النبذ في القرآن الكريم - ما ينفر منه صاحبه


النبذ في القرآن الكريم - ما ينفر منه صاحبه

استقراء من المعاجم، وعرض على القرآن

أسئلة قبل أن نبدأ

نُبذ يونس عليه السلام من بطن الحوت: ﴿۞ فَنَبَذۡنَٰهُ بِٱلۡعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيمٞ﴾ [الصافات: 145]. والنبذ ههنا نجاة، فبه خرج من الظلمات. فلم سُمّي نبذاً؟ ولم لم يُذكر في قصته مرة إلا ومعه وصف يُكره - ﴿فَٱلۡتَقَمَهُ ٱلۡحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٞ﴾ [الصافات: 142] ثم ﴿۞ فَنَبَذۡنَٰهُ بِٱلۡعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيمٞ﴾ [الصافات: 145] ثم ﴿لَّوۡلَآ أَن تَدَٰرَكَهُۥ نِعۡمَةٞ مِّن رَّبِّهِۦ لَنُبِذَ بِٱلۡعَرَآءِ وَهُوَ مَذۡمُومٞ﴾ [القلم: 49]؟

وقال السامري: ﴿قَالَ بَصُرۡتُ بِمَا لَمۡ يَبۡصُرُواْ بِهِۦ فَقَبَضۡتُ قَبۡضَةٗ مِّنۡ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ فَنَبَذۡتُهَا وَكَذَٰلِكَ سَوَّلَتۡ لِي نَفۡسِي﴾ [طه: 96]. فقبض أولاً ثم نبذ. وقد كان راغباً في القبضة فبها صنع العجل، فكيف نبذها؟

وقال في جامع المال: ﴿ٱلَّذِي جَمَعَ مَالٗا وَعَدَّدَهُۥ﴾ [الهمزة: 2] ثم ﴿كَلَّاۖ لَيُنۢبَذَنَّ فِي ٱلۡحُطَمَةِ﴾ [الهمزة: 4]. فلم يقل يدخلها ولا يصلاها ولا يُلقى فيها، وكل ذلك في القرآن مستعمل في النار. ولم جاء النبذ بعد ذكر المال المجموع المعدود؟

وقال في أهل الكتاب: ﴿وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ لَتُبَيِّنُنَّهُۥ لِلنَّاسِ وَلَا تَكۡتُمُونَهُۥ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمۡ وَٱشۡتَرَوۡاْ بِهِۦ ثَمَنٗا قَلِيلٗاۖ فَبِئۡسَ مَا يَشۡتَرُونَ﴾ [آل عمران: 187]. وقال في موسى عليه السلام لما رجع غضبان: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰٓ إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ غَضۡبَٰنَ أَسِفٗا قَالَ بِئۡسَمَا خَلَفۡتُمُونِي مِنۢ بَعۡدِيٓۖ أَعَجِلۡتُمۡ أَمۡرَ رَبِّكُمۡۖ وَأَلۡقَى ٱلۡأَلۡوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأۡسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُۥٓ إِلَيۡهِۚ قَالَ ٱبۡنَ أُمَّ إِنَّ ٱلۡقَوۡمَ ٱسۡتَضۡعَفُونِي وَكَادُواْ يَقۡتُلُونَنِي فَلَا تُشۡمِتۡ بِيَ ٱلۡأَعۡدَآءَ وَلَا تَجۡعَلۡنِي مَعَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [الأعراف: 150]. كتابان طُرحا، ولكلٍّ فعلُه. فما الذي فرّق بينهما؟

وقال في مريم: ﴿وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مَرۡيَمَ إِذِ ٱنتَبَذَتۡ مِنۡ أَهۡلِهَا مَكَانٗا شَرۡقِيّٗا﴾ [مريم: 16]. ولم يقل خرجت، ولم يقل اعتزلت، ولم يقل تنحّت - وكلها ألفاظ عربية حاضرة تقوم مقامه. فلم اختار انتبذت؟ ثم قالت هي عن نفسها لما جاءها المخاض: ﴿فَأَجَآءَهَا ٱلۡمَخَاضُ إِلَىٰ جِذۡعِ ٱلنَّخۡلَةِ قَالَتۡ يَٰلَيۡتَنِي مِتُّ قَبۡلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسۡيٗا مَّنسِيّٗا﴾ [مريم: 23].

وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالنبذ ولا مادة تُطرح ولا جسم يُلقى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوۡمٍ خِيَانَةٗ فَٱنۢبِذۡ إِلَيۡهِمۡ عَلَىٰ سَوَآءٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡخَآئِنِينَ﴾ [الأنفال: 58]. فما المنبوذ ههنا؟

والعهد قول لا يُقبض باليد، ومع ذلك يُنبذ: ﴿أَوَكُلَّمَا عَٰهَدُواْ عَهۡدٗا نَّبَذَهُۥ فَرِيقٞ مِّنۡهُمۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ﴾ [البقرة: 100]. فكيف يُنبذ ما ليس بجسم؟ ولم لم يقل نقضه؟

فهل تستطيع الكتلة أن تكشف لنا أسرار القرآن؟ هذا ما نمتحنه ههنا. ولن نبدأ من الآيات، فمن بدأ منها فسّرها بما يريد. نبدأ من الحروف.

أولاً: عائلة (بذ)

الحرفان الصلبان في «نبذ» هما الباء والذال. ولسنا نأخذ المعنى من التقاليب أنفسها فذلك دور، وإنما من الأخوات - من كل كلمة فيها الحرفان متجاورين في سائر الكلام.

والمضاعف أقرب شاهد، لأنه الكتلة مكررة بلا حرف ثالث يدخل عليها. قال ابن فارس في الباء والذال: «أصل واحد، وهو الغلبة والقهر والإذلال». ثم زاد ما هو أدق: «وإلى هذا يرجع قولهم: هو باذ الهيئة وبذ الهيئة، بين البذاذة، أي إن الأيام أتت عليها فأخلقتها فهي مقهورة».(١) فباذ الهيئة رثّ الثوب، وإنما أخلقه أنه لم يُصَن.

وأما «بذل» فهو عند ابن فارس «كلمة واحدة، وهو ترك صيانة الشيء».(٢) وقال الليث: «البذل ضد المنع، وكل من طابت نفسه بإعطاء شيء فهو باذل، والبذلة من الثياب ما يلبس فلا يصان».(٣) فالمبذول ما رُفع عنه الصون.

وأما «بذر» فـ«نثر الشيء وتفريقه»،(٤) والباذر يُخرج الحب من يده فلا يعود إليه. وقالوا: «ورجل بذير وبذور: مذياع»،(٥) فالسر يخرج من الصدر كما يخرج الحب من الكف.

وأما «بذأ» ففيه الحكم صريحاً. جعل ابن فارس أصله خروج الشيء عن طريقة الإحماد، ومنه: «هو بذئ اللسان»، و«ويقال بذأت المكان أبذؤه، إذا أتيته فلم تحمده».(٦) فليس البذاء قبحاً في اللفظ فحسب، بل خروج عما يُحمد.

وأما «ربذ» ففي المقاييس: «ومن الباب الربذة، وهي صوفة يهنأ بها البعير. ويقال إن خرقة الحائض تسمى ربذة. وقال بعضهم: الربذة الخرقة التي يجلو بها الصائغ الحلي».(٧) ثلاث خرق يجمعها أنها تُستعمل مرة ثم تُلقى ولا تُصان. وقد أنشد ابن منظور في المادة: «يا عقيد اللؤم لولا نعمتي، كنت كالربذة ملقى بالفناء».(٨)

فحد الكتلة (بذ): خروج الشيء من الصيانة والاعتبار. فما دام الشيء في يد صاحبه فهو مصون معتبر، فإذا بُذّ أو بُذل أو نُبذ خرج من صيانته.

وفي العائلة ما لم نجد له وجهاً - كـ«بذخ» في العلو، و«هبذ» في السرعة - فلم نتكلف له تخريجاً. وإذا انعكس ترتيب الكتلة انعكست جهتها: فـ«ذب» يرد الداخل عن الحمى، و«بذ» يخرج ما في الحيازة. فإذا تقدمت النون صار الملقى شيئاً كان في حيازة أو رابطة ثم أُخرج منها. وهذا هو النبذ.

