تفسير قوله تعالى: ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به...
الرسولُ من الأثرياء، تشهد بذلك سورتا الضحى والكوثر؛ فهو شريفٌ في قومه كثيرُ المال، ينفقه على من حوله من الفقراء والأقارب. لكنّ هذا لم يمنع تعجبَه: كيف يكون الكفارُ الذين يعاندون دينَ الله بهذا الثراء الفاحش دون أن يتعرضوا لعقاب؟ لقد استخدموا هذه الأموالَ للصدّ عن سبيل الله، فكيف لم يُخسَف بهم الأرض؟
في هذا الجوّ نزلت الوصيةُ في موضعين:
﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيۡنَيۡكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعۡنَا بِهِۦٓ أَزۡوَٰجٗا مِّنۡهُمۡ وَلَا تَحۡزَنۡ عَلَيۡهِمۡ وَٱخۡفِضۡ جَنَاحَكَ لِلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ [الحجر ٨٨]
﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيۡنَيۡكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعۡنَا بِهِۦٓ أَزۡوَٰجٗا مِّنۡهُمۡ زَهۡرَةَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا لِنَفۡتِنَهُمۡ فِيهِۚ وَرِزۡقُ رَبِّكَ خَيۡرٞ وَأَبۡقَىٰ﴾ [طه ١٣١]
والأمرُ ههنا توجيهٌ وعصمة، لا إخبارٌ بواقع؛ فليس في النهي دليلٌ على أنّ المنهيَّ عنه وقع. فما هذا المدُّ الذي صِينَ عنه البصرُ الشريف؟
مدُّ العين شمولُ المدى لا إدامةُ الزمن
فسّر أكثرُ المفسرين مدَّ العينين بإدامة النظر وإطالة مدّته. والأرجحُ عندنا أنّ المدَّ الشمول: أن تُبسَط العينُ إلى أقصى ما يملكه القومُ حتى تبلغ آخرَ الأملاك — ماشيةً كانت أو قصوراً أو جناناً — فلا تقف دون آخرها.
ويشهد لهذا استعمالُ الجذر في التنزيل كلِّه؛ فالمدُّ فيه بسطٌ في المكان لا في الزمان. الأرضُ الممدودة أرضٌ مبسوطةٌ إلى آفاقها: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي مَدَّ ٱلۡأَرۡضَ﴾ [الرعد ٣]، وفي سورة النهي نفسِها: ﴿وَٱلۡأَرۡضَ مَدَدۡنَٰهَا﴾ [الحجر ١٩]. والظلُّ الممدود ظلٌّ منبسطٌ على الأرض إلى مداه: ﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيۡفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ وَلَوۡ﴾ [الفرقان ٤٥]. وحتى مدُّ الغيّ بلوغٌ به إلى أقصاه: ﴿وَإِخۡوَٰنُهُمۡ يَمُدُّونَهُمۡ فِي ٱلۡغَيِّ ثُمَّ لَا يُقۡصِرُونَ﴾ [الأعراف ٢٠٢] — قابلَ المدَّ بالإقصار، والإقصارُ الوقوفُ دون الغاية.
فمدُّ العينين إذن أن تستقصي العينُ الملكَ كلَّه من أوله إلى آخره. وهذه حركةُ المستغرِب المستقصي، لا حركةُ اللامح العابر — فاللمحةُ تقع ولا حيلة فيها، والاستقصاءُ فعلُ قاصد.
النهيُ عن المتاع لا عن الأشخاص — والأزواجُ أصناف
تأمل بناءَ الآية: لا تمدنّ عينيك إلى ما متّعنا به أزواجاً منهم. فالمنظورُ إليه المنهيُّ عنه هو المتاعُ الذي دخلت عليه «إلى»، وليس الأزواج. فلم يقل: لا تنظر إلى أزواجٍ منهم؛ قال: لا تنظر إلى ما متّعناهم به.
وأما «أزواجاً منهم» فليست نساءَ الكفار في شيء؛ إنما هي أصنافُهم المتقارنة المنسجمة: القومُ الذين تشابهت أحوالُهم وتقاربت معيشتُهم حتى صاروا في الترف والهيئة صنفاً واحداً. قال الرازي: «أزواجا منهم قال ابن قتيبة أي أصنافا من الكفار، والزوج في اللغة الصنف» (مفاتيح الغيب، جـ١٩ — ص١٦١).
وقد تصفّحتُ عامةَ التفاسير فلم أجد أحداً زعم أنّ الرسول كان ينظر إلى نساء الكفار حتى يُنهى عن ذلك؛ بل أطبق جمهورُها على أنّ الأزواج الأصناف. فمن أين جاء بعضُ المعاصرين بذلك التفسير السطحي المتعجّل؟ حاشا سيدَ الأخلاق، وإنما الآيةُ في المتاع والأموال.
