ثلاثةَ عشرَ معجماً في لفظةٍ واحدة
في مادّةٍ واحدةٍ من «الصحاح» ثلاثُ جمل. أولاها: "الشَكُّ: خلاف اليقين". والثانية: "والشك: اللزوم واللصوق". والثالثة: "وشككته بالرمح، أي خَرقْته وانتظمته".(٨) فالأولى نفيٌ لا صورة فيه، والأخريان صورتان تُمسكان باليد. وليس بينهنّ حرفٌ واحدٌ يبيّن كيف صار اللزومُ واللصوقُ نفياً لليقين.
وقد نُظر في اليقين قبل هذا، فوُجد محدوداً بنفي الشكّ، ووُجدت مادّتُه ضيّقةً لا تحتمل غير ذلك. والشكُّ بخلافه، فمادّتُه واسعة: فيها الرمحُ والدرعُ وعيدانُ الهودج والرحمُ والبيوتُ المصطفّة. ثمّ حُدَّ بالنفي كما حُدَّ أخوه. فلم تكن العلّةُ إذاً قلّةَ ما سُمع عن العرب. فما كانت؟
الحد الذي تناقلته أحد عشر معجماً
العلّةُ عادةٌ في الصنعة. وأوّلُ ما تُرى في اتّفاق الكتب على عبارةٍ واحدةٍ لا تتبدّل إلا في حرف.
فالليثُ في «العين»: "الشَّكُّ: نقيض اليقين".(١) وابنُ عبّاد في «المحيط»: "الشك: نقيض اليقين، شككني أمرك، وأمرك يشك علي".(٢) وابنُ دريدٍ في «الجمهرة»: "وَالشَّكّ: ضد الْيَقِين".(٤) والأزهريُّ في «التهذيب» ناقلاً بالعزو الصريح: "قَالَ اللَّيْث: الشَّكُّ: نقيض الْيَقِين".(٥) والجوهريُّ: "الشَكُّ: خلاف اليقين".(٨) وابنُ سيده: "الشَّك: نقيض الْيَقِين".(٩) وابنُ منظور: "الشَّكُّ: نَقِيضُ الْيَقِينِ، وَجَمْعُهُ شُكُوك".(١٢) وصاحبُ القاموس: "الشَّكُّ: خِلافُ اليَقِينِ".(١٤) والزَّبيديُّ يصدّر شرحَه بها معزوّةً: "الشَّكُّ: خِلافُ اليَقِينِ كَمَا فِي الصِّحاحِ".(١٥)
فهؤلاء تسعةٌ افتتحوا موادَّهم بها. وزاد الفيّوميُّ فنسبها إلى أهل الصنعة جملةً: "قَالَ أَئِمَّةُ اللُّغَةِ الشَّكُّ خِلَافُ الْيَقِينِ".(٢٠) وقالها ابنُ فارسٍ أيضاً، غير أنّه لم يصدّر بها بل أدرجها تحت أصلٍ موجب سيأتي: "ومن هذا الباب الشكُّ، الذى هو خلافُ اليقين".(٧)
فأحدَ عشرَ معجماً من ثلاثةَ عشرَ فيها هذه العبارة، لا فرق بينها إلا "نقيض" و"خلاف" و"ضدّ". والزمخشريُّ في «الأساس» لم يحدَّ اللفظةَ ألبتّة، بل افتتح مادّته بالاستعمال: "رجل شكاك من قوم شكاك".(١١) وبقي واحدٌ من الثلاثةَ عشرَ حدَّها بمعنًى موجبٍ ابتداءً.
