اليقين في المعاجم


اثنا عشرَ معجماً في لفظةٍ واحدة

في «الصحاح» أنّ اليقين هو "العلم وزوالُ الشك".(١) وفيه أنّ "الشَكُّ: خلاف اليقين".(٢) فمن جاء يسأل عن الأولى رُدَّ إلى الثانية، ومن جاء يسأل عن الثانية رُدَّ إلى الأولى. وهما في كتابٍ واحدٍ لرجلٍ واحد.

وهذا صنيعٌ لا يخرج القارئ بشيء. فلو سألتَ رجلاً: ما الليل؟ فقال: زوالُ النهار. فقلتَ: وما النهار؟ فقال: خلافُ الليل. لم تزدد على ما دخلتَ به. وهو مصادرةٌ على المطلوب.

ولفظة اليقين أولى ما يُنظر فيه بعد الظنّ، فهي التي جُعلت مقابلَه وعليها بُني حدُّه. فإن كان المقابِلُ نفسُه بلا حدّ، فعلى أيّ شيءٍ قام ما بُني عليه؟

أصل المادة عند ابن فارس

وأوضحُ ما يُرى فيه هذا عند ابن فارس، لأنّ كتابه كلَّه مبنيٌّ على ردّ المادّة إلى أصلٍ واحدٍ محسوس، فإذا تخلّى عن ذلك في مادّةٍ بعينها، عُلم أنّه لم يظفر فيها بشيء.

فانظر ما صنع في الشكّ: "الشين والكاف أصل واحدٌ مشتقٌّ بعضُه من بعض، وهو يدلُّ على التَّداخُل. من ذلك قولهم شكَكْتُه بالرُّمح، وذلك إذا طعنتَه فداخَل السنانُ جسمَه". ثمّ لم يكتفِ بذلك حتى شرح كيف تفرّع المعنى الذهنيُّ عن الحسّيّ: "ومن هذا الباب الشكُّ، الذى هو خلافُ اليقين، إنما سمِّى بذلك لأنَّ الشَّاكَّ كأنه شُكَّ له الأمرانِ فى مَشَكٍّ واحد، وهو لا يتيقن واحداً منهما". وزاد شاهداً حسّياً ثالثاً: "شككت بين ورقتين، إِذا أنت غرَزْت العُود فيهما فجمعتَهما".(٣)

فهذا رجلٌ يشتغل بالصنعة: سنانٌ يدخل في جسم، وعودٌ يجمع ورقتين، ثمّ أمران التقيا في موضعٍ واحدٍ فلم يتميّزا. ثمّ جاء إلى المادّة المقابلة فقال بحروفه: "الياء والقاف والنون: اليَقَن واليَقين: زَوال الشَّكِّ. يقال يَقِنْت، واستَيْقَنْت، وأيْقَنْت".(٤) وانتهى.

ولم يقل "أصلٌ صحيحٌ يدلُّ على كذا" كما هو ديدنه في كلّ باب، بل لم يذكر لها أصلاً البتّة ولا صورةً حسّية ولا شاهداً واحداً. فردَّ اللفظة إلى نفي أختها، والأختُ عنده مردودةٌ إلى صورةٍ محسوسة.

وههنا موضعٌ يخطئ فيه كثيرون. يُحسَب أنّ الشكَّ هو الغامضُ المضطرب وأنّ اليقين هو البيّنُ المستقرّ. والأمرُ عند صاحب «المقاييس» بعكسه: الشكُّ له أصلٌ يُلمس باليد، واليقينُ ليس له عنده أصلٌ أصلاً. فمن أين جاء هذا الخلوّ؟

حدُّ الليث ومن نقله

جاء من أنّ الرجل لم يجد أمامه إلا ما وجده غيرُه: عبارةً واحدةً يتناقلها المعجميّون بلفظها.

فأوّلُ من قالها فيما وقفتُ عليه الليثُ في «العين»: "اليَقَنُ: اليَقِينُ، وهو إزاحة الشك، وتحقيق الأمر".(٥) ونقلها الأزهريُّ بعزوها إليه صريحاً: "وقال اللَّيث: اليَقَن: الْيَقِين... والْيَقِين: إزاحة الشَّك وَتَحْقِيق الْأَمر".(٦) ثمّ صارت بعد ذلك كأنّها ملكُ الجميع.

