الكَرَم والكريم في القرآن المكرَّم
ليس الكرمُ بذلاً، بل رفعُ القَدْرِ ونقيضُه الهَوان
رجلٌ يُنفِقُ مالَه فيَحتقِرُه الناس، وآخَرُ لا يُنفِقُ درهماً فيُوقِّرونه. وعينٌ في رأسِ صاحبِها سمَّتها العربُ «كريمة»، وهي لا تُعطيه شيئاً ولا يُعطيها. وأرضٌ لا يَملِكُ صاحبُها منها إلا مقاماً، فيُقال فيه ﴿وَمَقَامٖ كَرِيمٖ﴾.
فلو كان الكرمُ هو البذلَ والعطاء، لاستوى هؤلاء كلُّهم على ميزانٍ واحد - وهم لا يَستوون. فما الكرمُ إذن؟
أوّلاً: ما قاله أهلُ اللغة
قال ابنُ فارس: «الكافُ والراءُ والميم أصلٌ صحيحٌ له بابان: أحدُهما شرفٌ في الشيء في نفسِه، أو شرفٌ في خُلقٍ من الأخلاق». وصدَّرَ غيرُه المادّةَ بالتعريف بالضدّ: «الكَرَمُ ضدُّ اللؤم»، وقال ابنُ سيده: «الكرمُ نقيضُ اللؤم». وأُلحِقَ به الصَّفحُ، قال ابنُ فارس: «والكرمُ في الخُلقِ يقال هو الصَّفحُ عن ذنب المُذنِب».(١)
ثمّ صرَّحوا بالبذلِ تصريحاً لا لَبسَ فيه، وهو أقوى ما يُواجِهُ هذا البحث: فقال ابنُ فارس: «وكَرُمَ السحابُ: أتى بالغيث»، ونَقَل الزَّبيديُّ أنّ «الكرمَ لا يُقال إلا في المحاسن الكبيرة، كإنفاقِ مالٍ في تجهيز غُزاة»، وأنّ «مَن وهَبَ المالَ لجَلبِ نفعٍ أو دفعِ ضَرَرٍ فليس بكريم»؛ وقال ابنُ منظور في «الكريم»: «هو الكثيرُ الخيرِ الجَوادُ المُعطي الذي لا يَنفَدُ عطاؤه». فالمسألةُ إذن ليست أنّ المعاجمَ سكَتَت، بل أنّها جعَلَتِ البذلَ أصلاً - وهذا هو محلُّ النِّزاع.(٢)
وفي المرويّات نهيٌ عن تسمية العِنَبِ كَرْماً. وعلَّله الأزهريُّ بأنّ العربَ سمَّته بذلك «لِما ذُلِّل من قُطوفِه عند اليَنْع... وأنّه لا شوكَ فيه يُؤذي القاطف»، وأنّ النهيَ إنّما جاء «لأنّه يُعتصَرُ منه المُسكِر». والذي يظهرُ أنّ المقصودَ أن لا تُخلَعَ على الخمرِ هالةٌ من التوقير فتَنجذِبَ إليها القلوب - كما يُسمّيها الناسُ اليومَ «المشروبات الروحيّة» فتُكسِبُها التسميةُ جاذبيّةً ليست فيها. وقد فطِنَ الزمخشريُّ إلى أنّ الحديثَ يُسدِّدُ ما في آية ﴿إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡ﴾ - وهو ربطٌ سيَعودُ إليه هذا البحثُ في آخِرِه.(٣)
ثمّ في المادّة نفسِها ما يَنقُضُ حدَّهم من داخلها: «الكريمتان: العينان»، ومنه «إذا أنا أخذتُ من عبدي كريمتَيه». والعينُ لا تَبذُلُ لصاحبها مالاً ولا يَبذُلُ لها؛ وإنّما سُمِّيت كريمةً لأنّها عَظُمَ قَدْرُها عنده. وأصرحُ منه قولُ شَمِر: «كلُّ شيءٍ مُكرَمٍ عليك فهو كريمُك وكريمتُك» - فجعَل المدارَ على ما يَعظُمُ قدرُه عندك، لا على ما يَخرُجُ من يدك. فهذا مِفتاحُ الباب، وقد كان في أيديهم.(٤)
ثانياً: الآيةُ التي تَحسِمُ - نقيضُ الكرم
وأقصرُ طريقٍ إلى معنى اللفظ أن نَنظُرَ ما جعَله القرآنُ نقيضاً له. وقد صرَّح بذلك:
﴿وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّكۡرِمٍ﴾ [الحج ١٨]. فنقيضُ التكريم الإهانة، لا البُخل. والإهانةُ تقليلٌ من شأن الشيء وقيمته. فالكرمُ إذن رفعُ القَدْرِ والقيمة، لا إخراجُ المال.
