من الخليل إلى الزَّبيدي، أحدَ عشرَ معجماً في لفظةٍ واحدة
إذا أردتَ أن تعرف هل يدري صاحبُ المعجم ما يقول، فلا تسأله عن اللفظة. اسأله عمّا اشتقّ منها. فالحدُّ يُصاغ ويُنقل ويُتوارث، وأمّا المشتقّاتُ فتبقى في الكلام كما هي، فتفضح الحدَّ إن كان مغلوطاً.
ولفظة الظنّ خيرُ ما يُمتحن به هذا. فالمعاجمُ المتأخّرة تقول إنّ الظنَّ خلافُ اليقين، ثمّ تقول هي نفسُها في السطر الذي يليه إنّ المَظِنَّة موضعُ العلم. فمن أين جاء العلمُ إن كان الأصلُ شكّاً؟
الحدُّ عند الأوائل
لم يبدأ الأمرُ بحدٍّ أصلاً. فابنُ دريدٍ يفتتح المادّة بقوله: "الظَّن: معروف ظن يظنّ ظنا"، ثمّ يمضي من فوره إلى "والظنة: التُّهْمَة. وَفُلَان ظنين أَي مُتَّهم".(١) فترك الحدَّ ولم يقل شكّاً ولا يقيناً، ثمّ لم يذكر من مشتقّاتها إلا التُّهمة.
وأمّا الخليلُ فصرَّح: "والظَّنُّ يكون بمعنى الشَّكِّ وبمعنى اليقين".(٢) وأمّا الأزهريُّ فنقل عن أبي عبيدٍ عن أبي عبيدة: "الظَّن يَقينٌ وشَكٌّ"، وأنشد عليه بيتاً، ثمّ نقل عن شمر عن أبي عمرٍو تفسيرَه: "مَا يُظَنُّ بهم مِن الخَيْرِ فَهُوَ واجبٌ".(٣) فانظر إلى اللفظ الذي اختاره: واجب. وليس في الواجب تردّد.
وأصرحُ منهما الجوهريُّ. فإنّه بعد قوله "الظن معروف، وقد يوضع موضع العلم" أنشد بيت دريد بن الصمّة "فقلت لهم ظُنُّوا بألفَيْ مُدَجَّجٍ"، ثمّ حكم بجملةٍ قاطعة: "أي استيقِنوا. وإنَّما يخوِّف عدوَّه باليقين لا بالشك".(٤) ودريدٌ يتوعّد خصمه بألفين مدجَّجين، فلو كان يقول لهم شُكُّوا في عددنا لبطل التهديد. فالجوهريُّ حكم بالمعنى من جهة المقام لا من جهة النقل، وهذه حجّةُ لغويٍّ لا حجّةُ ناقل.
قسمةُ ابن فارس ينقضها مثالُه
وجاء ابنُ فارسٍ فقسم المادّة قسمين: "الظاء والنون أُصَيْل صحيحٌ يدلُّ على معنيينِ مختلفين: يقين وشكّ".(٥) وهذه قسمةٌ ظاهرها الإنصاف. لكنّ العبرة بما وضعه تحت كلّ قسم.
فوضع تحت اليقين قولَه: "ومن هذا الباب مَظِنَّة الشئ، وهو مَعْلَمه ومكانُه".(٥) ووضع تحت الشكّ قولَه: "والأصل الآخر: الشّكّ، يقال ظننت الشئَ إذا لم تتيقّنْه. ومن ذلك الظِّنَّة: التُّهْمَة. والظَّنِين: المُتّهم".(٦)
وههنا يقع الوهم. فالتُّهمةُ ليست شكّاً. من اتّهم رجلاً بسرقةٍ فقد عقد قلبه على أنّه سرق ومضى يطلبه بها؛ ولو كان شاكّاً لتوقّف ولم يتّهم. فالقسمُ الثاني عند ابن فارسٍ سمّاه شكّاً ثمّ ملأه بالجزم.