ثمّ إنّ الأوّل والرابعَ ليسا شاهدَين اثنين. فالأزهريُّ إذا نقل عن «العين» قال: "قَالَ اللَّيْث"،(٥) وقد بيّن سببَ ذلك في مقدّمته، إذ عدَّ الليثَ بنَ المظفّر فيمن ألّفوا كتباً أودعوها الصحيحَ والسقيم، وقال إنّه "الَّذِي نحل الخليلَ بنَ أحمد تأليفَ كتاب (العين) جملةً لينفقه باسمه"، ونقل عن إسحاق بن إبراهيم الحنظليّ: "مات الخليلُ ولم يفرغ من كتاب (العين)، فأحبَّ الليثُ أن يُنفق الكتابَ كلَّه، فسمّى لسانَه الخليل".(٢٥)
وهذه نسبةٌ مُنازَعٌ فيها، والكتابُ مشهورٌ منسوبٌ إلى الخليل بن أحمد الفراهيديّ، وعليه صُدِّرت النسخةُ المعتمدة هنا، وردَّ محقّقُها على الأزهريّ ردّاً حادّاً فسمّى قولَه "المقولة المكذوبة المختلقة التي روَّجها الأقدمون وفي مقدّمتهم الأزهريُّ صاحب «التهذيب»".(٢٦)
ولا يتوقّف ما نحن فيه على هذا الخلاف. فسواءٌ أكانت العبارةُ للخليل أم لليث، فإنّ الأزهريَّ ناقلٌ لها عن «العين» لا واجدٌ لها في سماعٍ آخر. فليست شهادتُه شهادةً ثانية، ويعود التسعةُ الذين صدّروا بالحدّ ثمانيةً.
وهو موضع تُشتبَه فيه الألفاظ: يُحسَب اجتماعُ الكتب على لفظٍ إجماعاً من أصحابها، وإنّما هو نقلٌ تتابع. فهل تنبّه أحدُهم إلى ما في هذا الحدّ؟
شهادة الفيومي على الدور
تنبّه له الفيّوميُّ ونصَّ عليه بلفظٍ لا يحتمل التأويل. قال في «المصباح»: "وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ فِي مَوْضِعٍ مِنْ التَّهْذِيبِ الظَّنُّ هُوَ الشَّكُّ وَقَدْ يُجْعَلُ بِمَعْنَى الْيَقِينِ وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ الشَّكُّ نَقِيضُ الْيَقِينِ فَفَسَّرَ كُلَّ وَاحِدٍ بِالْآخَرِ وَكَذَلِكَ قَالَ جَمَاعَةٌ".(٢٠)
وقوبلت الدعوى بنسخة «التهذيب» فصحّت في الموضعين. ففي مادّة الظنّ يروي الأزهريُّ بإسناده: "أَبُو عبيد عَن أبي عبيدة: قَالَ: الظن يقين وشك".(٢٣) وفي مادّة الشكّ ينقل عن الليث: "الشَّكُّ: نقيض الْيَقِين".(٥) فالكتابُ الواحدُ يجعل الظنَّ يقيناً وشكّاً، ثمّ يجعل الشكَّ نقيضَ اليقين. فيلزم من الجملتين أن يكون الظنُّ هو الشيءَ ونقيضَه معاً.
فانظر إلى أين انتهى بهم القول. ثمّ إنّ الفيّوميّ رأى الدائرة ولم يخرج منها في صدر مادّته؛ فافتتحها بقوله: "الشَّكُّ الِارْتِيَابُ".(٢٠) والارتيابُ من الريب، والريبُ عند ابن فارس: "الراء والياء والباء أصيل يدل على شك، أو شك وخوف، فالريب: الشك".(٢٤) فمن سأل عن الشكّ رُدَّ إلى الريب، ومن سأل عن الريب رُدَّ إلى الشكّ.
فسّروا الظنَّ بالشكّ، وفسّروا الشكَّ بنفي اليقين، وفسّروا الريبَ بالشكّ. ثلاثةُ أبوابٍ يفتح بعضُها على بعض، وليس وراءها بيت.
أصل ابن فارس والمعنى المحوري
فإن كان الحدُّ يدور، فأين يُلتمس المعنى؟ يُلتمس عند من بدأ من الصورة المحسوسة قبل الحدّ الموروث.