ويُثنّي ذلك بموضعٍ آخرَ قابَلَ فيه بين اللفظين في سياقٍ واحد: ﴿فَأَكۡرَمَهُۥ وَنَعَّمَهُۥ فَيَقُولُ رَبِّيٓ أَكۡرَمَنِ﴾ [الفجر ١٥]، ثمّ ﴿فَيَقُولُ رَبِّيٓ أَهَٰنَنِ﴾ [الفجر ١٦]. فالإكرامُ في مقابل الإهانة، لا في مقابل المنع.
وقد ورَدَ الجذرُ في القرآن سبعةً وأربعين لفظاً في ستٍّ وأربعين آية، فما وجَدنا في واحدةٍ منها أنّ الكرمَ هو البذلُ والعطاء، ولا أنّه الصَّفح - والصَّفحُ له جذرُه الذي جاء به القرآنُ في مواضعِه، ولا صِلةَ له بالكرم.(٥)
ثالثاً: كيف تَنحلُّ الآياتُ على هذا الأصل
وأوّلُ ما يَنحلُّ قولُ عزيزِ مصرَ لامرأته: ﴿أَكْرِمِى مَثْوَىٰهُ﴾ [يوسف ٢١] - أي اجعَلي مَثواه ذا قَدْرٍ رفيع، وأسكِنيه مسكنَ أهلِ البيت لا مسكنَ الخدم؛ فقد كان يُدبِّرُ أن يَتّخذَه ولداً كما قال في الآية نفسِها.
وأمّا ﴿وَرِزۡقٞ كَرِيمٞ﴾ في مواضعه فهو الرزقُ الذي يُثمِّنُه الناسُ ويُقدِّرونه ويُغلونَ سعرَه - في الطعام والمَركب والمسكن. وكذلك ﴿وَمَقَامٖ كَرِيمٖ﴾ و﴿مُّدْخَلًا كَرِيمًا﴾ و﴿كِتَٰبٞ كَرِيمٌ﴾: فهناك رزقٌ مُحتقَرٌ وآخَرُ مُوقَّر، ومقامٌ يُزدرى وآخَرُ يُرفَع.
وقول النسوة ﴿إِنْ هَـٰذَآ إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف ٣١] - أي ذو مكانةٍ وتقديرٍ واحترام. ولم يَقُلن «ما هذا بإنسان» بل قلن «ما هذا بشراً»، ثمّ عوَّضن عن ذلك بوصفِه بالمَلَك الكريم، ليُثبِتن له مرتبةً فوق ما يَعرِفن.
وعليه يَنحلُّ اعتراضُ إبليس: ﴿هَٰذَا ٱلَّذِي كَرَّمۡتَ عَلَيَّ﴾ [الإسراء ٦٢] - فما شكا حرماناً من عطاء، بل شكا أنّ آدمَ رُفِعَ عليه قَدْراً. ولذلك كان انتقامُه من جنس ما شكا منه: أن يَحتَنِكَ ذريّتَه فيَضَعَ في أفواهها اللِّجامَ ويَسوقَها كما تُساقُ البهائم - غايتُه الإذلالُ والإهانة، ليُثبِتَ أنّهم لا يَستحقّون الرَّفع.
