تحدث أخبارها: هل هو نطقُ الجماد أم بيانُ الرسول؟
( يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا ).
المقدمة:
تقف سورة الزلزلة بمفرداتها المهيبة وتصويرها
المرعب للحظة الانقلاب الكوني، حقلاً خصبًا للتدبر الذي يتجاوز حدود التفسير التقليدي.
ولعل قوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا} من أكثر المواضع التي استوقفت
المفسرين؛ فبينما ذهب الجمهور إلى استنطاق الأرض ذاتها كشهادة مادية، تبرز إشكالات
لغوية وسياقية تدفعنا لإعادة النظر في "هوية المتحدث". فهل تنطق الأرض بلغةٍ
تُفهم وسط ضجيج الانفجارات الكبرى؟ أم أن السياق البياني للآيات، خاصة مع الانتقال
لضمير المخاطب في قوله {بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا}، يشير إلى دورٍ بيانيٍّ عظيم
للرسول ﷺ في تلك اللحظة الفاصلة؟
رأي المفسرين في النص الكريم:
ذهب المفسرون إلى أن المتحدث هنا هو
الأرض؛ إذ تخبر عن نفسها بأن ربها قد أوحى لها بهذه الكوارث. وزعم بعضهم وجود
قراءة أخرى هي (يومئذ تُنبئ أخبارها)، وهي مروية عن سعيد بن جبير؛ بناءً على رؤيته
أن الأرض لا تتكلم نطقاً، بل تُنبئ بأفعالها العظيمة كإخراج أثقالها من جوفها، فهي
لا تتكلم، بل تفعل.
وذهب آخرون إلى أن "الأخبار"
هنا هي أفعال الناس وأعمالهم من خير وشر. وقد استشكل بعض المفسرين كيفية حديث
الأرض، فرأى المعتزلة أنه من الممكن أن يجعل الله في الأرض أجهزة تصدر أصواتاً
متقطعة تتحدث بها، بينما يرى الرازي أن الله سيهب الأرض حياةً لكي تتكلم ([1])
. والحقيقة أن الأرض لو كانت ستتحدث عن الناس وذنوبهم لقالت:
"يومئذ تُنبئ عن أنباء الناس وما فعلوه"، لكن النص قال: (أَخْبَارَهَا)؛
أي عما يحدث للأرض في تلك اللحظة.
إن الله -جل جلاله- قادر على استنطاق
الأرض كما يَنطق الجلد: {وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا
قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ} [فصلت: 21]. ولكن بأي لغة ستنطق الأرض حينئذٍ؟ وكيف
ستنطق وهي تتعرض لدمار شامل؟ ومن يستطيع سماعها وسط أصوات الانفجارات الهائلة
والزلازل التي لا مثيل لها، والناس في رعب وهلع؟
وقبل تحديد المتحدث الحقيقي في ذلك
اليوم، تجدر الإشارة إلى ما شرحناه بالتفصيل من حال الناس يوم القيامة عند بعثهم؛
إذ يخرجون بعقول "بيضاء" لا تتذكر شيئاً، لكن بعضهم يدرك بفطرته السوية
أن الأرض تفعل ما تفعله بوحي من الله: (بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا)، ومن
هؤلاء الأنبياء.
فمن الذي يحدث أخبار الأرض في تلك
اللحظة؟
إنه الرسول ﷺ؛ فالضمير في (تُحَدِّثُ)
يعود على الرسول؛ ذلك أن هؤلاء الأنبياء مشبَّعة قلوبهم بالفطرة والحب لرب
العالمين، ويدركون أن أي حدث يقع إنما هو بأمر الله. لذا، ورغم أن البشر ينسون
أنفسهم، إلا أن الأنبياء لا ينسون ربهم ويدركون أنه الخالق المدبر. فالرسول يبيّن
لمن يسأل -وكل الناس يسألون ولا يدرون ما يحصل- أن هذا بأمر الله.
فالله ينبئ الرسول عما سيحدث لحظة
الساعة، فيقول الله للرسول في تلك اللحظة: "يا محمد، سوف تقول للناس إن الله
هو من أمر بذلك"، أو كما قال النص: (أَوْحَىٰ لَهَا). فالأرض في لحظة غليان
لا تدري ما تفعل، فيوحي الله لها أن تسلك ذلك المسلك لتستريح من أثقالها (الحمم
والبراكين).
وقد استُخدم ضمير المخاطب في كلمة
(رَبَّكَ)، وهذا يؤكد أن الذي سيتحدث عن أخبار الأرض هو الرسول؛ إذ لو كانت الأرض
هي المتحدثة لقال: "بأن ربها أوحى لها".
إضافة ضرورية:
تبين المصطلحات المستخدمة دقة هائلة؛ فقد
بينا أن "التحديث" هو استجلاب أخبار الماضي وحوادثه، بينما
"الأخبار" هي نقل المعلومة الحالية الآنية. فالرسول يكلم الناس
"حديثاً"؛ أي يقول للبشر التائهين: "لقد أخبرتكم بذلك سابقاً"،
واليوم يكرره لهم فهو "حديث" عن شيء قديم أُبلغوا به، عن
"أخبار" الأرض (ما يحدث الآن أمامهم). كما أنه لو كان الكلام عن ذنوبهم
لما قال (أَخْبَارَهَا) بل لقال "أخبارهم".
والله جل جلاله أعلم
علي موسى الزهراني

هل لديك نظرة أخرى
أطرحها هنا كي نستفيد من علمك