسباب الخيانة
عندهم.
خيانة الأمانة:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا
اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ
تَعْلَمُونَ} [الأنفال : 27]
لقد وضع الله منهجاً جديداً، فالتحريض
على هذا المنهج وعلى حامل هذا المنهج هو تحريض على الله أي خيانة له. أما الأمانة فلم
ندرسها بعد، ولكن المقصود هنا هو خيانة من ائتمنك على حاجته، وذلك بالتحريض على
عدم أداءها.
من
الخوّان:
{إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ
كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ} [الحج : 38]
الخوان هو الكثير الخيانة، وهم أناس أو
أفراد كانوا يحرضون بالسر على المؤمنين ممن آمن بالرسالة. وأدى هذا التحريض على إخراج
المؤمنين من ديارهم والهجرة نحو المدينة وهم ليسوا كفار قريش فقط، بل هناك من آمن في
بقية المناطق. وهذا ما تقوله الآية التالية فوضحت نتائج التحريض
"الخيانة"
ﵟأُذِنَ
لِلَّذِينَ يُقَٰتَلُونَ بِأَنَّهُمۡ ظُلِمُواْۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ
نَصۡرِهِمۡ لَقَدِيرٌ 39 ٱلَّذِينَ أُخۡرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِم بِغَيۡرِ حَقٍّ
إِلَّآ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُۗ ﵞ [الحج: 39-40]
الخلاصة:
إن الخيانة هي بكل وضوح تحريض ضد الآخرين
وفي السر والخفاء، بينما التحريض في القرآن فهو حث للمؤمنين للدفاع عن أنفسهم وهو
تحريض علني وليس مخفياً.
والخيانة ليس فيها عقوبة من الدولة، بل
عقابها الشديد من الله، ذلك لأنها تعطي فرصة للخائن كي يتراجع، وينضم إلى فريق
المؤمنين، بعد خيانته أي بعد تحريضه ضد المؤمنين. لكن إذا كثر وتكرر التحريض صار
المولى لا يحب هذا الخوّان أي المحرض.
وزليخة تبين أنها لم تخن يوسف أي لم تحرض
ضده بالخفاء. أما خيانة النفس فيقصد بها شناعة الفعل، فهؤلاء الذين يخونون قريبهم فإنما
يخونون أنفسهم لأن الضرر بالقريب تدمير للعشيرة. وخيانة الأعين فهي ما نسميه
بالغمز الذي كان يفعله كفار قريش كإشارة للسفهاء للنيل من المؤمنين.
وخيانة امرأتي نوح ولوط، لم تكن فاحشة
وزنى، ولو حدث ذلك لم يكن المولى ليخبر عن ذلك، وإنما هو تحذير لزوجات النبي وأنهن
لسن في منجى بسبب زواج الرسول منهن، وأن مصيرهن مثل مصير امرأتي لوط ونوح.
هذا والله أعلم
علي موسى الزهراني
هل لديك نظرة أخرى
أطرحها هنا كي نستفيد من علمك