ويَعُمُّ التكريمُ بني آدمَ كلَّهم: ﴿وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِيٓ ءَادَمَ﴾ [الإسراء ٧٠] - أي جعَلهم أرفعَ قَدْراً من كثيرٍ من الخلق، فسخَّر لهم ما سخَّر؛ والتسخيرُ فرعُ الرَّفعِ لا أصلُه.
والكرامةُ درجةٌ بين درجات: فأدناها المُهانُ، ثمّ الإنسانُ العاديُّ وهو عامّةُ تعامُلِ الناس، ثمّ المُكرَمُ وهو من يُعطى التقدير. وما وراء ذلك تبجيلٌ وتعظيمٌ لا يَستحقُّه بشرٌ ولا مَلَك؛ ولذلك استنكرَ المولى تعظيمَ الناس للملائكة وردَّهم إلى حدِّهم: ﴿بَلۡ عِبَادٞ مُّكۡرَمُونَ﴾ [الأنبياء ٢٦].
رابعاً: الكرامةُ حُكمٌ يُنشَأ، لا مادّةٌ تُصرَف
فإذا استقرَّ أنّ الكرمَ رفعُ القَدْر، لزِمَ منه ما هو أدقُّ: أنّ الكرامةَ لا تُكال ولا تُخزَن، لأنّها حُكمٌ يُنشِئه صاحبُ الحكم، لا عَيْنٌ تُنقَلُ من يدٍ إلى يد. ومن هنا كان المولى وحدَه هو الذي يَهَبُ الكرامةَ ويَمنعُها:
﴿وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّكۡرِمٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَفۡعَلُ مَا يَشَآءُ﴾ [الحج ١٨]. فلو كانت الكرامةُ مالاً يُصرَف لَجاز أن يُكرِمَه غيرُه ممّن يَملِك؛ وإنّما امتنعَ ذلك لأنّها حُكمٌ، والحُكمُ لِمَن له السلطان. ولذلك خَتَمَ الآيةَ بـ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَفۡعَلُ مَا يَشَآءُ﴾.
ويُصدِّقُ هذا أنّ القرآنَ جعَل التكريمَ منسوباً إلى مجالِ الحُكم لا إلى موضعٍ يُودَعُ فيه:
﴿إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡ﴾ [الحجرات ١٣]. فالتكريمُ هنا عند الله لا عند الناس؛ ولله معاييرُ تُخالِفُ معاييرَ الناسِ الضالّةَ في تقدير الرجال. و«عِند» في كلام العرب ضُمِّنت معنى المِلك والسلطان، ويُقال «هذا عندي أفضلُ من هذا» أي في حكمي. فالآيةُ تقولُ: في ميزانِه أتقاكم أرفعُكم قَدْراً - لا في مستودعِه.(٦)
وممّا يَشهدُ لذلك أنّ جذرَ الكرم لم يَجتمِع في القرآن كلِّه بـ«لَدَى» ولا بـ«لَدُنْ»، وإنّما اجتمعَ بـ«عِند» في أربعة مواضع. وهذا موافقٌ للمعنى: فالكرامةُ حُكمٌ يُحاز ويُنسَب، وليست شخصاً يَمثُلُ ولا عطيّةً تَخرُجُ بلا واسطة.(٧)
وعلى هذا يُفهَم ﴿وَيَبۡقَىٰ وَجۡهُ رَبِّكَ ذُو ٱلۡجَلَٰلِ وَٱلۡإِكۡرَامِ﴾ [الرحمن ٢٧]، و﴿تَبَٰرَكَ ٱسۡمُ رَبِّكَ ذِي ٱلۡجَلَٰلِ وَٱلۡإِكۡرَامِ﴾ [الرحمن ٧٨]: أنّه صاحبُ الإكرامِ كلِّه، له وحدَه أن يَرفعَ القَدْرَ ويَضعَه. وليس المعنى أنّه يَملِكُ مقاديرَ من الكرامة تُصرَف، بل أنّ الحُكمَ الذي به تُقدَّرُ القيمُ كلُّها إليه - وهذا أليقُ بـ«ذي الجلال».