نظرةُ عجبٍ لا نظرةُ حسد
ذهب بعضُهم إلى أنّ الآية نهيٌ عن الحسد، وقد ردّه القاضي من قديم: «قال القاضي: هذا بعيد، لأن الحسد من كل أحد قبيح، لأنه إرادة لزوال نعم الغير عنه، وذلك يجري مجرى الاعتراض على الله تعالى والاستقباح لحكمه وقضائه، وذلك من كل أحد قبيح، فكيف يحسن تخصيص الرسول صلى الله عليه وسلم به؟» (مفاتيح الغيب، جـ١٩ — ص١٦١).
وفي الآية نفسِها برهانٌ قاطع: أتبعَ النهيَ عن المدّ قولَه ولا تحزن عليهم. والحسدُ والحزنُ على المحسود لا يجتمعان في نفسٍ واحدة أبداً — فالحاسد يريد زوالَ النعمة، والحازنُ مشفقٌ على صاحبها. فبطل الحسدُ، وبقي الوجهُ الذي تلتئم به الحالتان: نظرةُ العجب. يرى القومَ في ملكهم وعزّهم وهم كفار، فيستغرب: كيف كان لهؤلاء كلُّ هذا؟ — فلله في خلقه شؤون — ثم يحزن لمصيرهم وهم في غرورهم سادرون. متعجّبٌ من حالهم، حزينٌ على مآلهم.
ونظائرُ الآية في المصحف تسمّي الحالةَ باسمها الصريح: ﴿فَلَا تُعۡجِبۡكَ أَمۡوَٰلُهُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُهُمۡۚ﴾… [التوبة ٥٥]، و﴿۞ وَإِذَا رَأَيۡتَهُمۡ تُعۡجِبُكَ﴾… [المنافقون ٤]، و﴿يَغۡرُرۡكَ تَقَلُّبُهُمۡ فِي ٱلۡبِلَٰدِ﴾ [غافر ٤]. فالمنهيُّ عنه في هذا الباب كلِّه العجبُ والاغترارُ بظاهر حالهم؛ وليس في المصحف من أوله إلى آخره نهيٌ واحدٌ للرسول عن حسدٍ أو طمع.
ويقطع بذلك أثرٌ عجيبُ الموافقة، في وحي الله إلى موسى وهارون حين أُرسلا إلى فرعون: «ولا يعجبنكما زينته، ولا ما متع به، ولا تمدا إلى ذلك أعينكما؛ فإنها زهرة الحياة الدنيا، وزينة المترفين» (موسوعة التفسير المأثور، جـ١٤ — ص٢٨٤). فانظر كيف قرن الأثرُ مدَّ الأعين بالإعجاب لا بالحسد، وكيف جاء بلفظ «زهرة الحياة الدنيا» بعينه، وكيف وُجّه الخطابُ إلى نبيّين كريمين نحو زينة فرعون. فهذا جنسُ توجيه الأنبياء حين يواجهون بذخَ الطغاة: يُصان بصرُهم عن استقصاء الزينة إعجاباً بها.
زهرةُ الحياة الدنيا — الصورةُ على حقيقتها
سمّى اللهُ ذلك المتاعَ زهرةً، وفسّرها قتادة بقوله: «زينة الحياة الدنيا» (موسوعة التفسير المأثور، جـ١٤ — ص٤٦٠). والتشبيهُ في غاية الدقة: الزهرةُ أبهى ما في النبتة منظراً وأقلُّه غَناء؛ تُغري الأحياءَ بقصدها، فإذا وصلت الحشرةُ إلى أوراقها الملوّنة لم تجد فيها شيئاً تنتفع به — إنما النفعُ في الرحيق إن وُجد، وليس هو من الأوراق الملوّنة. فكذلك متاعُ القوم: منظرٌ يبهر ولا يُشبع.
ثم كشفت الآيةُ سرَّ العطاء: لنفتنهم فيه. فالزهراتُ التي في أيديهم امتحانٌ عليهم لا مغنمٌ لهم كما يتوهمون. بل صرّح التنزيلُ بأنهم أنفسَهم يغلطون في قراءة هذا العطاء: ﴿أَيَحۡسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِۦ مِن مَّالٖ وَبَنِينَ﴾ ﴿نُسَارِعُ لَهُمۡ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِۚ بَل لَّا يَشۡعُرُونَ﴾ [المؤمنون ٥٥–٥٦] — يحسبون الإمدادَ بالمال والبنين مسارعةً لهم في الخيرات، وهو استدراج. والمدُّ يجري على الفريقين جميعاً فليس علامةَ رضا: ﴿كُلّٗا نُّمِدُّ هَٰٓؤُلَآءِ وَهَٰٓؤُلَآءِ مِنۡ عَطَآءِ رَبِّكَۚ وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحۡظُورًا﴾ [الإسراء ٢٠]. وتأمل التقاءَ الجذر: القومُ ممدودون بالمتاع مدّاً، والرسولُ منهيٌّ أن يمدّ عينيه إلى ذلك الممدود — فلا يُقابَل مدُّ الاستدراج بمدِّ النظر.
