إنا لله ...من أدوية القرآن النفسية
بقلم: علي موسى الزهراني
ويُقصد بالاسترجاع قول العبد: ﴿إِنَّا
لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ ([1]) عند حلول المصيبة. لا تُقرأ هذه الآية في سياقها القرآني العميق
كمجرد تعزية تُقال في مجالس العزاء لتسكين الألم مؤقتاً، بل هي في حقيقتها
"عبارة استشفائية" تُحدث انقلاباً جذرياً في الإدراك البشري. هي لا تمنع
الحزن الفطري، بل تضبطه وتمنع تحوله إلى جزعٍ مُهلك؛ لأنها تذكرنا بحقيقة مزلزلة،
وهي أننا في أصل وجودنا مُلك لله يفعل بنا ما يشاء، فهو ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾([2]) الذي يملكهم ويتصرّف فيهم
بحكمةٍ بالغة.
الملكية واسترداد الودائع: تفكيك وهم
الفقد
تبدأ عملية الاستشفاء بإعادة صياغة مفهوم
"الخسارة". نحن لا نفقد أحباءنا، بل نعيدهم إلى مالكهم الحقيقي، مصداقاً
لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ
الْمَصِيرُ﴾([3]) فاقتران الملكية بالمصير يؤكد أننا نعود لمن يملكنا. ولأن المالك
الحقيقي كامل الحكمة، فإنه ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾([4]) مما يوجب التسليم المطلق.
هذا المعنى الدقيق تجلى في الأدب العربي
القديم حين قال لبيد بن ربيعة مقولته التي أقرها النبي ﷺ: "أَلا كُلُّ
شَيءٍ ما خَلا اللَّهَ باطِلُ ... وَكُلُّ نَعيمٍ لا مَحَالَةَ زائِلُ"([5]) وفي قصيدة أخرى قالها لبيد
في رثاء أخيه، مقرراً ذات الحقيقة: "وما المالُ والأهلون إلا ودائعُ ...
ولا بدَّ يوماً أن تُردَّ الودائعُ"([6]) . الوديعة في عُرف العقل والمنطق هي مُلك
لغيرك، واسترداد المالك لوديعته لا يوجب الحزن، بل يوجب التسليم.
وقد قرر الإمام ابن القيم هذا المعنى
بوضوح مبيناً أن العبد وآله وماله ملك لله حقيقة، وقد صيّرها إليه عارية، فإذا
استرد المالك عاريته فليس للمستعير أن يجزع ([7]) وهو إدراك يلتقي جزئياً مع ما قرره بعض فلاسفة الرواقية، حيث يقول
إبكتيتوس: "لا تقل أبداً عن أي شيء: (لقد فقدته)، بل قل: (لقد أعدته). هل
مات طفلك؟ لقد أُعيد.. ما دام الله قد أعطاك إياه، فاعتني به كشيء لا تملكه، كما
يعتني المسافر بنُزلٍ ليس له" ([8])
سيكولوجيا التعلّق: لماذا نخشى الرجوع؟
وإذا كان الرجوع إلى المالك الأصلي حقاً
وكمالاً، فما الذي يبعث على الحزن؟
إن تشبث الإنسان بالحياة الدنيا ورهبته
من الموت يكشفان عن ظاهرة إدراكية تُعرف في علم النفس بـ "الانحياز للوضع
الراهن"؛ حيث يميل العقل بطبيعته إلى التمسك بما يألفه، ويضخم الخوف من
المجهول. يتجسد هذا في تقوقع الفرد داخل "منطقة الراحة"، تماماً كشخص
آثر العزلة بين جدران بيته ظاناً أنها منتهى السعادة، وحين يلح عليه أصدقاؤه
بالخروج، يعتريه الرفض لترك مألوفه، ولكنه بمجرد أن يخطو للخارج، يكتشف بهجة وسعة
في العالم الأرحب تفوق عزلته بكثير.
