استقراء مادة (ح ب ل) في ثلاثة عشر معجماً، من «العين» إلى «المعجم الاشتقاقي المؤصل»
رجل يشد بعيره برسن، وآخر يأخذ عهد الأمان من سيد القبيلة قبل أن يرحل، وثالث يضرب خصمه على عاتقه فيقطع ما هناك، وامرأة قد استبان حملها، وقطعة رمل مستطيلة في الدهناء، وكرمة امتدت قضبانها على عريشها حتى بلغ حملها كُرّاً. ستة مشاهد لا يجمعها في ظاهرها جامع، وهي عند أهل المعاجم كلها من ثلاثة أحرف: الحاء والباء واللام.
فهل بين هذه المشاهد نسب واحد؟
الجواب عندهم نعم، لكنهم اختلفوا في النسب نفسه ثلاثة أقوال. وسنرى أن اختلافهم في الأصل أهون شأناً من الخلل الذي وقع في النقل، ومن التوليد الذي أنشأ للمادة معاني لم ينطق بها عربي.
العين التي بين أيدينا ليست العين
من فتح «كتاب العين» في مادة الحبل وجد فيها: "الحَبْلُ: الرَّسَنُ، [والحَبْل: العَهْدُ والأَمان] والحَبْل: التواصل".(١) والمعقوفتان من صنع المحقق لا من صنع الخليل، وقد نص في الحاشية على أنها "زيادة من التهذيب 5/ 78 مما نسب إلى الليث". وكذلك جملة حبل الوريد كلها، قال فيها: "ما بين القوسين مما ورد في التهذيب 5/ 79 من كلام الليث".(٢)
ونلاحظ أن أخص ما في المادة عند العين هو الداخل عليها من «التهذيب». فمن احتج بالعين على أن الحبل هو العهد، ثم احتج بالتهذيب معه، فقد احتج بكتاب واحد مرتين، وحسبها شهادتين.
وهذا موضع يخطئ فيه كثيرون حين يرتبون المعاجم على تواريخ وفيات أصحابها فيجعلون العين أقدم شاهد. فما وجه ذلك؟ وجهه أن الترتيب الزمني للمؤلفين ليس ترتيباً زمنياً للنصوص؛ فنص العين المطبوع متأخر عن التهذيب في هذه المادة، وإن كان الخليل أقدم من الأزهري بقرنين.
رسن صار رسنين
فتح ابن سيده المادة بقوله: "الحَبْلُ: الرِّباط. والجمع أحبُل وأحبال وحِبال وحُبول"، ثم مضى أسطراً وقال: "والحَبْلُ الرسن. وجمعه حُبول".(٣) فجعل الرباط شيئاً والرسن شيئاً، ولكل واحد منهما جمعه.
وتبعه الفيروزآبادي فصدّر مادته بـ"الحَبْلُ: الرِّباطُ، ج: أحْبُلٌ وأحْبالٌ وحِبالٌ وحُبولٌ"، ثم قال بعدُ: "والحَبْلُ: الرَّسَنُ، كالمُحَبَّلِ، كمُعَظَّمٍ، ج: حُبولٌ".(٤)
وليس في العين إلا لفظ واحد: "الحَبْلُ: الرَّسَنُ".(٥) وليس عند الجوهري إلا لفظ واحد كذلك: "الحَبْلُ: الرَسَنُ، ويجمع على حبال وأحبل".(٦)
وههنا دقيقة: الجوهري جمع للرسن وحده الجمعين اللذين فرّقهما القاموس على معنيين. فلو كانا معنيين لما جاز أن يشترك الرسن في جمعيهما. فثبت أن اللفظ واحد، وأن الذي تعدد إنما هو عبارة المعرِّفين: قال قوم رباط وقال قوم رسن، فصار في المعجم مدخلان وجمعان لشيء واحد يشدّ به البعير.
العاتق صار حبلاً
قال الليث: "وحَبْل العاتِق: وُصْلة ما بين العاتق والمنكب".(٧) وهذا دور ظاهر؛ فالعاتق نفسه هو ما بين المنكب والعنق، فإذا عُرِّف حبله بأنه ما بينه وبين المنكب فقد عُرِّف الشيء بموضعه من نفسه.
ثم اختلفوا فيه بعدُ اختلافاً لا يلتئم. قال الجوهري: "وحَبْلُ العاتِقِ: عصبٌ".(٨) وقال ابن سيده: "حَبْلُ العاتق: عصبة بين العنق والمنكب"، ثم أتبعه: "وقيل: حبل العاتق، الطريقة التي بين العنق ورأس الكتف".(٩) وقال ابن الأثير في حديث أبي قتادة: "هو موضع الرداء من العنق، وقيل هو ما بين العنق والمنكب، وقيل هو عرق أو عصب هناك".(١٠)
فصار الشيء الواحد وصلة، وعصباً، وعصبة، وطريقة، وموضع رداء، وعرقاً. ستة تحديدات لموضع واحد من الجسد يراه كل أحد ويلمسه.