ولم ينفرد بهذا. فالتُّهمةُ هي التي ذكرها ابنُ دريدٍ وحدَها، وذكرها الخليلُ فقال: "وفلانٌ يُطَّنُّ به، أي يُتَّهم به"،(٧) وذكرها الزمخشريُّ فقال: "ورجل ظنين: متهم، وفيه ظنة، وعنده ظنّتي، وهو ظنّتي أي موضع تهمتي"،(٨) وذكرها صاحبُ القاموس فقال: "وأظَنَّهُ: اتَّهَمَهُ".(٩) فلا معجمَ من هذه إلا وفيه أنّ الظنَّ يُبنى عليه اتّهامٌ وطلبٌ ومقاضاة.
المشتقُّ الذي فضح الحدّ
وأمّا اللفظة التي تحسم الباب فهي المَظِنَّة. فأجمعت المعاجم على أنّها موضعُ العلم بالشيء لا موضعُ الشكّ فيه.
فابنُ فارسٍ يقول: "مَعْلَمه ومكانُه".(٥) والجوهريُّ يقول: "ومظنة الشئ: موضعه ومألفه الذى يُظَنُّ كونُه فيه"، ثمّ يزيدها بياناً: "يقال موضع كذا مَظِنَّةٌ من فلان، أي مَعْلَمٌ منه".(١٠) والزمخشريُّ يستعملها في الخير: "وهو مظنة للخير، وهو من مظانه".(٨)
وصاحبُ «المعجم الاشتقاقي المؤصل» يصرّح بما هو لازمُ هذا كلِّه، فيقول في المظانّ: "وهي موضع الشيء ومَعْدِنُه، مَفْعِلةٌ من الظن بمعنى العلم".(١١)
فتأمّله فإنّه دقيق. المظنّةُ مأخوذةٌ من الظنّ، والمعاجمُ كلُّها تفسّرها بالعلم والمَعْلَم والمَعْدِن. فلو كان الظنُّ شكّاً لكانت المظنّةُ موضعَ الشكّ، ولقيل: هذا الموضعُ مظنّةٌ من فلان أي لا يُدرى أهو فيه أم لا. وليس هذا استعمالَ العرب في شيء.
الحدُّ يُنقل ويُتوارث، والمشتقُّ يبقى في الكلام كما هو. فإذا تعارضا فالمشتقُّ أصدق.
البئر الظَّنون
وليس في المادّة كلِّها ما يشهد للشكّ إلا لفظةٌ واحدة، فينبغي الوقوف عندها. قال الخليل: "والظَّنُونُ: البِئرُ التي لا يُدْرى أفيها ماءٌ أم لا".(٢) ونقلها الجوهريُّ عنه بلفظها، لكنّه أردفها بوجهٍ ثانٍ: "ويقال القليلة الماء".(١٢)
وأمّا الزمخشريُّ فلم يذكر عدم الدراية أصلاً، بل ساقها في سلسلةٍ واحدة: "وبئر ظنون: لا يوثق بمائها، ورجل ظنون: لا يوثق بخيره، ودين ظنون: لا يوثق بقضائه".(١٣) وفرقٌ بيّنٌ بين ما لا يُدرى وما لا يوثق به. فالذي لا يُوثق بمائه بئرٌ معلومٌ حالُها، مجرَّبٌ شحُّها.
وقد ردّ صاحبُ «المعجم الاشتقاقي» تفسيرَ عدم الدراية ردّاً صريحاً فقال: "وهذا تفسير غير دقيق. فإن الشاهد الذي أُورد للبئر الظنون بالمعنى الذي ذُكِر لا يعطي ذلك".(١٤) ثمّ حاجَّ ببيت الأعشى الذي استشهدت به المعاجمُ نفسُها، وبيّن أنّ الجُدَّ الظَّنون بئرٌ قليلةُ الماء لا مجهولةُ الماء، وأنّ الأعشى إنّما وازن بين بئرٍ شحيحةٍ ونهرٍ طامٍ يقذف بالملّاحين.
فالشاهدُ الوحيد الذي يُتمسَّك به للشكّ، مختلَفٌ فيه بين أهل المعاجم أنفسِهم.
