لماذا صرخ العاصي: "رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ"؟
{ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا } [طه: 125].
هل توقفت يوماً عند صرخة الذهول هذه في سورة طه؟ {قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي}. السؤال هنا دقيق جداً: لماذا قال "حشرتني" ولم يقل "بعثتني" أو "أحييتني"؟
الجواب يكمن في المسافة الشاسعة بين "القبر" و"المحشر".
تخيل المشهد معي: البعث هو لحظة الاستيقاظ والخروج من الأرض، والحشر هو رحلة السير والسوق إلى مكان الحساب. في تلك اللحظات، تضطرب الطبيعة؛ الأرض تتزلزل، والبراكين تتفجر، والدخان يملأ الأفق فيحجب الشمس تماماً. يسود ظلام دامس لا يقطعه إلا شيء واحد: البرق.
في هذا الظلام المرعب، يضطر هؤلاء للسير والهرب من الحمم والشقوق، ولا دليل لهم إلا ومضات البرق الخاطفة المتتابعة. إنها ليست أضواء كاشفة هادئة، بل ومضات عنيفة وصفها القرآن بدقة مذهلة
{يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَٰرِ } [النور: 43].
{يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَٰرَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُم مَّشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا} [البقرة: 20]
{ فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ } [القيامة: 7]
تخيل عينيك وهي تحاول التحديق في الظلام، وفجأة يضربها ضوء مبهر متكرر! النتيجة الحتمية فيزيائياً هي "العمى". إنهم يفقدون أبصارهم تدريجياً أثناء هذه الرحلة الشاقة بسبب اعتمادهم على نور "البرق" الخارجي الحارق.
هنا تتجلى رحمة الله بالمؤمنين. لماذا لا يصيبهم العمى؟ ببساطة، لأنهم لا يحتاجون للتحديق في البرق ليروا طريقهم. لقد زودهم الله بنور خاص ينبعث من ذواتهم، نور هادئ ومستمر
{ يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَٰتِ يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} [الحديد: 12].
ومنهم الرسول ومن معه من المؤمنين
{يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَٰنِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا} [التحريم: 8].
المؤمن يمشي في نور أعماله، آمناً مطمئناً، بينما العاصي -الذي أطفأ نور الله في قلبه بالدنيا- اضطر للاعتماد على ومضات الكون المتوترة، فخطف البرق بصره، ووصل إلى أرض المحشر أعمى، ليصرخ متسائلاً: كيف حدث هذا وقد كنت بصيراً؟!
والجواب: لقد كنت بصيراً في الدنيا، لكنك اخترت الظلام، فحُشرت فيه.
هذا والله أعلم
علي موسى الزهراني

هل لديك نظرة أخرى
أطرحها هنا كي نستفيد من علمك