ثم جاء الفيروزآبادي فاختصر ذلك كله اختصاراً أفسده، فعدّ في معاني الحبل: "والعاتِقُ، أو الطريقةُ التي بين العُنُقِ ورأسِ الكَتِفِ".(١١) فلم يقل حبل العاتق، بل قال إن الحبل هو العاتق. ولم يقل بهذا أحد قبله فيما وقفت عليه؛ إنما قالوا حبل العاتق مضافاً، كما قالوا حبل الذراع وحبل الفقار. وهذا من أثر طريقته في الاختصار: يحذف المضاف إليه ليوفّر الحروف، فينقلب المعنى.
وليست هذه قراءة متكلَّفة على القاموس، فقد قرأه شارحُه كذلك. فتح الزبيدي الفقرة بقوله: "الحَبلُ: العاتِقُ، أو حَبلُ العاتِقِ: الطريقةُ التي بين العُنُقِ ورأسِ الكَتِفِ".(١٢) فاضطر إلى أن يزيد "أو حبل العاتق" من عنده ليقيم الكلام؛ إذ لو استقام الأول ما احتاج إلى الثاني.
وفي الموضع نفسه فرّق الزبيدي بين ما نقله عن الليث وما وجده في «التهذيب»: فجعل عبارة الليث وصلة ما بين العنق والمنكب، ثم قال: "وفي التهذيب: وُصْلَةُ ما بين العاتِقِ والمَنْكِبِ".(١٣) فالدور واقع في عبارة «التهذيب» دون العبارة التي نسبها إلى الليث. وهذا يعود بنا إلى ما مضى: النقل عن الليث ليس نصاً واحداً مستقراً، بل روايات يخالف بعضها بعضاً.
عرق ينبض لا دم فيه
وأعجب من ذلك ما جرى في حبل الوريد. قال الليث: "وحَبْلُ الوَريد: عِرْقٌ يَدِرُّ في الحَلْق. والوَريد: عرقٌ يَنْبِضُ من الحيوان لا دَمَ فيه".(١٤)
ولست أدري كيف قبلها القوم على حالها. فالوريد فيه الدم وهو مورده إلى القلب، والذي ينبض هو الشريان لا الوريد. فالجملة الواحدة أخطأت في أمرين اثنين: نفت الدم عما هو مملوء به، وأثبتت النبض لما لا ينبض.
ولم تُراجع. نقلها الأزهري عن الليث في «التهذيب»،(١٥) ونقلها ابن منظور بنصها في «اللسان»،(١٦) وسبقتهما إلى مطبوع «العين» بزيادة المحقق كما مر. فمشت في ثلاثة كتب وقرون، وما وقف عندها واقف.
وفي المادة نفسها ما ينقضها. فإنهم عدّوا من الحبل: حبل الذراع، وحبل الفقار، وحبال الساقين، وحبائل الذكر، وجعلوها كلها عروقاً وعصباً.(١٧) فالحبل عندهم اسم لكل ممتد من عرق أو عصب في البدن، والوريد واحد منها.
فلماذا احتاجوا إذاً إلى تكلف؟ قال الفراء في آية القرب من الإنسان: "الحَبْل هو الوَرِيد فأُضيف إلى نفسه لاختلاف لفظ الاسمين".(١٨) ولو أخذ بما في معجمه لاستراح؛ فقولك حبل الوريد كقولك حبل الذراع: اسم الجنس ثم تعيين موضعه. وليس في الكلام شيء أُضيف إلى نفسه.
أصل واحد على أربعة تخريجات
بنى ابن فارس المادة على قاعدة واحدة فقال: "الحاء والباء واللام أصل واحد يدل على امتداد الشيء. ثم يحمل عليه، ومرجع الفروع مرجع واحد".(١٩) والحبل يمتد، والرمل المستطيل يمتد، وحبل العاتق يمتد. فهذا مستقيم، وهو قد فتح لنفسه باب الحمل فلم يدّع أن الجميع امتداد حسي.
