الفرق بين أحاط وحاق


متى يقول القرآن أُحيط بهم، ومتى يقول حاق بهم، وما الذي يفصل اللفظين

لماذا قال النص الكريم مع المشركين في البحر، والموج يأتيهم من كل مكان:

﴿وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُمۡ أُحِيطَ بِهِمۡ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ﴾ [يونس: ٢٢]

ثم كتب لهم النجاة؟ ولماذا قال مع آل فرعون عند غرقهم:

﴿وَحَاقَ بِـَٔالِ فِرۡعَوۡنَ سُوٓءُ ٱلۡعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٥]

فلم ينجُ منهم أحد؟ اللفظان متجاوران في السمع، متباعدان في الوقع. فهل هما متطابقان كما توحي كتب اللغة، أم لكل واحد منهما حدٌّ لا يدخل فيه أخوه؟

حيرة المعاجم

من رجع إلى كتب اللغة وجدها تفسر اللفظ بجاره. قال الجوهري: «حاق به الشيء يحيق، أي أحاط به... وحاق بهم العذاب، أي أحاط بهم ونزل».(١) وقال الفراء: «هو في كلام العرب: عاد عليهم ما استهزءوا، وجاء في التفسير: أحاط بهم ونزل بهم».(٢) وجعلها ابن فارس «كلمة واحدة، وهو نزول الشيء بالشيء»،(٣) واكتفى ابن سيده بقوله: «حاق به الشيء حيقاً: نزل».(٤) فيكاد أهل التراث يتفقون على أن حاق تعني نزل، أو أحاط، أو الاثنتين معاً.

على أن الأزهري لم يطمئن إلى هذه التسوية؛ فلما فسّر الزجاجُ حاق بأحاط تعقّبه: «جعل أبو إسحاق حاق بمعنى أحاط، وكأن مأخذه من الحُوق وهو ما استدار بالكَمَرة».(٥) فلمح الاستدارةَ في أصل اللفظ، ثم مضى ولم يزد.

وأبو هلال العسكري، وقد صنّف كتاب «الفروق» كله على أنه لا مترادفَين في العربية، بلغ في هذا الباب خطوة واحدة: فرّق بين حاق ونزل من جهة أن «لا يقال حاق إلا في نزول المكروه فقط»، وروى: «وقيل أصل حاق حَقَّ».(٦) أما الفرق بين حاق وأحاط فلم يعقد له باباً أصلاً.

وتفسيرُ حاق بالنزول لا يستقيم على مواضعها في التنزيل؛ فالنزول سقوطٌ من علوٍّ إلى سفل، وليس في مواضع حاق العشرة عذابٌ سقط من علو: الغرق لا يهوي على الغريق من فوقه، إنما يطبق الماء عليه من جوانبه؛ والمكرُ لا يهوي على الماكر من السماء، إنما يدور دورته في الأرض ثم يرجع إليه. فالإحاقة حركة أفقية، دائرة تضيق على من في وسطها حتى تنطبق؛ وليست عموداً يهوي من فوق. وبعد الإحاطة تأتي الإحاقة.

أحاط في القرآن

ورد جذر الإحاطة في ستة وعشرين موضعاً، والصورة فيها واحدة: عملُ دائرة حول الشيء تغلق منافذه. فالدائرة تجيء من وراء القوم لا من فوقهم:

﴿وَٱللَّهُ مِن وَرَآئِهِم مُّحِيطُۢ﴾ [البروج: ٢٠]

ويعقوب حين أخذ الموثق على بنيه جعل غاية ما يُخشى أن تغلق الدائرة عليهم فلا يبقى مخرج:

﴿لَتَأۡتُنَّنِي بِهِۦٓ إِلَّآ أَن يُحَاطَ بِكُمۡۖ﴾ [يوسف: ٦٦]

والخطيئة إذا تراكمت صارت سوراً يدور حول صاحبه فيسد عليه طريق الرجوع:

﴿بَلَىٰۚ مَن كَسَبَ سَيِّئَةٗ وَأَحَٰطَتۡ بِهِۦ خَطِيٓـَٔتُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ﴾ [البقرة: ٨١]

وتكون الدائرة من العلم، كما في آية الكرسي:

﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيۡءٖ مِّنۡ عِلۡمِهِۦٓ إِلَّا بِمَا شَآءَۚ﴾ [البقرة: ٢٥٥]

فالإحاطة عمل الدائرة وإغلاق المنافذ، تكون بالجند وبالموج وبالسور وبالعلم، والمحاطُ به في قبضتها لا يفلت منها. لكن الفعل لم يقع عليه بعد.