ولو شئتَ أن تَرى الفرقَ بين المجال والوعاء، فانظر ﴿وَإِن مِّن شَيۡءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَآئِنُهُۥ﴾ [الحجر ٢١]. لم يَقُل «إلّا عندَنا» فحسب، بل قال «عندنا خزائنُه»: فالخزائنُ وعاءٌ، و«عِند» نسبةُ الوعاء إلى مالكه. ولذلك صحَّ أن يُقالَ ﴿عِندِى خَزَآئِنُ ٱللَّهِ﴾ ولم يكن فيه تكرار. والكرامةُ ليست ممّا يُوضَعُ في وعاء، فهي في الحُكمِ لا في الخِزانة.
خامساً: مواضعُ يَتبيَّنُ بها الأصل
و﴿ٱقۡرَأۡ وَرَبُّكَ ٱلۡأَكۡرَمُ﴾ [العلق ٣] - و«الأكرم» أفعلُ تفضيل: الأعلى حُكماً في التقدير، الذي لا يُعقَّبُ حُكمُه ولا يَعلو عليه رافعُ قَدْر. ولو كان الكرمُ بذلاً لكان معناها الأكثرَ عطاءً، وقد قدَّمنا أنّ البذلَ ليس هو الأصل.
و﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلۡإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلۡكَرِيمِ﴾ [الانفطار ٦] - تتحدَّثُ السورةُ عمّا صنَعَه بالإنسان من حُسنِ خَلْقٍ وتسويةٍ جعَلَته ذا قَدْرٍ في الأعين، وما ساقَه إليه من رزقٍ هو بوّابةُ الكرامةِ بين الناس.
و﴿لَّا بَارِدٖ وَلَا كَرِيمٍ﴾ [الواقعة ٤٤] - نَفَى عنه الوصفين معاً: فلا هو باردٌ كضبابِ الدنيا، ولا هو ممّا يُقدِّرُه أحدٌ ويَطلُبُه؛ بل يَنفِرُ منه أهلُه.(٨)
و﴿إِنَّهُۥ لَقُرۡءَانٞ كَرِيمٞ﴾ [الواقعة ٧٧] - كتابٌ مُوقَّرٌ مُقدَّرٌ مُعتبَر؛ ولذلك أتبَعَه ﴿فِي كِتَٰبٖ مَّكۡنُونٖ﴾، كما قال في موضعٍ آخر ﴿بَلۡ هُوَ قُرۡءَانٞ مَّجِيدٞ﴾ ٪ ﴿فِي لَوۡحٖ مَّحۡفُوظِۭ﴾.
و﴿رَبُّ ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡكَرِيمِ﴾ [المؤمنون ١١٦] - والوصفُ راجعٌ إلى الربِّ لا إلى العرش؛ فالعرشُ لا يَرفعُ قَدْرَ أحدٍ ولا يَضعُه. ويَشهدُ لذلك سياقُ ما قبلَها، فقد سبَقَه إذلالُ الكافرين ﴿قَالَ ٱخۡسَـُٔواْ فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ - إهانةٌ يَعقُبُها ذِكرُ من بيده الإكرام.
و﴿وَإِذَا مَرُّواْ بِٱللَّغۡوِ مَرُّواْ كِرَامٗا﴾ [الفرقان ٧٢] - فهم يَمُرُّون على ما يُقال لهم فلا يَستفِزُّهم، فيَنظُرُ إليهم مَن آذاهم نظرةَ تقديرٍ لا نظرةَ ظَفَر. فالكرامةُ هنا قَدْرٌ ارتفعَ في عينِ الخصمِ نفسِه.
سادساً: لماذا التبسَ الكرمُ بالعطاء
والذي أوقَعَ الناسَ في هذا اللَّبْس أنّ الغِنى وكثرةَ المال يَجعلان صاحبَهما ذا قَدْرٍ في الأعين، فيُقدَّرُ وقد يُبجَّل؛ فظنّوا أنّ العطاءَ هو الكرم. والواقعُ قد يكون معكوساً: فقد تَجِدُ الغنيَّ المحتقَر - وهو نادرٌ لكنّه موجود؛ ومن بَخِلَ على الناس بمالِه احتُقِرَ أشدَّ الاحتقارِ وإن مَلَكَ مفاتيحَ قارون. فالعطاءُ سببٌ من أسباب رفعِ القَدْر، والسببُ غيرُ المُسبَّب.
