لماذا نَستلمُ كتابَنا يومَ القيامةِ باليمينِ والشمالِ ووراءِ الظهر؟
يَستلمُ الإنسانُ كتابَ أعمالِه يومَ القيامةِ على حسب ما كان يُعامِلُ به كتابَ ربّه المقدّسَ في الدنيا. فالمعاملةُ التي كانت معنويّةً خفيّةً في الدنيا تَنقلبُ يومَ القيامةِ حسّيّةً ملموسة؛ ومثلُها الصراطُ المستقيم: هو في الدنيا تعاليمُ الله العظمى، ثم يصيرُ يومَ القيامةِ جِسراً محسوساً يُعبَر عليه. فلننظُر كيف يكون استلامُ الكتاب على ثلاثة مواضع: اليمينِ، والشمالِ، ووراءِ الظهر.
القاعدة: الجزاءُ من جنس العمل
أمرنا الله أن نأخذ كتابَه بقوّةٍ وعزم: ﴿يا يحيى خذِ الكتابَ بقوّة﴾(١)، ﴿خذوا ما آتيناكم بقوّةٍ واذكروا ما فيه﴾(٢). فمن أخذه بقوّةٍ وحزمٍ وعمل، جُوزِيَ بأن ينالَ كتابَه بقوّة؛ ومن تهاونَ ولانَ جُوزِيَ بالضعف؛ ومن نبذه كلّيّاً جُوزِيَ بالحرمان. فالموضعُ الذي يأتيك منه كتابُك مرآةٌ لِما كان منك.
اليمينُ: قوّةٌ يَبلُغُ بها الكتابُ يدَه
اليمينُ في لسان العرب رمزُ القوّةِ والحزم. فمن عامَل كتابَ ربّه بقوّةٍ أُوتِيَ كتابَه بيمينه: ﴿فأمّا من أوتي كتابَه بيمينه فيقول هاؤمُ اقرؤوا كتابيه﴾(٣). والكتابُ هنا يَبلُغُ يدَه ويُمكِّنُه منه، فيَنالُه فرِحاً مستبشراً.
الشمالُ: ضعفٌ يَبلُغُ به الكتابُ يدَه خِزياً
والشمالُ رمزُ اللينِ والتهاونِ والضعف. فمن تهاونَ في كتاب ربّه أُوتِيَ كتابَه بشماله: ﴿وأمّا من أوتي كتابَه بشماله فيقول يا ليتني لم أُوتَ كتابيه﴾(٤). والكتابُ هنا أيضاً يَبلُغُ يدَه، لكنّه يَنالُه صاغراً خاسراً يَتمنّى أنه لم يَنَلْه. فاليمينُ والشمالُ يَجمعُهما أنّ الكتابَ يَصِلُ إلى اليد، وإنّما يفترقان في العِزّ والخِزي.
وراءَ الظهر: خارجَ قوّته، لا يَبلُغُ منالَه
وأمّا الموضعُ الثالثُ فأشدُّها: ﴿وأمّا من أوتي كتابَه وراءَ ظهره. فسوف يَدعو ثُبوراً﴾(٥). وفهمُ هذا الموضعِ يقومُ على معنيين دقيقين: معنى «وراء»، ومعنى «الظهر».
فأمّا «وراء» فمعناها أنّ دائرةً مُحيطةً بصاحب الكتاب تَحجِزُه عن تناوُلِ كتابه؛ فالكتابُ واقعٌ في مُحيطٍ خارجَ حدودِ قدرته، يُحيطُ به ولا يَصِلُ هو إليه. ومنه ﴿واللهُ من ورائهم محيط﴾(٦)، و﴿وإنّ جهنّمَ لمحيطةٌ بالكافرين﴾(٧). فالوراءُ إحاطةٌ وحَجْزٌ، لا وصولٌ.