وبهذا يُقرأ مشهد المشركين في البحر: جاءهم الموج من كل مكان فأيقنوا أن الدائرة أُغلقت، وظنُّ القرآن جزمٌ لا تردد فيه، فأدركوا أنهم في الهلاك، فدعوا الله مخلصين له الدين. ولو كان قد حاق بهم لما نجوا من الأساس؛ لكنه للتو أحاط بهم، فالدائرة مغلقة والفعل لم يقع، فلما دعوا نجّاهم الذي يملك الدائرة نفسها.

حاق في القرآن

جاء جذر حاق في عشرة مواضع لا غير، على نمط واحد لا يشذ منه موضع: لا يحيق إلا مكروه، ولا يحيق إلا بأهله الذين خرج منهم، ويجيء دائماً معدًّى بالباء: حاق بهم، ولا يقال حاق عليهم؛ لأن الذي ينطبق يلتصق بمن انطبق عليه.

فالمستهزئون يخرج منهم الاستهزاء فيدور دورته ثم يرجع فينطبق على من أطلقه:

﴿وَلَقَدِ ٱسۡتُهۡزِئَ بِرُسُلٖ مِّن قَبۡلِكَ فَحَاقَ بِٱلَّذِينَ سَخِرُواْ مِنۡهُم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ﴾ [الأنعام: ١٠]

والماكر يحسب مكره ذاهباً إلى ضحيته، وإنما هو يدور ليرجع:

﴿وَلَا يَحِيقُ ٱلۡمَكۡرُ ٱلسَّيِّئُ إِلَّا بِأَهۡلِهِۦۚ﴾ [فاطر: ٤٣]

وآل فرعون دخلوا اليمّ والماء قائم عن يمينهم وشمالهم دائرةً حولهم، فلما توسطوه انطبقت: ﴿وَحَاقَ بِـَٔالِ فِرۡعَوۡنَ سُوٓءُ ٱلۡعَذَابِ﴾. ماءٌ أطبق من الجوانب، لا عذابٌ هوى من فوق.

ورواية العسكري «وقيل أصل حاق حَقَّ» تكشف بقية الصورة: بين حاق والحق نسبٌ قديم رواه التراث ثم لم يبنِ عليه؛ فالذي يحيق بالقوم قد حقّ عليهم: ثبت ووقع وصار حقيقة لا ترد.

الإحاطة عمل الدائرة حول الشيء، والإحاقة تضييقها حتى تنطبق فيصير المكروه حقاً واقعاً

فالمحاط به مأخوذة عليه المنافذ والفعلُ لم يقع، والمَحيق به قد وقع عليه فلا مرد. ولذلك جاءت الإحاطة في التنزيل على الكافر والمؤمن والناجي والهالك، وجاءت الإحاقة في مواضعها العشرة كلها هلاكاً واقعاً بأهله.

فأحاط وأحاق أخوان يبدأ أولهما العمل ويختمه الثاني. وأما قدر التي جاورت الإحاطة في قوله ﴿وَأُخۡرَىٰ لَمۡ تَقۡدِرُواْ عَلَيۡهَا قَدۡ أَحَاطَ ٱللَّهُ بِهَاۚ﴾ [الفتح: ٢١] فبابٌ آخر له مقال يخصه؛ وحسبُ الآية هنا أنها تشهد أن الغنائم البعيدة التي لم تبلغها الأيدي هي في دائرة الله من كل جهة.

هذا والله أعلم

(١)«الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية» [جـ ٤ - ص: ١٤٦٦]. ↩
(٢)«تهذيب اللغة» [جـ ٥ - ص: ٨٣]. ↩
(٣)«معجم مقاييس اللغة» [جـ ٢ - ص: ١٢٥]. ↩
(٤)«المحكم والمحيط الأعظم» [جـ ٣ - ص: ٤١٢]. ↩
(٥)«تهذيب اللغة» [جـ ٥ - ص: ٨٢]. ↩
(٦)«الفروق اللغوية» لأبي هلال العسكري [ص: ٣٠٤]. ↩

التعليقات (0)