فلماذا كان لهؤلاء الكفار كلُّ هذا الملك؟
هذا هو السؤال الذي يمدّ الأعينَ حقاً، وقد أجاب عنه التنزيلُ جواباً يحسم العجبَ من أصله:
﴿وَلَوۡلَآ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ لَّجَعَلۡنَا لِمَن يَكۡفُرُ بِٱلرَّحۡمَٰنِ لِبُيُوتِهِمۡ سُقُفٗا مِّن فِضَّةٖ وَمَعَارِجَ عَلَيۡهَا يَظۡهَرُونَ﴾ [الزخرف ٣٣]
فالدنيا أهونُ عند الله من أن تكون جائزةَ الإيمان؛ ولولا أن يفتتن الناسُ فيجتمعوا على الكفر لجعل لكلِّ كافرٍ سقفاً من فضة ومعارجَ عليها يظهرون. ثم قال: ﴿كُلُّ ذَٰلِكَ لَمَّا مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَٱلۡأٓخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلۡمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف ٣٥]. ومَن قبلهم كان أعظمَ مما هم فيه ثم لم يبقَ منه شيء: ﴿وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا قَبۡلَهُم مِّن قَرۡنٍ هُمۡ أَحۡسَنُ أَثَٰثٗا وَرِءۡيٗا﴾ [مريم ٧٤] — أحسنُ أثاثاً ورئياً: جعل مدارَ المفاضلة على الرِّئي، أي المنظر الذي تُمَدّ إليه العين، ثم طواهم جميعاً.
النظمُ: قبلها السبعُ وبعدها خفضُ الجناح
آيةُ الحجر ليست معلّقةً في الهواء؛ قبلها مباشرة: ﴿وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَٰكَ سَبۡعٗا مِّنَ ٱلۡمَثَانِي وَٱلۡقُرۡءَانَ ٱلۡعَظِيمَ﴾ [الحجر ٨٧]. قال الرازي في نظمهما: «لما عرف رسوله عظم نعمه عليه فيما يتعلق بالدين، وهو أنه آتاه سبعا من المثاني والقرآن العظيم، نهاه عن الرغبة في الدنيا» (مفاتيح الغيب، جـ١٩ — ص١٦١). وروى في الموضع نفسِه عن أبي بكر قولَه: «من أوتي القرآن فرأى أن أحدا أوتي من الدنيا أفضل مما أوتي فقد صغر عظيما وعظم صغيرا».
فالميزانُ مقايسة: في يدك سبعٌ من المثاني وقرآنٌ عظيم، وفي أيديهم زهرةٌ تذبل — فلا يليق بصاحب الباقي أن يستقصي ببصره الفاني. ولذلك خُتمت آيةُ طه: ﴿زَهۡرَةَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا لِنَفۡتِنَهُمۡ فِيهِۚ وَرِزۡقُ رَبِّكَ خَيۡرٞ﴾ — خيرٌ في جنسه وأبقى في زمنه.
ثم صُرفت العينان إلى وجهتهما: في الحجر واخفض جناحك للمؤمنين، وفي الكهف: ﴿وَٱصۡبِرۡ نَفۡسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ رَبَّهُم بِٱلۡغَدَوٰةِ وَٱلۡعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجۡهَهُۥۖ وَلَا تَعۡدُ عَيۡنَاكَ عَنۡهُمۡ تُرِيدُ زِينَةَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَا تُطِعۡ مَنۡ أَغۡفَلۡنَا قَلۡبَهُۥ عَن ذِكۡرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ وَكَانَ أَمۡرُهُۥ فُرُطٗا﴾ [الكهف ٢٨]. فالبصرُ الشريف محكومٌ بنهيين متقابلين: لا يُمَدّ إلى زينة الممتَّعين، ولا يَعدُو عن فقراء المؤمنين. يُقبَض عن أولئك ويُبسَط لهؤلاء.
الخلاصة
الآيتان توجيهٌ للرسول لا إخبارٌ عنه. ومدُّ العينين بسطُ النظر إلى آخر الأملاك استقصاءً، على وزان مدِّ الأرض والظل. والمنظورُ المنهيُّ عنه المتاعُ لا الأشخاص، والأزواجُ أصنافُ الكفار المتقارنة لا نساؤهم. والنظرةُ المصونُ عنها نظرةُ العجب — كيف كان لهؤلاء الكفار كلُّ هذا الملك والعزة؟ — لا نظرةُ الحسد، فالحسدُ لا يجتمع مع الحزن عليهم، وقد ردّه القاضي من قديم. والمتاعُ زهرةٌ تُغري ولا تُغني، وهو فتنةُ اختبارٍ واستدراجٌ يحسبه أهلُه مسارعةً في الخيرات. وجوابُ العجب أنّ الدنيا أهونُ عند الله من أن تُحبَس على أوليائه، ولولا الفتنةُ لكان لكلِّ كافرٍ سقفٌ من فضة. ثم إنّ في يد الرسول ما يُصغِّر الملكَ كلَّه: سبعٌ من المثاني والقرآنُ العظيم — ومن أوتيهما فقد أوتي ما لا تعدله قوافلُ الأرض.
هذا والله أعلم.
التعليقات (0)