ثانياً: النبذ في كلام العرب

وأقدم ما بين أيدينا نص العين، وهو للّيث كما نقله عنه الأزهري: «النبذ: طرحك الشيء من يدك أمامك أو خلفك»، ثم «والمنابذة: انتباذ الفريقين للحرب»، ثم «والمنبوذ: ولد الزنى المطروح»، ثم «والمنبوذة: المهزولة التي لا تؤكل».(٩)

وههنا لطيفة يُغفل عنها. فقد ذُكر في مادة واحدة ثلاثة منبوذين: اللقيط تطرحه أمه في الطريق، والفريق ينابذ الفريق للحرب، والشاة المهزولة. وليس في الثلاثة منبوذ يريده صاحبه. والشاة نُص على علة نبذها - أنها لا تؤكل.

وزاد ابن دريد قيداً في الحال لا في الفعل: «ونابذ فلان فلاناً إذا فارقه عن قلى».(١٠) والقلى البغض. فلم يقل فارقه، بل قال فارقه عن قلى.

وصرّح ابن سيده بالعلة نفسها: «والنبيذة والمنبوذة: التي لا تؤكل من الهزال شاة كانت أو غيرها، وذلك لأنها تنبذ».(١١) فجعل الهزال سبب النبذ لا وصفاً مقارناً له.

وأما ابن فارس فوقف عند الظاهر: «أصل صحيح يدل على طرح وإلقاء».(١٢) ثم أثبت المعنى من حيث لا يقصد، فقال في النبذ بمعنى القليل: «كأنه الذي ينبذ لقلته وصغره».(١٣) وشرحه الزمخشري بأصرح منه: «لأن القليل ينبذ ولا يبالى به».(١٤)

ونقل الزبيدي عن الراغب: «أصل النبذ طرح ما لا يعتد به».(١٥) وهذا قريب، وفيه نقص. فالعبرة ليست بأن الشيء لا يُعتد به في نفسه، بل بأن صاحبه لا يعتد به. ويونس عليه السلام معتد به عند ربه، ومنبوذ عند الحوت الذي كان في جوفه.

ويَرِد على هذا النبيذ، فإنه تمر يُلقى في الوعاء ليُنتفع به. والجواب في وصف الأزهري له: «يأخذ تمراً أو زبيباً فينبذه، أي يلقيه في وعاء أو سقاء، ويصب عليه الماء ويتركه حتى يفور ويهدر».(١٦) فتأمل قوله «ويتركه» - فالتمر مخرَج من اليد متروك في وعائه لا يُتعهد حتى يستحيل إلى غيره. وليس المراد التمر، وإنما ما يصير إليه.

فالنبذ فك حيازة الشيء وإخراجه من حيزه، ولا ينبذ صاحب الشيء إلا ما ينفر منه - إما لأنه لا يرغب فيه، وإما لأنه يضره. والعبرة بمن نبذ لا بالمنبوذ في ذاته.

ثالثاً: النبذ في القرآن

وردت هذه المادة في المصحف اثني عشر لفظاً، ليس فيها موضع واحد يخرج عن الحد. ونعرضها موضعاً موضعاً.

الكتاب وراء الظهور

قال المولى: ﴿وَلَمَّا جَآءَهُمۡ رَسُولٞ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٞ لِّمَا مَعَهُمۡ نَبَذَ فَرِيقٞ مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ كِتَٰبَ ٱللَّهِ وَرَآءَ ظُهُورِهِمۡ كَأَنَّهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ [البقرة: 101]. وقال في موضع آخر: ﴿وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ لَتُبَيِّنُنَّهُۥ لِلنَّاسِ وَلَا تَكۡتُمُونَهُۥ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمۡ وَٱشۡتَرَوۡاْ بِهِۦ ثَمَنٗا قَلِيلٗاۖ فَبِئۡسَ مَا يَشۡتَرُونَ﴾ [آل عمران: 187].

والكتاب ههنا كتاب مكتوب، صار وراء الظهر. والظهر أبعد ما في البدن عن العين وعن اليد، فمن جعل الشيء وراء ظهره فقد أخرجه من نظره ومن قبضته معاً. وختم الآية بـكأنهم لا يعلمون يكشف الدافع - فلو أرادوه لأمسكوه.