الحدُّ الذي انقلب
فإلى هنا لم يقل أحدٌ إنّ الظنَّ خلافُ اليقين. غايةُ ما قالوه أنّ فيه شكّاً ويقيناً، والذي مثّلوا به للشكّ لم يخرج عن التُّهمة والبئر.
ثمّ حرَّرها ابنُ سيده تحريراً لم يسبقه إليه أحد: "الظَّنُّ شَكٌّ ويَقِينٌ إلَّا أنَّه ليسَ بيَقينِ عِيانٍ، إنَّما هو يَقِينُ تَدَبُّرٍ، فأمَّا يقينُ العِيانِ فلا يُقالُ فيهِ إلا عَلِمَ".(١٥) فجعل الفرق في طريق الوصول لا في قوّة الجزم: ما جاء من نظرٍ فهو ظنّ، وما جاء من مشاهدةٍ فهو علم. ونقله ابنُ منظورٍ بنصّه في صدر مادّته ولم يزد عليه ولم يعترض.(١٦)
فمتى انقلب الحدّ؟ انقلب عند الفيروزآباديّ. فإنّه صدَّر مادّته بجملةٍ لم ترد في معجمٍ قبله: "الظَّنُّ: التَّرَدُّدُ الراجِحُ بين طَرَفَي الاعْتِقَادِ الغيرِ الجازِمِ"، ثمّ أتبعها بجملة الجوهريّ بلفظها: "وقد يوضَعُ مَوْضِعَ العِلْم".(١٧)
فانظر إلى الجملتين متجاورتين في سطرٍ واحد. الأولى تنفي الجزم نفياً صريحاً، والثانية تُثبت أنّه يقع موقع العلم.
والعجب العجاب أنّ الجملة الأولى ليست من كلام أهل اللغة أصلاً. فتقسيمُ الإدراك إلى يقينٍ وظنٍّ ووهمٍ وشكٍّ بحسب رجحان أحد الطرفين، صناعةُ أهل المنطق والكلام لا صناعةُ أصحاب المعاجم. فأنزل الفيروزآباديُّ اصطلاحَ قومٍ آخرين في معجم لغةٍ صدراً لمادّته، ثمّ ترك تحته ما ينقضه فلم يُحرِّره.
نسبةٌ إلى الأزهري لم يقلها
وأشدُّ من ذلك ما صنعه الفيّوميّ. فتح مادّته بقوله: "الظَّنُّ مَصْدَرٌ مِنْ بَابِ قَتَلَ وَهُوَ خِلَافُ الْيَقِينِ قَالَهُ الْأَزْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ".(١٨)
والأزهريُّ صاحبُ «تهذيب اللغة»، وقد مضى نصُّه: "الظَّن يَقينٌ وشَكٌّ"، وقولُ أبي عمرٍو الذي ارتضاه: "فَهُوَ واجبٌ".(٣) فأين قال الأزهريُّ إنّ الظنَّ خلافُ اليقين؟ لم يقله في مادّته، بل نقل ضدَّه عن أبي عبيدة وأقرَّه.
ولا أدري بأيّ وجهٍ حُمِل هذا عليه. ولعلّ الفيّوميّ نقل عن ناقلٍ لا عن الأصل فوقع الوهم في الطريق.
ثمّ الأعجبُ أنّ الفيّوميّ نفسَه نقض حدَّه بعد ثلاثة أسطر. فإنّه قال: "وَمِنْهُ الْمَظِنَّةُ بِكَسْرِ الظَّاءَ لِلْمَعْلَمِ وَهُوَ حَيْثُ يُعْلَمُ الشَّيْءُ".(١٩) وقولُه "ومنه" صريحٌ في أنّه فرَّع المظنّة على الظنّ. فإن كان الظنُّ خلافَ اليقين، فكيف صار ما تفرَّع عنه موضعاً يُعلَم فيه الشيء؟
ثمّ ختم المادّة بقوله: "وَأَظْنَنْتُ بِهِ النَّاسَ عَرَّضْتُهُ لِلتُّهَمَةِ".(١٩) فمن عرَّض رجلاً للتهمة لم يُعرِّضه لشكِّ الناس فيه، بل لجزمهم عليه.