وأوّلهم ابنُ فارسٍ صدّر المادّة بقوله: "الشين والكاف أصل واحدٌ مشتقٌّ بعضُه من بعض، وهو يدلُّ على التَّداخُل. من ذلك قولهم شكَكْتُه بالرُّمح، وذلك إذا طعنتَه فداخَل السنانُ جسمَه". ثمّ لم يترك المعنى الذهنيَّ معلّقاً، بل ردّه إلى ذلك الأصل: "إنما سمِّى بذلك لأنَّ الشَّاكَّ كأنه شُكَّ له الأمرانِ فى مَشَكٍّ واحد، وهو لا يتيقن واحداً منهما". وزاد صورةً ثالثةً من عمل اليد: "تقول: شككت بين ورقتين، إِذا أنت غرَزْت العُود فيهما فجمعتَهما".(٧)
والثاني صاحبُ «المعجم الاشتقاقي المؤصل»، جمع ألفاظ المادّة أوّلاً ثمّ استخرج منها: "المعنى المحوري انتظام (أكثر من) شيء معًا خَزقًا ونفاذًا فيها بما يُشْبه جَمْعَها إلصاقًا".(٢١)
والثالثُ رجلٌ لا يُظنّ به هذا: الفيّوميُّ نفسُه. فإنّه بعد أن أغرق مادّته في كلام الأصوليّين والفقهاء، ختمها بأربع جملٍ ردَّ فيها اللفظةَ إلى الحسّ ووصل بينهما بحرف الاشتقاق: "وَشَكَكْتُهُ بِالرُّمْحِ شَكًّا طَعَنْتُهُ وَشَكَّ الْقَوْمُ بُيُوتَهُمْ جَعَلُوهَا مُصْطَفَّةً مُتَقَارِبَةً وَمِنْهُ يُقَالُ شَكَّتْ الْأَرْحَامُ إذَا اتَّصَلَتْ وَكُلُّ شَيْءٍ ضَمَمْتَهُ فَقَدْ شَكَكْتَهُ".(٢٠)
فالرجلُ الذي فتح مادّته بالدَّور، أغلقها بالأصل. ولو قدّم آخرَها على أوّلها لاستغنى عن أئمّة اللغة كلِّهم. لكنّه وضع الصوابَ حيث لا تقع عليه عينُ القارئ.
القيد الذي رده ابن دريد ثم نُقل مقرَّراً
وفي المادّة قيدٌ يستحقّ أن يُوقف عنده، لأنّه مفتاحُ ما بعده. فابنُ دريدٍ ذكر قولاً ثمّ ضعّفه بلفظه: "وَقَالَ قوم: لَا يكون الشَّك إِلَّا أَن يجمع بَين شَيْئَيْنِ بِسَهْم أَو رمح. وَلَا أَحسب هَذَا ثبتا".(٤)
ثمّ سار القولُ بعده مسيرَ المسلَّمات. فابنُ سيده: "وَقيل: لَا يكون الانتظام شكاًّ إِلَّا أَن تجمع بَين شَيْئَيْنِ بِسَهْم أَو رمح أَو نَحوه".(٩) وابنُ منظورٍ بلفظه.(١٣) والزَّبيديُّ ذكره ثمّ عزاه إلى ابن دريدٍ نفسِه: "نقله ابنُ دُرَيْدٍ عَن بَعضهم".(١٦) فصار الرجلُ الذي ردّ القولَ سنداً له عند من بعده، ولم ينبّه واحدٌ منهم على أنّه ردّه.
وهنا دقيقة. فالقيدُ الذي ردّه ابنُ دريدٍ هو بعينه ما بنى عليه ابنُ فارسٍ اشتقاقَ الشكّ الذهنيّ: أمران جُمعا في مَشَكٍّ واحد. فلو ثبت الردُّ لسقط ذلك الاشتقاق. والكتبُ المتأخّرةُ نقلت القولين جميعاً في مادّةٍ واحدةٍ ولم تعرض للجمع بينهما. فأيّهما أقرب؟
صور المادة
الحُكمُ في هذا لعدد الصور، لا للنظر المجرَّد. وصورُ المادّة في هذه الكتب اثنتا عشرة.