فالجوهريُّ: "العلم وزوالُ الشك".(١) وابنُ سيده: "الْيَقِين: إزاحة الشَّك".(٧) وابنُ منظور: "اليَقِينُ: العِلْم وَإِزَاحَةُ الشَّكِّ وتحقيقُ الأَمر"، ثمّ يزيد: "واليَقِين: نَقيض الشَّكِّ".(٨) وصاحبُ القاموس: "واليَقينُ: إزاحَةُ الشَّك".(٩) والزَّبيديُّ: "واليَقِينُ: إزاحَةُ الشَّكِّ والعِلْمُ وتَحْقِيقُ الأمْرِ، ونَقِيضُه الشَّكّ".(١٠)

فهذه سبعة، وثامنُها قولُ ابن فارسٍ الذي تقدّم: "زَوال الشَّكِّ". عددناها فإذا هي ثمانيةُ معاجم على عبارةٍ واحدة، لا يختلف بينها إلا تقديمُ لفظٍ على لفظ. والقارئُ يحسبها إجماعَ ثمانيةٍ من أهل اللغة على معنى. وليست كذلك، إنّما هي قولُ رجلٍ واحدٍ حُمل في ثمانية كتب. ولو كان في كثرة النقل حجّةٌ لصار كلُّ خطأٍ قديمٍ صواباً بمرور الزمن.

وأمّا ابنُ دريدٍ فلم يقلها ولم يقل غيرَها. أدخل اللفظة في باب تقاليب القاف والنون والياء، ثمّ عبَر عليها بجملةٍ واحدة: "واليَقَن مثل الْيَقِين سَوَاء".(١١) ففسَّر اللفظة بأختها في الوزن، ولم يحدّ شيئاً. وهو صنيعُه بعينه في الظنّ، حيث افتتح المادّة بقوله "الظَّن: معروف" ومضى.

فإن كانت هذه حالَ الصدور، فأين يُطلب المعنى؟

الرجل اليَقِن

يُطلب حيث لا يستطيع صاحبُ المعجم أن يصنع شيئاً: في المشتقّات. والأزهريُّ نفسُه دلَّ عليه، فإنّه لم يفتتح المادّة بالحدّ، بل افتتحها برجل: "أَبُو زيد: رجلٌ أَذنٌ يَقَنٌ، وهما وَاحِد، وَهُوَ الَّذِي لَا يسمع بشيءٍ إلَاّ أَيقَن بِهِ".(٦)

وأثبتها ابنُ سيده: "وَرجل يقن، ويقن: لَا يسمع شَيْئا إِلَّا أيقنه كَقَوْلِهِمْ: رجل أذن. وَرجل يقنة... وَرجل ميقان: كَذَلِك، عَن اللحياني، وَالْأُنْثَى: ميقانة".(١٧) وأثبتها صاحبُ القاموس: "وهو يَقَنٌ، مُثَلَّثَةَ القافِ، ويَقَنَةٌ، محرَّكةً: لا يَسْمَعُ شيئاً إلا أيْقَنَهُ، وكذا مِيقانٌ، وهي مِيقانَةٌ".(٩) وزاد الزَّبيديُّ كلمةً كاشفة: "وَلم يُكذّبْ بِهِ".(١٠) وزاد ابنُ منظور: "أَي إِذَا سَمِعَ شَيْئًا أَيْقَنَ بِهِ وَلَمْ يُكَذِّبه".(١٢)

فخمسةُ معاجم على أنّ اليَقِنَ هو الذي يصدّق كلَّ ما يُلقى إليه. وقولهم "كقولهم رجل أذن" يقطع التأويل، فالرجلُ الأذن هو الذي صار كلُّه أذناً يتلقّف بها.

ولك أن تعجب. فلو كان اليقين هو إزاحةَ الشكّ بعلمٍ محقَّق، لكان اليَقِنُ أوثقَ الناس نظراً وأشدَّهم تمحيصاً. وهو عند العرب بضدّ ذلك تماماً: أعجلُهم تصديقاً وأقلُّهم تمييزاً، حتى بنَوا له صيغةَ مبالغةٍ على مِفعال ومِفعالة. وصيغةُ المبالغة إنّما تُبنى فيما يظهر على خصلةٍ لازمةٍ في صاحبها، لا على حالٍ تعرِض له.

ولم يجعلوها مدحاً، بل ساقوها مساقَ العيب. والعربُ لا تعيب رجلاً بأنّه محقِّقٌ للأمور، وإنما تعيبه بأنّه سريعُ السكون إلى ما يسمع. وقد قيل في هذا المعنى: بنت صفا تقول عن سماع.