وأصرح منه أن المولى جاء بضد النبذ في الخطاب نفسه، فقال لهم حين أخذ عليهم الميثاق: ﴿وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَكُمۡ وَرَفَعۡنَا فَوۡقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُواْ مَآ ءَاتَيۡنَٰكُم بِقُوَّةٖ وَٱذۡكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 63]. وأعاده في السورة نفسها: ﴿وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَكُمۡ وَرَفَعۡنَا فَوۡقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُواْ مَآ ءَاتَيۡنَٰكُم بِقُوَّةٖ وَٱسۡمَعُواْۖ قَالُواْ سَمِعۡنَا وَعَصَيۡنَا وَأُشۡرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلۡعِجۡلَ بِكُفۡرِهِمۡۚ قُلۡ بِئۡسَمَا يَأۡمُرُكُم بِهِۦٓ إِيمَٰنُكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ﴾ [البقرة: 93]. وأعاده في الأعراف: ﴿۞ وَإِذۡ نَتَقۡنَا ٱلۡجَبَلَ فَوۡقَهُمۡ كَأَنَّهُۥ ظُلَّةٞ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُۥ وَاقِعُۢ بِهِمۡ خُذُواْ مَآ ءَاتَيۡنَٰكُم بِقُوَّةٖ وَٱذۡكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: 171].

فالأمر خذوا ما آتيناكم بقوة - أي أمسكوه إمساك من يشد على الشيء بيده. ثم كان الجواب أن نبذوه وراء ظهورهم. ولا يكون النبذ ضداً للأخذ بقوة إلا إذا كان إخراجاً من اليد ومن الاعتبار معاً.

الألواح ألقيت ولم تُنبذ

ورجع موسى عليه السلام إلى قومه غضبان أسفاً، فقال المولى: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰٓ إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ غَضۡبَٰنَ أَسِفٗا قَالَ بِئۡسَمَا خَلَفۡتُمُونِي مِنۢ بَعۡدِيٓۖ أَعَجِلۡتُمۡ أَمۡرَ رَبِّكُمۡۖ وَأَلۡقَى ٱلۡأَلۡوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأۡسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُۥٓ إِلَيۡهِۚ قَالَ ٱبۡنَ أُمَّ إِنَّ ٱلۡقَوۡمَ ٱسۡتَضۡعَفُونِي وَكَادُواْ يَقۡتُلُونَنِي فَلَا تُشۡمِتۡ بِيَ ٱلۡأَعۡدَآءَ وَلَا تَجۡعَلۡنِي مَعَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [الأعراف: 150]. فلم يقل ونبذ الألواح - وهو غاضب، والغضب أقرب ما يحمل على النبذ.

والجواب في الآية التي تليها: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى ٱلۡغَضَبُ أَخَذَ ٱلۡأَلۡوَاحَۖ وَفِي نُسۡخَتِهَا هُدٗى وَرَحۡمَةٞ لِّلَّذِينَ هُمۡ لِرَبِّهِمۡ يَرۡهَبُونَ﴾ [الأعراف: 154]. فقد أخذها بعدُ. ولو نفر منها ما عاد إليها. فسمّاه إلقاءً لأنه طرح ساعة الغضب، ولم يسمّه نبذاً لأن الألواح لم تسقط من عينه. وأهل الكتاب لم يعودوا إلى كتابهم كما عاد موسى إلى ألواحه.

العهد ينبذ كما ينبذ الجسم

قال المولى في بني إسرائيل: ﴿أَوَكُلَّمَا عَٰهَدُواْ عَهۡدٗا نَّبَذَهُۥ فَرِيقٞ مِّنۡهُمۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ﴾ [البقرة: 100].

والعهد قول لا يُقبض باليد، فكيف يُنبذ؟ الجواب أن المنبوذ في العائلة ليس الجسم وحده، بل الرابطة أيضاً. فالعهد رباط يعقد الرجل به نفسه، فإذا نبذه فك الرباط وخرج من الإلزام.

ولم يقل نقضه فريق منهم، والنقض حاضر في القرآن. لأن النقض مخالفة العهد لأي سبب كان، وقد يكون عن قهر أو عجز أو عارض. وأما النبذ فخبر عن نفوسهم: أن العهد عندهم شيء بغيض منفّر، فهم يطرحونه لأنهم ينفرون منه لا لأنهم اضطروا إليه.