وأمّا «الظهر» فليس في أصله ضدَّ البطن، بل هو القوّةُ والبروز. قال ابن فارس: «الظاءُ والهاءُ والراءُ أصلٌ صحيحٌ واحدٌ يدلُّ على قوّةٍ وبروز... والأصلُ فيه كلِّه ظهرُ الإنسان، وهو يجمعُ البروزَ والقوّة»(٨). ولذلك جاءت مشتقّاتُه كلُّها على القوّة، كما في الجدول:
| وجهُ القوّة | الشاهد | الدلالة |
|---|---|---|
| أصلُ الكلمة | «قوّةٌ وبروز» (مقاييس اللغة) | الظهرُ مَجمعُ القوّةِ والبروز |
| الظَّهير | ﴿والملائكة بعد ذلك ظهير﴾ [التحريم: 4] | المُعينُ والنَّصير |
| الغَلَبة | ﴿ليُظهِره على الدين كلِّه﴾ [التوبة: 33] | القوّةُ الغالبة |
| حَمْلُ الثِّقَل | ﴿وأنقَضَ ظهرَك﴾ [الشرح: 3] | موضعُ القوّةِ الحاملة |
| الرِّكاب | تُسمَّى «الظَّهر» | ما يَحمِلُ بقوّةِ ظهره |
فإذا رُكِّبَ المعنيان كان «وراءَ ظهره» = أنّ كتابَه في مُحيطٍ خارجَ حدودِ قوّته، وأنّ قوّتَه (ظهرَه) أضعفُ من أن تَنالَه. فهذا الذي نبذ كتابَ ربّه - وهو ظهيرُه وقوّتُه - وراءَ ظهره في الدنيا: ﴿فنبذوه وراءَ ظهورهم واشتروا به ثمناً قليلا﴾(٩)، وطلب العزَّ والسَّنَدَ في غير أمر الله: ﴿واتّخذتموه وراءكم ظِهرِيّاً﴾(١٠)؛ فجُوزِيَ بأن يكونَ كتابُه وراءَ ظهره، في مُحيطٍ لا تَبلُغُه يدُه.
ولهذا يُسرَعُ بهؤلاء إلى النار بعد الحساب من غير أن يَقرأ أحدُهم كتابه؛ أو لا يُكشَفُ له منه إلا أفظعُ أعماله الفاجرة، وواحدٌ منها يكفي لدخوله النار - ومن ثَمّ ﴿يَدعو ثُبوراً﴾.
سرٌّ لغويّ يُحكِمُ الفرق: «روى» تَبلُغُ، و«وري» تُحجَب
وثَمّ فرقٌ بين الجذرين المتقابلين «روى» و«وري» يَزيدُ الأمرَ بياناً: فـ«روى» مَدٌّ يَنفُذُ فيَبلُغُ منتهاه ولا ينقطع - كالماء يَروي حتى يُشبِع الجوف؛ و«وري» مَدٌّ محجوزٌ يُحيطُ ولا يَبلُغ - كالنار تُحيطُ ولا تُسبَر. فاليمينُ والشمالُ من باب «روى»: الكتابُ يَبلُغُ اليدَ فيُستلَم؛ ووراءُ الظهرِ من باب «وري»: محجوزٌ لا يَبلُغ. ولذلك كان أشدَّ المواضع: فإنّ صاحبَه يُحرَمُ حتى مباشرةَ كتابه. وإليك جماعَ المواضع الثلاثة:
| الموضع | معاملةُ الكتاب المقدّس | الاستلام | البابُ اللغويّ | الدلالة |
|---|---|---|---|---|
| اليمين | أخذٌ بقوّةٍ وحزم | بيمينه | روى (يَبلُغ) | قوّةٌ وفوز |
| الشمال | تهاونٌ ولِين | بشماله | روى (يَبلُغ) | ضعفٌ وخِزي |
| وراء الظهر | نبذٌ كلّيّ | وراء ظهره | وري (لا يَبلُغ) | خارجَ القوّةِ والمنال |
الخلاصة
تُسلَّمُ كتابَك كما عامَلتَ كتابَ ربّك: فمن أخذه بقوّةٍ ناله بيمينه، ومن تهاونَ ناله بشماله، ومن نبذه وراءَ ظهره حُجِبَ عن كتابه وراءَ ظهره - خارجَ قوّته وسلطانِه ومَنالِ يده. فالمعاملةُ المعنويّةُ في الدنيا صارت جزاءً حسّيّاً يومَ القيامة، طِبقَ الأصل. هذا، واللهُ جلّ جلالُه أعلم.
التعليقات (0)