فاللفظة في هذا المشتقّ لا تنعت صحّةَ المعلوم ولا طريقَ تحصيله؛ إنّما تنعت حالاً في النفس، هي سرعةُ سكونها إلى ما وصل إليها. وهذا شيءٌ آخرُ غيرُ إزاحة الشكّ. فهل في المادّة ما يشهد له؟

الموقونة ويَقِنَ الماءُ ويَقِنٌ بالشيء

فيها ثلاثُ لفظاتٍ لا تمسّ الشكَّ بسبب.

أولاها المَوْقونة، رواها الأزهريُّ بإسناده: "ثَعْلَب عَن ابْن الأعرابيّ: المَوْقونَة: الْجَارِيَة المَصُونة المخدَّرة".(٦) ونقلها ابنُ منظورٍ في آخر المادّة.(١٢) ولم يقل ابنُ الأعرابيّ: الموقونةُ التي لا يُشكُّ فيها، بل قال المصونةُ المخدَّرة. والجاريةُ المخدَّرةُ محبوسةٌ في موضعها، محفوظةٌ فيه، لا تبرحه.

والثانية لم أقف عليها في غير القاموس وشرحه: "ويَقِنٌ بالشيءِ، كخَجِلٍ: مُولَعٌ به".(٩) والمولَعُ بالشيء هو اللازمُ له الذي لا يفارقه. وليس في الولوع علمٌ ولا جهلٌ ولا شكٌّ ولا زوالُه.

والثالثة نقلها صاحبُ «المعجم الاشتقاقي المؤصل» عن أبي حيّان: "يقال يقن الماء: سكن وظهر ما تحته". وعليها وعلى المَوْقونة بنى قولَه: "المعنى المحوري ثبوت الشيء واستقراره في حيزه محفوظًا، كالجارية المصونة في خدرها وكالماء الساكن في مقرّه. ومنه اليقين من العلم".(١٣)

وتأمّل قوله في الماء: سكن، ثمّ ظهر ما تحته. فالسكونُ أوّلٌ والظهورُ ثمرةٌ له. وهذا يقلب ترتيبَهم؛ فإنّهم جعلوا إزاحةَ الشكّ هي الحدَّ، وإزاحةُ الشكّ في كلامهم غايةٌ ونتيجة. والذي دلّ عليه الماءُ أنّ الأصل هو السكونُ نفسُه، وأنّ الوضوح يجيء بعده.

سكن الماءُ فظهر ما تحته. فالسكونُ أوّلٌ، والوضوحُ ثمرة. وهم جعلوا الثمرةَ حدّاً ونسُوا الأصل.

والذي يُغفَل عنه أنّ هذه الثلاث لم تدخل صدرَ مادّةٍ واحدةٍ من الأحد عشر الأُوَل. رواها الأزهريُّ فلم يبنِ عليها، ونقلها ابنُ منظورٍ فوضعها في الذيل بعد الحدّ لا قبله، وأثبت الفيروزآباديُّ الولوعَ في وسط المادّة ثمّ حدَّ اليقينَ بإزاحة الشكّ في السطر الذي قبله. فكانت المادّةُ عندهم شيئاً وحدُّها شيئاً آخر.

ولم يصنع خلاف ذلك إلا واحد. فصاحبُ «المعجم الاشتقاقي المؤصل» افتتح مادّته بالموقونة وبالماء الساكن قبل كلّ شيء، ثمّ استخرج منهما المعنى المحوريّ.(١٣) فمن بدأ من المشتقّ ظفر بأصلٍ موجب، ومن بدأ من الحدّ الموروث دار في نفي الشكّ. والقولُ الأوّل أقعَد.

شواهد المادة

وقد يقال: إنّما اعتمدوا السماعَ عن العرب، وليس لنا أن نُقدّم قياسنا على ما رَوَوْه. فيقال: وأينَ هذا المرويّ؟ فإنّ المادّة كلَّها في اثني عشر معجماً تقوم على بيتين لا ثالث لهما.

أوّلُهما بيتُ الأعشى: "وما بالذي أبصرته العيون … من قطع يأسٍ ولا من يَقَنْ". أنشده الليثُ في «العين»،(٥) ونقله الأزهريُّ عنه،(٦) وأورده الزمخشريُّ،(١٤) وابنُ منظور،(١٢) والزَّبيديُّ عن الليث.(١٠) خمسةُ مواضعَ لبيتٍ واحد. ونلاحظ أنّ اليَقَن فيه مسوقٌ في سياق النفي لا الإثبات، فليس فيه بيانُ ما هو، وإنّما فيه نفيُه عن شيء.