ويشهد لهذا صدر الآية: أوكلما عاهدوا عهداً. فـ«كلما» تفيد التكرار كلما وقع السبب، وهذا يدل على أنه طبع فيهم لا حادثة عرضت لهم. ولو كان نقضاً عن قهر لما اطرد في كل مرة.

الأمر بالنبذ إلى القوم على سواء

ويأمر المولى رسوله بالنبذ ولا جسم ههنا يُطرح: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوۡمٍ خِيَانَةٗ فَٱنۢبِذۡ إِلَيۡهِمۡ عَلَىٰ سَوَآءٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡخَآئِنِينَ﴾ [الأنفال: 58].

قال الأزهري: «المنابذة أن تكون بين فئتين عهد وهدنة بعد القتال، ثم أرادا نقض ذلك العهد، فينبذ كل فريق منهما إلى صاحبه العهد الذي توادعا عليه».(١٧)

والمنبوذ ههنا هو العهد. والعهد الذي يُخاف من صاحبه الخيانة ثقل على حامله لا نفع فيه، فتنفر منه النفس فتطرحه. وقوله على سواء يمنع الغدر: أن يستوي الفريقان في العلم بأن العهد قد انفكّ، فلا يُؤخذ أحدهما على غرة. ولهذا ختم الآية بـإن الله لا يحب الخائنين.

فرعون وجنوده

قال المولى: ﴿فَأَخَذۡنَٰهُ وَجُنُودَهُۥ فَنَبَذۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡيَمِّۖ فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [القصص: 40]. وقال في الذاريات: ﴿فَأَخَذۡنَٰهُ وَجُنُودَهُۥ فَنَبَذۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٞ﴾ [الذاريات: 40].

وأُتبع النبذ في الموضعين بما يشرحه. فقال مليم ولم يقل غريق، وليس في اللفظ خبر عن حالهم في الماء، بل خبر عن حالهم عند من نبذهم.

وتقدم الأخذ على النبذ في الموضعين - فأخذناه وجنوده ثم فنبذناهم. وهو نظير ما في قصة السامري: فقبضت ثم فنبذتها. فالشيء يدخل في الحيازة ثم يخرج منها، ولا يخرج إلا لأنه لم يعد يُراد.

يونس عليه السلام - ولمن كان الفعل؟

وأشكل المواضع على من قرأها ظاهرَ قراءة قوله: ﴿۞ فَنَبَذۡنَٰهُ بِٱلۡعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيمٞ﴾ [الصافات: 145]. فالنبذ ههنا نجاة، ويونس نبي كريم، فكيف يكون منبوذاً؟

والجواب في اللفظ نفسه. فقد قال فنبذناه بضمير الجمع، وضمير الجمع يدل على اشتراك في الفعل. شاء المولى أن يخرجه من بطن الحوت، فجعله سقيماً لكي ينبذه الحوت. فيونس منبوذ بالنسبة إلى الحوت لا بالنسبة إلى ربه، والحوت لا يبقي في جوفه ما يضره.

ويشهد لهذا أن اللفظ لم يُذكر في قصته مرة إلا ومعه وصف يُكره في الحال نفسها. فقال عند الالتقام: ﴿فَٱلۡتَقَمَهُ ٱلۡحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٞ﴾ [الصافات: 142]. وقال عند النبذ: ﴿۞ فَنَبَذۡنَٰهُ بِٱلۡعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيمٞ﴾ [الصافات: 145]. وقال في القلم: ﴿لَّوۡلَآ أَن تَدَٰرَكَهُۥ نِعۡمَةٞ مِّن رَّبِّهِۦ لَنُبِذَ بِٱلۡعَرَآءِ وَهُوَ مَذۡمُومٞ﴾ [القلم: 49].

ثلاث مرات، وثلاثة أوصاف: مليم وسقيم ومذموم. ولو كان الفعل مجرد إخراج لما لزمه هذا الوصف في كل موضع. ثم انظر ما بعده: ﴿وَأَنۢبَتۡنَا عَلَيۡهِ شَجَرَةٗ مِّن يَقۡطِينٖ﴾ [الصافات: 146]. فلما انتهى النبذ ابتدأت الرعاية. فالمنبوذ عند الحوت هو المرعي عند ربه.