ومن هنا يَتبيَّنُ أنّ إطلاقَ «الكريم» بأل التعريف على غير الله فيه تجوُّز. فالقرآنُ قرآنٌ كريم - أي رفيعُ القَدْر، ويَهَبُ لصاحبه شيئاً من التوقير بما حَفِظَ منه وتدبَّر. ولكنّ أبوابَ الكرامة كلَّها لله وحدَه، ولذلك قال ﴿ذُو ٱلۡجَلَٰلِ وَٱلۡإِكۡرَامِ﴾ - أي الذي له الإكراماتُ كلُّها يَهَبُها لمن يشاء.
وحتى الحِكَمُ المرويّةُ تَرجِعُ إلى هذا الأصل إذا تُؤمِّلت: قالوا إنّ الصافحَ كريم - وهو صحيح، لا لأنّه أنفَقَ على من صفَحَ عنه، بل لأنّ الناسَ يَحترمونه ويَرفعون قَدْرَه بصفحِه. وكذلك سائرُها: تَؤولُ إلى التقدير والتوقير، لا إلى البذل.
حدودُ ما يدَّعيه هذا التحليل
يَدَّعي هذا البحثُ أنّ الأصلَ في مادّة الكرم رفعُ القَدْرِ والقيمة، وأنّ نقيضَها الهَوانُ بنصِّ القرآن، وأنّ البذلَ سببٌ من أسبابها لا هو هي. ويَدَّعي أنّ الكرامةَ حُكمٌ يُنشِئه صاحبُ السلطان لا مادّةٌ تُصرَف - ويَشهدُ له أنّها لم تَقترِن في القرآن إلا بـ«عِند» دون أختَيها.
ولا يَدَّعي أنّ البذلَ منفيٌّ عن الكرام؛ فإنّ أهلَ القَدْرِ الرفيعِ في الغالب باذلون، وإنّما النِّزاعُ في أيِّهما الأصلُ وأيِّهما الأثر. ولا يَدَّعي تخطئةَ من قال «القرآن الكريم» في عُرْف الناس، وإنّما يُنبِّهُ إلى أنّ الوصفَ بأل التعريف لله أخصّ. وما وراء ذلك مبسوطٌ للنظر.
الخلاصة
| الدعوى | ما يقابلُها في النص |
|---|---|
| الكرمُ رفعُ القَدْرِ لا البذل | ﴿وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّكۡرِمٍ﴾ [الحج ١٨] |
| نقيضُه الهَوانُ لا البُخل | ﴿فَأَكۡرَمَهُۥ وَنَعَّمَهُۥ فَيَقُولُ رَبِّيٓ أَكۡرَمَنِ﴾ ... ﴿فَيَقُولُ رَبِّيٓ أَهَٰنَنِ﴾ [الفجر ١٥-١٦] |
| الكرامةُ حُكمٌ في مجالِ صاحبِ السلطان | ﴿إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡ﴾ [الحجرات ١٣] |
| والإكرامُ كلُّه له وحدَه | ﴿وَيَبۡقَىٰ وَجۡهُ رَبِّكَ ذُو ٱلۡجَلَٰلِ وَٱلۡإِكۡرَامِ﴾ [الرحمن ٢٧] |
هذا، واللهُ العظيمُ أعلم.