وثانيهما بيتُ أبي سِدْرة: "تَحَسَّبَ هَوّاسٌ، وأَيْقَنَ أَنَّني … بِهَا مُفْتَدٍ مِنْ واحدٍ لَا أُغامِرُه". أنشده الجوهريُّ ثمّ فسّره بقوله: "تشمم الاسد ناقتي يظن أنى أفتدى بها منه".(١) ونقله ابنُ منظورٍ بلفظه وتفسيره.(٨)

فتبيَّن أنّ الشاهدين اللذين عليهما مدارُ المادّة: أحدهما جاء اليقينُ فيه منفيّاً، والآخرُ فسّروا فيه "أيقن" بـ"يظنّ". فلم يبق للحدّ الموجب شاهدٌ واحدٌ من كلام العرب.

فكيف تخلّصوا من هذا؟

التعبير بالظن عن اليقين

تخلّصوا منه بجملةٍ جعلوها قاعدة، قدّمها الجوهريُّ بين يدي البيت ليُقرأ البيتُ عليها: "وربَّما عبَّروا عن الظنّ باليَقينِ، وباليقين عن الظن".(١) ونقلها ابنُ منظور، وقدّم في شطرها الأوّل الظنَّ على اليقين.(٨)

وهي جملةٌ إذا سُلّمت لم يبق بيدك شيء. فلفظتان تحلّ كلُّ واحدةٍ منهما محلَّ الأخرى في الجهتين جميعاً، بلا ضابطٍ يُذكر ولا قيدٍ يُشترط، معناه أنّ صاحب الكتاب لا يعرف الفرق بينهما. وهذا اعترافٌ ساقوه في صورة تفسير.

وفي هذا تكلُّفٌ ظاهر، لأنّ الباعث عليه معلوم: الشاهدُ لم يوافق الحدّ. فلمّا لم يستقم أن يُقال إنّ الأسد أزاح شكَّه، ولا أن يُقال إنّ الحدَّ خطأ، قيل: وُضِعت اللفظةُ موضعَ أختها.

وههنا لطيفة. فالجوهريُّ نفسُه صنع في المادّة المقابلة عكسَ هذا تماماً. أنشد هناك بيتَ دريد بن الصمّة "فقلت لهم ظُنُّوا بألفَيْ مُدَجَّجٍ"، ثمّ قطع بأنّ معناه: "أي استيقِنوا. وإنَّما يخوِّف عدوَّه باليقين لا بالشك".(١٥) فحمل الظنَّ هناك على اليقين، وحمل اليقينَ هنا على الظنّ. رجلٌ واحدٌ في كتابٍ واحد.

فآل الأمر إلى أنّ الأداة التي يُنجَّى بها كلُّ واحدٍ من الحدّين، هي الأداةُ التي تُبطلهما جميعاً.

حدود المتكلمين وأهل الحقيقة

وقد جاء بعدُ من أراد أن يقول شيئاً موجباً لا مجرَّدَ نفي. غير أنّهم لم يجدوه في اللغة، فجاؤوا به من خارجها.

فالفيّوميُّ صدّر مادّته بقوله: "الْيَقِينُ الْعِلْمُ الْحَاصِلُ عَنْ نَظَرٍ وَاسْتِدْلَالٍ وَلِهَذَا لَا يُسَمَّى عِلْمُ اللَّهِ يَقِينًا".(١٦) فاشترط في اليقين طريقاً معيّناً هو النظرُ والاستدلال، ورتّب على شرطه حكماً ليس من صناعة أهل اللغة في شيء.

والزَّبيديُّ ساق حدّاً ثانياً بلفظ أهل المنطق ومصطلحهم: "وَفِي الاصْطِلاحِ: اعْتِقادُ الشيءِ بأنَّه كَذَا مَعَ اعْتِقادِ أنَّه لَا يُمْكِن إلَاّ كَذَا مُطابِقاً للواقِعِ غَيْر مُمْكِن الزَّوالِ"، ثمّ فصّل عملَ كلّ قيدٍ فيه: "الأوّل: جنْسٌ يَشْملُ الظّنَّ، وَالثَّانِي: يُخْرجُه؛ والثالِثُ: يخرجُ الجَهْلَ المُركَّبَ؛ والرابعُ: يخرجُ اعْتِقاد المُقَلد المُصِيب".(١٠) وألفاظُ "الجهل المركّب" و"المقلّد المصيب" ليست من كلام العرب في هذه المادّة ولا في غيرها.