ثم عرضت له ألفاظ لا تمتد، فخرّجها على أربعة أوجه. قال في الحمل: "ومن الباب الحَبَل، وهو الحمل، وذلك أن الأيام تمتد به". وقال في الكرم: "وهو من الباب، لأنه في نباته كالأرشية". وقال في الحُبْلة وهي حلي يُجعل في القلائد: "وفيما أحسب أن الحُبْلة... من هذا، ولعله مشبَّه بثمره".(٢٠) وقال في الحِبْل وهو الداهية: "ووجهه عندي أن الإنسان إذا دُهي فكأنه قد حُبِل، أي وقع في الحِبالة كالصيد الذي يُحبَل. وليس هذا ببعيد".(٢١)
وههنا لطيفة تُنصفه وتدينه معاً. فهو في الوجهين الأخيرين صرّح بأنه رأيه: "فيما أحسب"، و"لعله"، و"وجهه عندي"، و"ليس هذا ببعيد". وأما في الحمل والكرم فقطع ولم يتحفظ، مع أن تخريج الحمل بامتداد الأيام أبعدُ من تخريج الداهية بالحبالة. فالتحفظ عنده لم يجرِ على قدر بُعد التخريج، وإنما جرى على غير قاعدة.
وابن سيده لم يردّها إلى الامتداد أصلاً، بل ردّها إلى الامتلاء، فقال: "والحبَل: الامتلاء. وحَبِل من الشراب امتلأ"، ثم قال: "والحَبَل: الحمل، وهو من ذلك لأنه امتلاء الرحم".(٢٢)
وجاء محمد حسن جبل في «المعجم الاشتقاقي المؤصل» فجعل المحور جمعاً وثيقاً أو عظيماً مع امتداد، وردّ إليه حبل الرمل والحبلى والشعر الكثير.(٢٣)
فهذه ثلاثة أصول لجذر واحد: امتداد، وامتلاء، وجمع مع امتداد. وكل واحد منها يستقيم في بعض المادة ويتعثر في بعضها. والذي يُغفَل عنه أن الثلاثة اتفقوا على أن ثمة أصلاً واحداً، ثم اختلفوا فيه؛ فالدعوى مشتركة والدليل مفقود.
قاعدة أنشأها الزمخشري
ومن أغرب ما في هذه المادة موضع عند الزمخشري في «الأساس». ذكر أن العين تَحبِل القذى إذا لزمته ولم ترم به، ثم مثّل باللؤلؤ في صدفه والخمر في زجاجتها، ثم أطلق فقال: "وكل شيء صار في شيء فالصائر حبل للمصير فيه".(٢٤)
وهذه قاعدة لا شاهد عليها من شعر ولا خبر ولا رواية. ولو صحّت لجاز أن يقال للماء حبل للقربة، وللزاد حبل للجراب، وللرجل حبل لبيته. ولم يقل بهذا عربي قط.
والذي وقع أن الزمخشري سمع مجازاً في موضع واحد، فبنى عليه حكماً عاماً في اللغة كلها. وهذا أشبه بالتخريج منه بالنعت.
حكاية في غير موضعها
وأورد ابن سيده في المادة مثلاً من أمثال العرب: "يا حابِلُ اذكر حَلّاً"، ثم ذكر أن اللحياني رواه "يا حامل" بالميم وأنه تصحيف، ثم ساق حكاية ابن جني عن شيخه أبي علي الفارسي، وأنه عرض عليه نوادر اللحياني فلم يرضها، "وكان يكاد يصلي بنوادر أبي زيد إعظاماً لها".(٢٥)
ونقلها ابن منظور بنصها وطولها في «اللسان».(٢٦)
وليس في الحكاية حرف واحد يزيد في معنى الحبل. وهذا باب يطول: المعجم يُقصد لبيان المعنى، فإذا حُشي بأخبار المجالس وتراجم الشيوخ ثقُل على طالبه، ودخل بين اللفظ ومعناه ما ليس منه.
حبل الحبلة على وجوه
وههنا لفظ ورد فيه نهي، فكان أولى ما يُحرَّر. فماذا صنعوا فيه؟
قال في «العين»: "وحَبَل الحَبَلَة: ولد الوَلَد الذي في البطن".(٢٧) وقال ابن دريد: "وهو أن يُباع ما يكون في بطن الناقة التي هي في بطن أمها".(٢٨) وقال الجوهري: "وحَبَلُ الحَبَلَةِ: نِتاجُ النتاجِ وولد الجنين".(٢٩) ثم أورد ابن سيده وجهاً رابعاً: "وقيل معنى حبَل الحبَلَةِ، حمل الكرمة قبل أن تبلغ".(٣٠)
فالأول ولد ولد في بطن، والثاني بيع ما في بطن ما في بطن، والرابع ثمر كرمة لم تنضج. وبين الأول والرابع ما بين الحيوان والشجر.
ولم يرجّح ابن سيده بينها، بل ساقها بـ"قيل" و"قيل"، وترك القارئ حيث وجده. والنهي إنما وقع على واحد منها لا على أربعة.