الزَّبيدي يجمع النقائض
وبقي الزَّبيديّ، وهو شارحُ القاموس والمفروضُ أنّه يُحرِّر. فماذا صنع؟
صدَّر بحدّ صاحبه: "الظَّنُّ: التَّرَدُّدُ الَّراجِحُ بَين طَرَفَي الاعْتِقادِ الغيرِ الجازِمِ". ثمّ قال في السطر الذي يليه: "وَفِي المُحْكَم: هُوَ شَكٌّ ويَقِينٌ". ثمّ: "وَفِي التَّهْذِيبِ: الظَّنُّ يَقِينٌ وشَكٌّ". ثمّ: "وقالَ المَناوِيُّ: الظَّنُّ الاعْتِقادُ الراجِحُ احْتِمالِ النَّقِيضِ، ويُسْتَعْمل فِي اليَقِينِ والشَّكِّ".(٢٠) ثمّ نقل عن الراغب حدّاً خامساً: "الظنُّ اسمٌ لمَا يَحْصَل مِن أَمارَةٍ، وَمَتى قَوِيَتْ أَدَّتْ إِلَى العِلْم، وَمَتى ضَعُفَتْ لم تُجاوِز حَدّ الوَهْمِ".(٢١) ثمّ ساق بعد ذلك كلِّه جملةَ الجوهريّ وبيتَ دريدٍ.
فخمسةُ حدودٍ في صفحةٍ واحدة، أوّلُها ينفي الجزم وآخرُها يجعله يؤدّي إلى العلم، ولم ينبّه على شيء ولم يرجّح.
وهذا موضعٌ يُبيّن حقيقةَ هذه الكتب المتأخّرة. فالزَّبيديّ لم يكن يزن الأقوال، بل كان يحصيها. ومن أحصى ولم يزن، خرج كتابُه مستودعاً لا حَكَماً. فليس التناقضُ عيباً في صنعته، لأنّ صنعته ليست التحرير.
ما الذي يُستفاد من هذا
فالمعاجمُ لم تختلف في الظنّ اختلافاً حقيقياً. الأوائلُ متّفقون أنّ فيه جزماً، وابنُ سيده حرَّر الفرق بينه وبين العلم تحريراً محكماً، وابنُ منظورٍ نقله. ثمّ دخل اصطلاحُ المناطقة على المعجم صدراً للمادّة، ونُسِب إلى الأزهريّ ما لم يقله، فاستقرّ الحدُّ المقلوب في كتابين هما أكثرُ ما يرجع إليه الناس: القاموس والمصباح.
وثلاثُ فوائدَ تخرج من هذا الامتحان.
أوّلها أنّ صدر المادّة في المعجم المتأخّر أضعفُ ما فيها، لأنّه موضعُ الحدّ المصنوع؛ وأصدقُ ما فيها الشواهدُ والمشتقّاتُ في وسطها وآخرها، لأنّها منقولةٌ عن كلام العرب لا مصوغةٌ في المكتب.
وثانيتها أنّ العزو في هذه الكتب لا يُؤخذ حتى يُراجَع أصلُه. فقولُ الفيّوميّ "قاله الأزهريّ" بقي قروناً يُقرأ ويُبنى عليه، والأزهريُّ يقول ضدَّه في كتابٍ مطبوعٍ متداول.
وثالثتها أنّ دخول اصطلاحٍ من صناعةٍ أخرى على معجم اللغة، أخطرُ من الخطأ المفرد؛ لأنّ الخطأ المفرد يُصلَح بمراجعة، وأمّا الاصطلاحُ الدخيل فيُغيّر معنى اللفظة عند من يقرؤها بعدُ في كلّ موضع.
وهذا بابٌ يطول، وله مواضعُ آتية في لفظاتٍ أخرى.
هذا والله أعلم
التعليقات (0)