فمنها الطعنُ النافذ: "وشككته بالرمح، أي خَرقْته وانتظمته".(٨) ومنها لُبسُ السلاح: "وَشك فِي السِّلَاح يشك شكاًّ: دخل".(٩) وقال ابنُ منظور: "وَمِنْ ثَمَّ قِيلَ: شاكٌّ فِي سِلَاحِهِ أَي دَاخِلٌ فِيهِ؛ وَكُلُّ شَيْءٍ أَدخلته فِي شَيْءٍ، فَقَدْ شَكَكْته".(١٣) ومنها عيدانُ الهودج: "والشَّكائكُ مِنَ الْهَوَادِجِ: مَا شُكَّ مِنْ عِيدَانِهَا".(١٣) ومنها ثيابُ المرأة تُلَفُّ عليها: "أَي جُمعت عَلَيْهَا ولُفَّت لِئَلَّا تَنْكَشِفَ".(١٣)
ومنها اصطفافُ البيوت: "شَكَّ القومُ بيوتَهم يشكُّونها شكّاً: إِذا جعَلوها على طريقةٍ وَاحِدَة ونَظْم وَاحِد".(٦) وقال ابنُ سيده: "وضربوا بُيُوتهم شكاكاً: أَي صفا وَاحِدًا".(١٠) وسمّى الزَّبيديُّ الهيئةَ باسمها: "والشِّكاكُ ككِتابٍ: البُيوتُ المُصْطَفَّةُ".(١٧) ومنها القرابة: "ورَحمٌ شاكَّة، أَي: قريبَة. وَقد شُكَّت: إِذا اتَّصَلت".(٦) ومنها إلحاقُ النسب: "شُكَّ: إِذا أُلحق بِنسَب غَيره".(٥) وقال ابنُ الأعرابيّ فيمن هذه حالُه: "الشُّكُكُ بضَمَّتَيْن: الأَدعياءُ".(١٨)
ومنها اللصوق: "والشَّكُّ: الاتصالُ واللُّصوقُ".(١٣) ومنها المقارنة في بيت الفرزدق "مَا شَكّ كفِّي خَليلُها"، فسّرها الأزهريُّ بحرفين: "أَي مَا قارَنَ".(٦) ومنها الضمُّ مطلقاً: "وَقَالَ أَبُو سعيد: كلُّ شَيْء ضَممتَه إِلَى شيءٍ فقد شككتَه".(٦) ومنها وجعُ البعير، وهو لصوقٌ أيضاً: "وَالشَّكّ: وجع وَهُوَ لصوق الْعَضُد بالجنب".(٤) ومنها العودُ يُغرَز بين الورقتين فيجمعهما.(٧)
وشواهدُ الشعر في هذه الجهة أيضاً. أنشد الأزهريُّ للأعشى في اتّصال الماء بالماء: "شَكَّ الرّصافُ إِلَيْهَا الغَديرا"، ثمّ للبيدٍ في نظم الجوهر: "جُماناً ومَرجاناً يَشُكّ المَفَاصلا"، وفسّره بقوله: "أَرَادَ بالمَفاصل ضُروبَ مَا فِي العِقد من الْجَوَاهِر الْمَنْظُومَة".(٦)
فالجهةُ واحدة: دخولٌ، وضمٌّ، ونظمٌ، ولصوقٌ، وقرابةٌ، وإلحاق. فثبت أنّ الغالب على المادّة الجمعُ لا الفصل، وأنّ ردّ ابن دريدٍ للقيد لا يقوم عليه دليلٌ من المادّة نفسِها. غير أنّ في المادّة ما يعارض هذا، ولا يُترك.