قبضة السامري

قال السامري: ﴿قَالَ بَصُرۡتُ بِمَا لَمۡ يَبۡصُرُواْ بِهِۦ فَقَبَضۡتُ قَبۡضَةٗ مِّنۡ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ فَنَبَذۡتُهَا وَكَذَٰلِكَ سَوَّلَتۡ لِي نَفۡسِي﴾ [طه: 96].

فيتقابل الفعلان: قبض أولاً ثم نبذ. دخلت المادة في حيازة اليد ثم خرجت منها. وقيل إنه كان راغباً فيها لأنه صنع بها العجل، وليس الأمر كذلك. فالسياق سلسلة كاملة في آيتين متجاورتين، إذ جاء جواب موسى عليه السلام: ﴿قَالَ فَٱذۡهَبۡ فَإِنَّ لَكَ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَۖ وَإِنَّ لَكَ مَوۡعِدٗا لَّن تُخۡلَفَهُۥۖ وَٱنظُرۡ إِلَىٰٓ إِلَٰهِكَ ٱلَّذِي ظَلۡتَ عَلَيۡهِ عَاكِفٗاۖ لَّنُحَرِّقَنَّهُۥ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُۥ فِي ٱلۡيَمِّ نَسۡفًا﴾ [طه: 97].

فأربعة على نسق واحد: قبضٌ، ثم نبذٌ، ثم منع المساس، ثم إحراق ونسف في اليم. وهذا في كل زمان تعامل مع مادة ضارة: تُطرح من اليد، ويُمنع مسها، ثم تُحرق ويُتخلص من بقاياها في الماء. ولو كانت نافعة لأُمسكت.

والذي يُغفل عنه أن لا مساس ليست عقوبة اخترعت له اختراعاً، وإنما وصف حال لزمته - فهو الذي يقولها للناس، لا الناس يقولونها له. فالرجل صار هو نفسه مما لا يُمس، كما صارت القبضة قبله. ونبذ القبضة أول الخبر، وصيرورته منبوذاً آخره.

مريم - ومن المنبوذ؟

قال المولى: ﴿وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مَرۡيَمَ إِذِ ٱنتَبَذَتۡ مِنۡ أَهۡلِهَا مَكَانٗا شَرۡقِيّٗا﴾ [مريم: 16]. ثم قال بعد الحمل: ﴿۞ فَحَمَلَتۡهُ فَٱنتَبَذَتۡ بِهِۦ مَكَانٗا قَصِيّٗا﴾ [مريم: 22].

وههنا مربط الفرس. فلم يقل ذهبت، ولم يقل خرجت، ولم يقل تنحت، ولم يقل اعتزلت. وانتبذت على وزن افتعل، ومعناها أنها ألقت بنفسها بعيداً. فالمنبوذ ههنا ليس المكان، بل هي نفسها هي التي نبذت نفسها. ولا يستقيم أن يكون المكان هو المنبوذ، لأن الفعل مسند إليها هي والمكان منصوب على الظرفية.

والقرآن يشهد لهذا، ومن فمها هي. فإنها لما جاءها المخاض قالت: ﴿فَأَجَآءَهَا ٱلۡمَخَاضُ إِلَىٰ جِذۡعِ ٱلنَّخۡلَةِ قَالَتۡ يَٰلَيۡتَنِي مِتُّ قَبۡلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسۡيٗا مَّنسِيّٗا﴾ [مريم: 23]. والنسي في كلام العرب - كما قال الزجاج - «الشيء المطروح لا يؤبه له». وقال الفراء: «النسي والنسي لغتان فيما تلقيه المرأة من خرق اعتلالها».(١٨) وقد مرّ بنا أن الربذة خرقة الحائض، وأنها من العائلة نفسها.

فهي التي تمنت أن تكون شيئاً مطروحاً لا يؤبه له. فالذي في نفسها هو الذي في اللفظ. نبذت نفسها لأنها ترى نفسها منبوذة - حامل من غير زواج - ثم تمنت أن تكون نسياً منسياً. وهذا اطراد في القصة لا يقع بالمصادفة.