ثمّ ساق حدّاً ثالثاً من صناعةٍ أخرى: "وعنْدَ أَهْلِ الحَقِيقَةِ رُؤْيَةُ العِيانِ بقوَّةِ الإيمانِ لَا بالحجَّةِ والبُرْهانِ. وقيلَ: مشاهَدَةُ الغُيوبِ بصَفَاءِ القُلوبِ ومُلاحَظَة الأَسْرار بمحافَظَةِ الأفْكارِ".(١٠)

والأوّلُ والثالثُ طرفا نقيض. فالفيّوميُّ يشترط النظرَ والاستدلال، وأهلُ الحقيقة ينفون الحجّةَ والبرهانَ نفياً صريحاً بحرف "لا". فما جعله الأوّلُ شرطاً في الماهية، جعله الآخرون مانعاً منها. وليس بينهما وجهُ جمع.

ولو أنّ الزَّبيديَّ أراد أن يجمع الأقوال ويَكِلَ الترجيح إلى القارئ، لصرّح بأنّها من صناعاتٍ ثلاث. لكنّه ساقها بالواو نسقاً واحداً كأنّها شرحٌ متتابع لشيءٍ واحد. وموضعُها من مادّته أخطرُ من طولها: فقد وضعها في صدرها، قبل الشواهد والمشتقّات، حيث تقع عينُ القارئ أوّلَ ما تقع.

مادة الفيومي في المصباح

وأعجبُ ما في الباب أنّ الفيّوميّ لم يحتج إلى من يردّ عليه. فمادّتُه قصيرة، آخرُها تصريفُ الفعل، وهذا صدرُها متّصلاً كما كتبه: "الْيَقِينُ الْعِلْمُ الْحَاصِلُ عَنْ نَظَرٍ وَاسْتِدْلَالٍ وَلِهَذَا لَا يُسَمَّى عِلْمُ اللَّهِ يَقِينًا وَيَقِنَ الْأَمْرُ يَيْقَنُ يَقَنًا مِنْ بَابِ تَعِبَ إذَا ثَبَتَ وَوَضَحَ فَهُوَ يَقِينٌ فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ".(١٦)

ونلاحظ أنّه في الأوّل جعل اليقين علماً قائماً بالعالِم، منعوتاً بطريق تحصيله. ثمّ في الثاني جعله نعتاً للأمر نفسه: ثبت ووضح. ولم يقل: يَقِنَ الأمرُ إذا زال الشكُّ فيه، بل قال ثبت ووضح. والثبوتُ والوضوحُ نعتان للشيء في ذاته، لا لحال الناظر إليه.

ثمّ قطع الطريقَ على كلّ تأويلٍ بقوله: "فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ". وهذا تصريحٌ صناعيٌّ لا يحتمل غيرَ وجهه: اليقينُ هو الأمرُ الثابتُ الواضح، لا العلمُ به. فلفظةٌ واحدة، في سطرين متلاصقين، مرّةً نعتٌ للعالِم ومرّةً نعتٌ للمعلوم.

وأيّهما أصدق؟ الذي يشهد له ما بقي من المادّة هو الثاني. فالجاريةُ المصونةُ ثابتةٌ في خدرها، والماءُ الساكنُ ثابتٌ في مقرّه، والمولَعُ بالشيء لازمٌ له. والذي انتهى إليه صاحبُ «المعجم الاشتقاقي» بعد ستّة قرون هو لفظُ الفيّوميّ نفسُه: ثبوتُ الشيء واستقرارُه.(١٣) فالفيّوميُّ كتب الصوابَ في سطره الثاني، ثمّ لم يرجع إلى صدره فيصلحه.

وهو الرجل الذي نُظر في نقله من قبلُ في لفظة الظنّ، فوُجد قد نسب إلى الأزهريّ ما ليس في كتابه. وههنا أمرٌ يشبهه من وجهٍ آخر: مادّةُ الأزهريّ في اليقين ليس فيها حدٌّ من عنده ألبتة، إنّما هي ثلاثةُ نقول عن أبي زيدٍ والليث وثعلبٍ عن ابن الأعرابيّ.(٦) فالأزهريُّ في هذه اللفظة راوٍ لا حاكم، كما كان في تلك. ومن نقل عنه حدّاً فقد نسب إليه ما لم يتولَّه.

نتائج الدراسة

ثلاثُ فوائد.