ما يعارض من المادة نفسها
فثلاثةُ ألفاظٍ فيها فصلٌ لا جمع. أولاها في القاموس وشرحه: "والشَّكُّ: صُدَيْعٌ صَغيرٌ فِي العَظْمِ".(١٥) والصديعُ شقٌّ في الشيء. والثانيةُ في مستدرك التاج: "وشك الخياط الثوب: إذا باعد بين الغرزتين".(١٩) والثالثةُ عند ابن عبّاد: "وإنه لبعيد الشكة: أي الشقة. وشك علي الأمر وشق: بمعنى".(٣)
فهذه ثلاثةٌ في المباعدة والشقّ، ولا يُلتفت إلى تكلّف ردّها إلى الجمع. لكن انظر في كلٍّ منها على حدة. فخياطةُ الثوب ضمٌّ لطرفيه بلا خلاف، والمباعدةُ فيها بين الغرزة والغرزة لا بين الطرفين، فهي وصفٌ لنَظْمٍ متراخٍ لا لفَصل. والصديعُ في العظم شقٌّ دقيقٌ ينفذ فيه، وهو أشبهُ بأثر السنان منه بقطع العظم نصفين.
وأمّا الثالثةُ فأصرحُ في المعارضة، ومع ذلك فقد خالف فيها الزمخشريُّ ابنَ عبّادٍ في اللفظة عينِها؛ فجعلها ابنُ عبّادٍ من الشقّ بمعنى المشقّة، وجعلها الزمخشريُّ من الشكّ الذهنيّ: "وشك عليّ الأمر إذا شككت فيه".(١١) وجمع الزَّبيديُّ القولين ولم يرجّح: "وشك على الأمر: أي شق، وقيل: شككت فيه".(١٩)
فالذي يظهر أنّ في المادّة جهتين: نفوذٌ يَخرِق، ونَظْمٌ يَجمع. وقد ظنّها من صنّف أنّهما جهتان متضادّتان، فاختلفوا في أيّهما الأصل. وهو موضعُ العُقدة في الباب كلِّه.
أصول أربعة في اشتقاق الشك
وأوّلُ الأصول التداخل، وهو قولُ ابن فارسٍ المتقدّم.(٧) والثاني والثالثُ ساقهما الزَّبيديُّ في صدر مادّته نقلاً عن الراغب: "وأَصْلُه إِمّا من شَكَكْتُ الشَّيْء، أَي: خَزَقْتُهُ"،(١٥) ثمّ: "فكأَنَّ الشَّكَّ الخَزْقُ فِي الشَّيْء وكونُه بحَيثُ لَا يَجِدُ الرَّأْي مُستَقَرًّاً يثبُتُ فِيهِ ويَعْتَمِدُ عَلَيْهِ، ويصِح أَنْ يكونَ مُستَعَاراً من الشّكِّ وَهُوَ لُصُوقُ العَضُد بالجَنْبِ، وَذَلِكَ أَن يَتَلاصَقَ النَّقيضانِ فَلَا مَدْخَلَ للفَهْمِ والرأي لتَخَلُّلِ مَا بينَهُما".(١٦)
فالوجهُ الأوّلُ خَزْقٌ يفتح فُرجة، والثاني لصوقٌ لا فُرجةَ فيه. وقد رجّح الراغبُ الثانيَ ولم يسكت، فقال بعده متّصلاً: "ويَشْهَدُ لهَذَا قولُهم: الْتَبَسَ الأَمرُ، أَي: اخْتَلَطَ وأَشْكَلَ".(١٦) ورجّح ابنُ فارسٍ الثانيَ كذلك في مادّته: "ويقال بل الشَّكّ: لُصوق العَضد بالجنْب. فإِن صحَّ هذا فهو أظهر فى القياس".(٧)
فرجلان من أهل الصنعة ذهبا إلى اللصوق. وههنا يقع الوهم: يُحسَب أنّ الخزق واللصوق ضدّان فيُطلب أحدُهما بإسقاط الآخر. وليس الأمر كذلك؛ فالسنانُ إذا نفذ في الثوب والجسم خَرَقهما جميعاً في فعلٍ واحد، ثمّ تركهما منتظمين في موضعٍ واحد. فالخزقُ ابتداءُ الفعل، والانتظامُ منتهاه. ولو كانا ضدّين لما جمعهما ابنُ فارسٍ في لفظةٍ واحدةٍ هي "التداخل".