المعجم يقضي على الرواية بالتصحيف
وبلغ الأمر بالفيروزآبادي أن حكم على لفظ في الحديث بالخطأ، فقال: "وفي الحديثِ: حَبائِلُ اللُّؤْلُؤِ، كأنه جَمْعٌ على غيرِ قِياسٍ، أو هو تصحيفٌ، والصوابُ: جَنابِذُ".(٣١)
فحمله على غير القياس أوّلاً، ثم لم يرض فقضى بأن الرواية محرَّفة، ورد الأمر إلى لفظ آخر.
ولم يسكت الزبيدي، فنقل عن شيخه: "والصواب أنها رواية صحيحة، كما حققه عياض في «المشارق»، وصححه الحافظ ابن حجر وغيره".(٣٢)
فانظر إلى أين انتهى القول: قياس الجمع في المعجم صار حاكماً على المروي، حتى إذا لم ينقد له اللفظ حُكم عليه بالتحريف. وإنما شأن المعجم أن يجمع ما نطقت به العرب ثم يستنبط منه القياس، لا أن يضع القياس ثم يردّ إليه ما نطقوا به.
الحبل بالبصرة أم بعرفة
وفي المادة موضع اسمه الحبل، اختلفوا فيه اختلافاً يمكن الفصل فيه.
قال في «العين»: "والحَبْل: مَوضِع بالبصرة على شاطىء النَّهْر".(٣٣) ونقل ابن دريد عن أبي عبيدة قوله: "الحَبل موقف خيل الحلبة قبل أن تطلق... وبه سمي حَبل البصرة وهو رأس ميدان زياد".(٣٤)
وقال الفيومي: "والحَبْلُ إذا أُطلق مع اللام فهو حَبْلُ عَرَفَةَ"، واستشهد ببيت أبي ذؤيب في مبادرة السابقات إلى الحبل، وأوله ذكر ذي المجاز.(٣٥) وجمع الزبيدي القولين ونقل عن نصر: "يقولون مرة: الحَبل، ومرة: حَبل عَرَفَة".(٣٦)
فالبيت واحد، والموضعان اثنان، والفصل في البيت نفسه؛ فإن أوله ذكر ذي المجاز، وذو المجاز عند ياقوت "موضع سوق بعرفة على ناحية كبكب عن يمين الإمام على فرسخ من عرفة"، وهو خلف عرفة.(٣٧) فالراحل من ذي المجاز عشية إنما يبادر إلى ما هو بإزائه من مواقف الحج، لا إلى ميدان بالبصرة يبعد عنه مسيرة شهر.
ثم فعل الفيروزآبادي ما صار عادة له في هذه المادة، فأثبت الموضعين معاً في سياق واحد من معاني الحبل: "وع بالبَصْرَةِ يُعْرَفُ برأسِ مِيدانِ زِيادٍ، ويُكْسَرُ، أو هُما مَوْضِعانِ، واسمُ عَرَفَةَ".(٣٨) وتفريقُه "أو هما موضعان" إنما هو في ضبط اسم بصرةَ نفسها بالفتح والكسر، لا في الفصل بين البصرة وعرفة؛ فبقيا معنيين للفظ واحد.
ما انتهى إليه الاستقراء
افتتحنا بستة مشاهد وسألنا: هل بينها نسب واحد؟
والجواب الذي ظهر لي أن المعاجم لم تُجب عن السؤال، وإنما أجابت عن سؤال آخر: بماذا يمكن أن يُربط بعضها ببعض؟ وبين السؤالين فرق؛ الأول يطلب ما نطقت به العرب، والثاني يطلب ما يستقيم في ذهن الناظر.
ولهذا خرجت المادة على ما رأينا: لفظ واحد صار لفظين لاختلاف عبارة المعرِّفين، ومضاف حُذف مضافه فانقلب معناه، وخطأ في نعت عرق مشى في الكتب قروناً بلا مراجعة، وأصل واحد أُقيم على أربعة حدوس مصرَّح بها، وقاعدة عامة بُنيت على مجاز واحد، وحكاية عن مجلس شيخ دخلت بين اللفظ وبيانه، ولفظ ورد فيه النهي بقي على أربعة أوجه بلا ترجيح، ورواية صحيحة رُدّت لأنها لم تنقد لقياس الجمع.
وأنا من هذا على حذر: فليس المقصود أن المعاجم لم تحفظ. بل حفظت، وهي أعظم ما حُفظ به كلام العرب. والذي أعنيه أن الحفظ شيء والتحرير شيء؛ وأن الذي يقرأ المعجم على أنه فصل في المعنى، غير الذي يقرؤه على أنه محضر جمع فيه صاحبه ما بلغه، صحيحه وسقيمه، ثم وكل النظر إلى من بعده.
هذا والله أعلم
التعليقات (0)