ويؤيده أنها فعلت الفعل مرتين لا مرة، وزاد في الثانية وصفاً هو البعد - مكاناً قصياً. فلما اشتد السبب اشتد النبذ. ثم ضربت بينها وبينهم حجاباً: ﴿فَٱتَّخَذَتۡ مِن دُونِهِمۡ حِجَابٗا فَأَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرٗا سَوِيّٗا﴾ [مريم: 17]. وهذا فعل من يرى نفسه لا ينبغي أن يُرى.

ثم يأتي الجواب من السماء على هذا كله: ﴿فَنَادَىٰهَا مِن تَحۡتِهَآ أَلَّا تَحۡزَنِي قَدۡ جَعَلَ رَبُّكِ تَحۡتَكِ سَرِيّٗا﴾ [مريم: 24]. فالتي نبذت نفسها لم يَنبذها ربها، بل جعل تحتها سرياً.

المنبوذ في الحطمة

قال المولى: ﴿وَيۡلٞ لِّكُلِّ هُمَزَةٖ لُّمَزَةٍ﴾ [الهمزة: 1]. ثم ﴿ٱلَّذِي جَمَعَ مَالٗا وَعَدَّدَهُۥ﴾ [الهمزة: 2]. ثم ﴿يَحۡسَبُ أَنَّ مَالَهُۥٓ أَخۡلَدَهُۥ﴾ [الهمزة: 3]. ثم ﴿كَلَّاۖ لَيُنۢبَذَنَّ فِي ٱلۡحُطَمَةِ﴾ [الهمزة: 4].

والنبذ ههنا مقصود، لأن السياق كله في رجل حسب أن ماله أخلده. فهو عند نفسه أثمن ما يكون، وهو عند ربه مما لا يُبقى. وقد مرّ بنا أن المنبوذة في كلام العرب الشاة المهزولة التي لا تؤكل - تُنبذ لأنه لا يُنتفع بها، والجامع للمال يُنبذ في الحطمة للعلة نفسها. جمع وعدّد فلم يخرج منه نفع لأحد.

ولم يذكر المولى للحطمة داخلاً غير المنبوذ. فانظر كيف اختار للنار لفظاً يجعل الداخل إليها مطروحاً لا مُنزلاً ولا مُدخلاً.

رابعاً: لئلا يختلط - النبذ والإلقاء والقذف والرمي

والعربية لا ترادف فيها. وأربعة أفعال تشترك في أن ينفصل شيء عن يد أو موضع، وتفترق في الحد.

فالإلقاء أعمها وأخلاها من الحكم على المُلقى، فيلقى ما يُراد وما لا يُراد. ولهذا قال المولى لأم موسى: ﴿وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰٓ أُمِّ مُوسَىٰٓ أَنۡ أَرۡضِعِيهِۖ فَإِذَا خِفۡتِ عَلَيۡهِ فَأَلۡقِيهِ فِي ٱلۡيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحۡزَنِيٓۖ إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيۡكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ﴾ [القصص: 7]. ولم يقل فانبذيه، وهي لا تنفر من ابنها بل تخاف عليه، وقد قال في الآية نفسها إنا رادوه إليك.

وأما القذف ففيه شدة ومباعدة: ﴿أَنِ ٱقۡذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ فَٱقۡذِفِيهِ فِي ٱلۡيَمِّ فَلۡيُلۡقِهِ ٱلۡيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ يَأۡخُذۡهُ عَدُوّٞ لِّي وَعَدُوّٞ لَّهُۥۚ وَأَلۡقَيۡتُ عَلَيۡكَ مَحَبَّةٗ مِّنِّي وَلِتُصۡنَعَ عَلَىٰ عَيۡنِيٓ﴾ [طه: 39]. وأما الرمي فالحذف مع الإصابة بدقة، ولهذا قيل للمحصنة تُرمى، لأن القاذف يصيبها ويشوّه سمعتها. وقال المولى: ﴿فَلَمۡ تَقۡتُلُوهُمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمۡۚ وَمَا رَمَيۡتَ إِذۡ رَمَيۡتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ وَلِيُبۡلِيَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ مِنۡهُ بَلَآءً حَسَنًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ﴾ [الأنفال: 17]. فالرمي فعل له مصيب ومصاب، ولا يكون بلا هدف.