وأمّا الأصلُ الرابعُ فذكره الفيّوميُّ بصيغة التمريض: "وَيُقَالُ أَصْلُ الشَّكِّ اضْطِرَابُ الْقَلْبِ وَالنَّفْسِ".(٢٠) وليس في المادّة كلِّها لفظةٌ واحدةٌ تدلّ على اضطراب، وهو نفسُه ختم مادّته بالضمّ لا بالاضطراب. فهذا قولٌ لا يُعوَّل عليه.
شككت إليه أي ركنت
وفي المادّة لفظةٌ لو نُظر فيها لأغنت عن هذا كلِّه. قال ابنُ عبّاد في «المحيط»: "وشككت إلى فلان وشككته: أي ركنت إليه".(٣) وأثبتها صاحبُ القاموس: "وشَكِكْتُهُ، وإليه، (بالكسر): رَكَنْتُ".(١٤) وشرحها الزَّبيديُّ وعزاها إلى صاحبها: "وشَكِكْتُه، وِإليهِ، بالكسرِ: أَي: رَكَنْتُ إِليهِ، عَن ابنِ عَبّادٍ".(١٨)
والركونُ إلى الشيء سكونٌ إليه واعتمادٌ عليه. فمن مادّةٍ قيل إنّها نقيضُ اليقين، خرج فعلٌ معناه أن تسكن إلى الشيء وتعتمد عليه. ومعها في المادّة أختُها في هذا المعنى: "ورَحِمٌ شاكَّةٌ: أَي قَرِيبَة، وَقد شَكَّت، أَي: اتَّصَلَت"،(١٨) وقد رواها الأزهريُّ قبل الزَّبيديّ بثمانية قرون.(٦) وعدّها صاحبُ «المعجم الاشتقاقي» من معنويّ المادّة لا من مجازها، فأدرجها في بابٍ سمّاه بذلك: "ومن معنويه: رَحِمٌ شاكّة أي قريبة وقد شكّت: اتصلت".(٢٢)
فصحَّ أنّ في المادّة اتّصالاً وقُرباً وركوناً، لا انفصالاً وبُعداً وتردّداً. وهذه الثلاثُ مجتمعةً لم يُصدَّر بها معجمٌ واحدٌ من الثلاثةَ عشر.
شواهد المعنى الذهني
وقد يقال: إنّ في المادّة شواهدَ صريحةً في التردّد، فلِمَ تُطوى؟ والجوابُ أنّها ثلاثةٌ لا تُطوى، بل تُقرأ على وجهها. وأصرحُها بيتان أنشدهما الزمخشريُّ وحدَه دون الاثنَي عشرَ الباقين.
أوّلهما للركّاض الدُّبيريّ: "يشك عليك الأمر مادام مقبلاً … وتعرف ما فيه إذا هو أدبرا". والثاني لابن أحمر: "وأشياء مما يعطف المرء ذا النهى … تشك على قلبي فما أستبينها".(١١)
فتأمّل بناء الفعل فيهما. لم يقل الشاعر: أشكُّ في الأمر، بل قال: "يشك عليك الأمر". ولم يقل: أشكُّ في أشياء، بل قال: "تشك على قلبي". فالأمرُ هو الفاعل، والأشياءُ هي الفاعل، والقلبُ موضعٌ يقع عليه الفعل. وهو بناءُ "شكَّ القومُ بيوتَهم" و"شكَّه بالرمح" سواءً بسواء.