أولاها أنّ تفسير اللفظة بنفي ضدّها علامةٌ على أنّ صاحب المعجم لم يظفر بمعناها. والدليلُ عليه من داخل الكتب أنفسِها: فابنُ فارسٍ لمّا كان عنده للشكّ أصلٌ محسوس ذكره وشرح تفرّعه، ولمّا لم يكن عنده لليقين شيءٌ ردَّه إلى الشكّ. فالسلبُ عنده ليس مذهباً في التعريف، بل موضعُ عجزٍ نطق به الصمت.

وثانيتها أنّ تكرار القول في الكتب ليس تعدّداً في الأدلّة. فثمانيةُ معاجمَ قالت "إزاحة الشك" وهي قولُ الليث وحده، صرّح الأزهريُّ بعزوه إليه ثمّ طُوي العزوُ عند من بعده. والقارئُ الذي يفتح ثمانيةَ كتبٍ فيجد فيها لفظاً واحداً يحسَبه إجماعاً، وإنّما هو سندٌ واحدٌ تفرّقت طرقُه.

وثالثتها أنّ الباب إذا خلا من السماع دخله الاصطلاح. فالمادّةُ كلُّها بيتان: أحدهما منفيّ، والآخرُ مصروفٌ إلى الظنّ. فلمّا لم يجد المتأخّرون ما يملأون به صدر المادّة، ملأوه من صناعة المتكلّمين ثمّ من صناعة أهل الطريق، حتى صار في اللفظة الواحدة ثلاثةُ حدودٍ اثنان منها متناقضان، في صفحةٍ واحدة، بلا تنبيه.

وأمّا الذي دلّت عليه ألفاظُ المادّة نفسِها فلم يُصدَّر به معجمٌ واحد: جاريةٌ محفوظةٌ في موضعها، وماءٌ سكن فظهر ما تحته، ورجلٌ مولَعٌ بشيءٍ لا يفارقه، ورجلٌ لا يسمع شيئاً إلا سكنت نفسُه إليه ولم يكذّبه. وجامعُها ثبوتٌ ولزوم، وفي بعضها حسٌّ يَرِدُ ثمّ سكونٌ يعقُبه. وليس في واحدةٍ منها شكٌّ يُزاح.

وبقيت لفظة الشكّ نفسِها لم تُمتحن على هذا الوجه، وسيأتي بيانه.

هذا والله أعلم

(١)الجوهري، "الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية"، مادة يقن، جـ6 ص2220.
(٢)الجوهري، "الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية"، مادة شكك، جـ4 ص1595.
(٣)ابن فارس، "معجم مقاييس اللغة"، مادة شك، جـ3 ص174.
(٤)ابن فارس، "معجم مقاييس اللغة"، مادة يقن، جـ6 ص158.
(٥)الخليل بن أحمد، "العين"، مادة يقن، جـ5 ص221.
(٦)الأزهري، "تهذيب اللغة"، مادة يقن، جـ9 ص246.
(٧)ابن سيده، "المحكم والمحيط الأعظم"، مادة يقن، جـ6 ص511.
(٨)ابن منظور، "لسان العرب"، مادة يقن، جـ13 ص458.
(٩)الفيروزآبادي، "القاموس المحيط"، مادة يقن، ص1242.
(١٠)الزَّبيدي، "تاج العروس من جواهر القاموس"، مادة يقن، جـ36 ص301.
(١١)ابن دريد، "جمهرة اللغة"، مادة (ي ق ن)، جـ2 ص981.
(١٢)ابن منظور، "لسان العرب"، مادة يقن، جـ13 ص459. والمادة واقعة على حد الصفحتين في النسخة المعتمدة، فذُكرتا في موضعيهما.
(١٣)أبو عبدالله محمد حسن جبل، "المعجم الاشتقاقي المؤصل"، مادة (يقن)، جـ4 ص1849.
(١٤)الزمخشري، "أساس البلاغة"، مادة (ي ق ن)، جـ2 ص392.
(١٥)الجوهري، "الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية"، مادة ظن، جـ6 ص2160.
(١٦)الفيومي، "المصباح المنير في غريب الشرح الكبير"، مادة (ي ق ن)، جـ2 ص681.
(١٧)ابن سيده، "المحكم والمحيط الأعظم"، مادة يقن، جـ6 ص512. والمادة واقعة على حد الصفحتين في النسخة المعتمدة، فذُكرتا في موضعيهما.

التعليقات (0)