وأما النبذ فوحده الذي يحمل حكماً على المنبوذ عند من نبذه. فالإلقاء يخبرك عن الحركة، والقذف عن شدتها، والرمي عن غايتها، والنبذ عن نفور صاحبه منه.(١٩)

الخاتمة

والآن نعود إلى الأسئلة التي بدأنا بها.

أما يونس عليه السلام فنُبذ بالنسبة إلى الحوت الذي لا يبقي في جوفه ما يضره، وضمير الجمع في فنبذناه يدل على اشتراك في الفعل. وأما لزوم الوصف في مواضعه الثلاثة فلأن اللفظ يجيء ومعه علته.

وأما قبضة السامري فنُبذت لأنها آذته، والسلسلة بعدها تشهد: منع المساس ثم الإحراق ثم النسف في اليم. وأما جامع المال فنُبذ في الحطمة كما تُنبذ المهزولة التي لا تؤكل.

وأما الألواح فأُلقيت ولم تُنبذ لأن موسى عاد فأخذها، وكتاب الله نُبذ وراء الظهور لأنهم لم يعودوا إليه. وأما مريم فلم تكن هي المنبوذ عند غيرها، بل نبذت نفسها بنفسها، ثم أفصحت عن ذلك بلسانها حين تمنت أن تكون نسياً منسياً.

وأما الأمر بالنبذ إلى القوم فإخراج للعهد من الإلزام على علم الطرفين، لئلا يقع الغدر. وأما العهد فلم يقل فيه نقضه لأن النقض قد يكون عن قهر، والنبذ خبر عن نفوسهم أن العهد عندهم بغيض.

فالنبذ في القرآن كله شيء خرج من حيازة صاحبه لأنه نفر منه - إما لأنه لم يعد يريده وإما لأنه يضره. وليس فيه موضع واحد نُبذ فيه مرغوب فيه.

اللهم اجعلنا ممن يمسك كتابك ولا ينبذه، ولا تجعلنا ممن نبذ عهدك وراء ظهره فنُبذ.

هذا والله أعلم

(١)معجم مقاييس اللغة، جـ١ صـ١٧٧.
(٢)معجم مقاييس اللغة، جـ١ صـ٢١٦.
(٣)تهذيب اللغة، جـ١٤ صـ٣١٢، والنص في كتاب العين جـ٨ صـ١٨٧ بلا نسبة.
(٤)معجم مقاييس اللغة، جـ١ صـ٢١٦.
(٥)كتاب العين، جـ٨ صـ١٨٢.
(٦)معجم مقاييس اللغة، جـ١ صـ٢١٧.
(٧)معجم مقاييس اللغة، جـ٢ صـ٤٧٦. وختم ابن فارس المادة بقوله: «والقياس في كله واحد»، وردّه إلى الخفة التي جعلها أصل الباب.
(٨)لسان العرب، جـ٣ صـ٤٩١، والبيت غير منسوب.
(٩)كتاب العين، جـ٨ صـ١٩١. وهو بنصه منسوباً إلى الليث في تهذيب اللغة جـ١٤ صـ٣١٧. وفي التهذيب جـ١٤ صـ٣١٨ ردّ الأزهري تسمية اللقيط ولد زنى، فقال: «ولا يجوز أن يقال له: ولد زنى لما أمكن في نسبه من الثبات».
(١٠)جمهرة اللغة، جـ١ صـ٣٠٦.
(١١)المحكم والمحيط الأعظم، جـ١٠ صـ٨٤.
(١٢)معجم مقاييس اللغة، جـ٥ صـ٣٨٠.
(١٣)معجم مقاييس اللغة، جـ٥ صـ٣٨٠.
(١٤)أساس البلاغة، جـ٢ صـ٢٤٢.
(١٥)تاج العروس، جـ٩ صـ٤٨٠، نقلاً عن مفردات الراغب.
(١٦)تهذيب اللغة، جـ١٤ صـ٣١٨.
(١٧)تهذيب اللغة، جـ١٤ صـ٣١٧.
(١٨)تهذيب اللغة، جـ١٣ صـ٥٦.
(١٩)وقال ابن سيده في المحكم جـ١٠ صـ٨٣: «النبذ طرحك الشيء أمامك أو وراءك وكل طرح نبذ».

التعليقات (0)