فليس في البيتين رجلٌ خلا قلبُه من العلم، بل أشياءُ ازدحمت على قلبه فانتظمت فيه حتى لم يفصل بينها. وقد قال ابنُ أحمر بعدها: "فما أستبينها" — ولم يقل: فما أعلمها، ولا: فما بلغتني. فالعجزُ عنده عن التمييز لا عن التحصيل. والثالثُ ما أنشده ثعلبٌ ونقله ابنُ سيده وابنُ منظورٍ والزَّبيديُّ: "مَنْ كانَ يَزْعُم أَنْ سَيَكْتُمُ حُبَّه … حَتّى يُشَككَ فِيهِ فَهُوَ كَذُوبُ".(١٥)
بيد أنّ في التاج قولاً يعارض هذا صراحةً، ولا يُغفَل. فالراغبُ يجعل الشكَّ قد ينشأ من الخلوّ: "وَذَلِكَ قد يَكُونُ لوُجودِ أَمارَتَيْن مُتَساوِيَتَيْنِ عِنْدَه فِي النَّقِيضَيْنِ، أَو لعَدَمِ الأَمارَةِ فِيهِما"، ثمّ يقول: "والشَّكُّ ضَربٌ من الجَهْلِ".(١٥)
وهذا وصفٌ لحال النفس عند المتكلّمين، لا استخراجٌ لمعنى اللفظة من كلام العرب. والدليلُ عليه أنّ الراغبَ نفسَه لمّا طلب الشاهدَ من اللغة لم يجد إلا الاختلاط، فقال: "الْتَبَسَ الأَمرُ، أَي: اخْتَلَطَ وأَشْكَلَ".(١٦) فاختار في آخر كلامه ما نقضَ به أوّلَه.
نتائج الدراسة
أربعُ فوائد.
أولاها أنّ سَعة المادّة لا تنفع مع فساد الطريق. ففي اليقين كان خلوُّ الحدّ مقروناً بقلّة المسموع. وفي الشكّ مادّةٌ موسِرةٌ فيها اثنتا عشرةَ صورةً محسوسةً وشواهدُ من الشعر، ثمّ جاء الحدُّ سالباً كما جاء هناك. فالعلّةُ في طريقة الحدّ لا في مبلغ الرواية.
وثانيتها أنّ الدور مشهودٌ عليه من داخل الكتب لا من خارجها. فالفيّوميُّ رصده بلفظه: "فَفَسَّرَ كُلَّ وَاحِدٍ بِالْآخَرِ وَكَذَلِكَ قَالَ جَمَاعَةٌ".(٢٠) وقوبل قولُه بنسخة «التهذيب» فصحّ في الموضعين.
وثالثتها أنّ الحدّ بالنفي أوهم أنّ الشكَّ خلوٌّ من العلم، والذي دلّت عليه المادّة غيرُ ذلك: أنّ الشاكّ اجتمع عنده أمران في موضعٍ واحدٍ فتلاصقا فلم يتميّز له أحدهما من الآخر، كما ينتظم الرمحُ شيئين معاً فيصيران في موضعٍ واحد. فليس الشكُّ فراغاً بل ازدحاماً، ولا هو قلّةَ ما وصل إلى النفس بل تداخُلَه. وشاهدُه من الشعر: "تشك على قلبي فما أستبينها".(١١) وشاهدُه من كلامهم أنفسِهم: "الْتَبَسَ الأَمرُ، أَي: اخْتَلَطَ".(١٦)
ورابعتها أنّ الأصل كان بين أيديهم ولم يُوضع موضعَه. فابنُ فارسٍ صدّر به، وصاحبُ «المعجم الاشتقاقي» بنى عليه، والفيّوميُّ ختم به مادّته وقال "ومنه"، والراغبُ شهد له بالتباس الأمر، وابنُ عبّادٍ روى فيه الركون. خمسةُ مواضعَ في خمسة كتب، ولم يجتمع منها حدٌّ واحدٌ في صدر مادّة. والذي صُدِّرت به تسعُ موادٍّ ليس فيه إلا حرفُ نفي.
وبقيت لفظة "حَسِب"، وهي ثالثةُ الباب مع الظنّ واليقين، وقد جعلها الفيّوميُّ في هذه المادّة نفسِها ميزاناً حين نقل: "وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ الظَّنُّ يَكُونُ شَكًّا وَيَقِينًا".(٢٠) وله موضعٌ آخر.
هذا والله أعلم
التعليقات (0)