هذا القصور البشري صوره أفلاطون ببراعة
في "أمثولة الكهف"، حيث يعيش أناس مأسورين بظلال على الجدار يحسبونها
الحقيقة المطلقة، ويرتعبون من فكرة الخروج لنور الشمس. وفي تجلٍّ مجازي، لو
افترضنا أن للجنين وعياً داخل الرحم، لتشبث بظلمته الضيقة ظناً منه أنها كونه
الأوحد، ولرفض الخروج خوفاً من الهلاك، غافلاً عن أن مفارقته لرحم أمه ليست فناءً،
بل هي ولادة حتمية في حيز أوسع وأكمل. ولعل هذا المعنى العميق هو ما يُنسب للإمام
علي في مقولته: "الناسُ نيامٌ فإذا ماتوا انتبهوا"([9]) .
الرجوع إلى الحياة.. واللقاء بالأرحم
إن المقطع الثاني من العبارة ﴿وَإِنَّا
إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ يقرر أننا سنرجع إلى "الحياة" من جديد، وأننا
سنرجع إلى "الله" تحديداً.
وأيُّ مُسْتَقْبِلٍ أفضلُ من اللهِ
لِيَتَلَقَّانَا؟ ومن أرحم وأكرم وأوفى منه؟ في الحديث المتفق عليه يقول النبي ﷺ:
«لله أرحم بعباده من هذه بولدها». ولذلك، فإن هذا اللقاء يُستبشر به لمن عرف ربه،
مصداقاً لقوله ﷺ: «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ،
وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ»([10]) وفي الأثر، عبّر سفيان الثوري عن هذا اليقين قائلاً: "ما
أحب أن حسابي جُعل إلى والدي، فربي خير لي من والدي"([11]) .
هذا الرجوع ليس انحداراً نحو العدم، بل
كسر لجدران العزلة، وخروج من قيود المادة نحو سعة الوجود المطلق. يصف جبران خليل
جبران هذا الانعتاق قائلاً: "وما هو أن تنقطع أنفاسك، إلا أن تحررها من
مدّها وجزرها المتواصلين، لكي ترتفع وتتوسع وتبحث عن الله دون قيد"([12]) .
التسليم والأثر العلاجي للاسترجاع
يتبين لنا مما سبق أن الاسترسال مع الحزن
حتى يقطع العبد عن التسليم والرضا هو خلل إدراكي، وتدخل من الشيطان الذي يهدف إلى
تحطيم الروح المؤمنة: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَىٰ مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ
الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ([13]) ويؤكد ابن القيم هذه
الحقيقة بقوله: "ولم يأت الحزن في القرآن إلا منهياً عنه أو منفياً...
وأحب شيء إلى الشيطان أن يحزن العبد ليقطعه عن سيره ويوقفه عن سلوكه"([14]) .
لقد جاءت السنة النبوية لتؤكد الأثر
العلاجي والتغييري لعبارة الاسترجاع؛ ففي صحيح مسلم عن أم سلمة رضي الله عنها
قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَا مِنْ عَبْدٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ، فَيَقُولُ:
إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي
مُصِيبَتِي، وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أَجَرَهُ اللَّهُ فِي
مُصِيبَتِهِ، وَأَخْلَفَ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا»([15]) . وتجلت النتيجة القطعية لهذا الاستشفاء في الآية التي تلت آية
الاسترجاع مباشرة: ﴿أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ
وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾([16]) .
لذا، حريٌّ بنا عند استحضار هذه العبارة
أن نتعمد مدافعة الحزن بالوعي واليقين. أما الاسترسال مع الحزن حتى يقطع العبد عن
التسليم والرضا فهو المذموم؛ لأنه يخالف منهج التسليم الذي هو طريق الله.
وهكذا يتحول الاسترجاع من لفظٍ يُقال باللسان إلى رؤيةٍ تُعيد تشكيل الوعي، فينقلب الفقد رجوعاً، والمصيبة تذكيراً، والحزن طريقاً إلى السكينة.
([9]) إحياء علوم الدين، الغزالي، الجزء الرابع،
كتاب ذكر الموت. وقد حقق السخاوي في كتابه "المقاصد الحسنة" ص 545 أنه من
قول علي بن أبي طالب
([10])صحيح البخاري، الإمام محمد بن إسماعيل البخاري، كتاب الرقاق، باب
من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، حديث رقم 6507، طبعة دار طوق النجاة
([11]) حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، أبو نعيم
الأصبهاني، الجزء السابع، ص 60، طبعة دار الكتاب العربي
هل لديك نظرة أخرى
أطرحها هنا كي نستفيد من علمك