- «الكافُ والراءُ والميمُ أصلٌ صحيحٌ له بابان: أحدُهما شرفٌ... في الشيء في نفسِه أو شرفٌ في خُلقٍ من الأخلاق. يقال: رجلٌ كريم، وفرسٌ كريم، ونباتٌ كريم» (معجم مقاييس اللغة، مادة كرم، جـ٥ صـ١٧١-١٧٢). و«(الكَرَمُ، محرَّكةً: ضِدُّ اللؤم) يكون في الرجل بنفسه، وإن لم يكن له آباء، ويُستعمَل في الخيل والإبل والشجر وغيرها من الجواهر إذا عَنَوا العِتق، وأصلُه في الناس» (تاج العروس، مادة كرم، جـ٣٣ صـ٣٣٥). وقال ابن سيده: «الكرمُ نقيضُ اللؤم» (لسان العرب، مادة كرم، جـ١٢ صـ٥١٠). وفي إلحاق الصَّفح به قولُ ابن فارس: «والكرمُ في الخُلقِ يقال هو الصَّفحُ عن ذنب المُذنِب. قال عبد الله بن مسلم بن قتيبة: الكريم: الصَّفوح» (المقاييس جـ٥ صـ١٧٢)؛ ونحوُه: «والصَّفوح: الكريم، لأنّه يَصفَحُ عمّن جنى عليه» (اللسان، مادة صفح، جـ٢ صـ٥١٥؛ والتاج جـ٦ صـ٥٤٤). ↩
- وأصرحُ ما قيل في نُصرة معنى البذل قولُ ابن فارس: «وكَرُمَ السحابُ: أتى بالغيث. وأرضٌ مَكرُمةٌ للنبات، إذا كانت جيّدةَ النبات» (المقاييس جـ٥ صـ١٧٢)؛ وقولٌ نقَله الزَّبيدي: «الكرمُ مثلُ الحرّيّة، إلا أنّ الحرّيّة قد تُقال في المحاسن الصغيرة والكبيرة، والكرمُ لا يُقال إلا في المحاسن الكبيرة، كإنفاقِ مالٍ في تجهيز غُزاة، وتحمُّلِ حَمالةٍ يُوقى بها دمُ قوم. وقيل: الكرمُ إفادةُ ما يَنبغي لا لغَرَض؛ فمن وهَبَ المالَ لجَلبِ نفعٍ أو دفعِ ضَرَرٍ أو خلاصٍ من ذمٍّ فليس بكريم» (التاج جـ٣٣ صـ٣٣٥). وفي اللسان: «وهو الكثيرُ الخيرِ الجَوادُ المُعطي الذي لا يَنفَدُ عطاؤه، وهو الكريمُ المُطلَق» (جـ١٢ صـ٥١٠). فهذا أقوى ما عند القوم، وهو الذي يُعرَض عليه القرآن. ↩
- «وفي حديث... أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال: لا تُسمُّوا العنبَ الكَرْمَ فإنّما الكَرْمُ الرجلُ المسلم» (لسان العرب جـ١٢ صـ٥١٤). وعلَّله الأزهري بقوله: «فخفَّفتِ العربُ الكَرْمَ وهم يُريدون كَرْمَ شجرةِ العنب، لِما ذُلِّل من قُطوفِه عند اليَنْع وكثُر من خيرِه في كلِّ حال، وأنّه لا شوكَ فيه يُؤذي القاطف، فنهى النبيُّ صلى الله عليه وسلم عن تسميتِه بهذا الاسم لأنّه يُعتصَرُ منه المُسكِرُ المنهيُّ عن شُربه» (اللسان جـ١٢ صـ٥١٤، والتاج جـ٣٣ صـ٣٤٧). وقال الزمخشريُّ في الحديث نفسِه: «أراد أن يُقرِّبَ ويُسدِّدَ ما في قوله عزّ وجلّ» - يعني آيةَ الحجرات - «بطريقةٍ أنيقةٍ ومَسلَكٍ لطيف (وليس الغرضُ حقيقةَ النهي عن تسميته) كرماً، ولكنّه رمزٌ إلى أنّ هذا النوعَ من غير الأناسيّ» - يعني آيةَ ﴿إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡ﴾ (التاج جـ٣٣ صـ٣٤٦) - فرَبَط الحديثَ بآيةِ الحجرات، وهو ربطٌ دقيق. ↩
- «(والكريمتان: العينان)، ومنه الحديث القدسيّ: إنّ الله يقول: إذا أنا أخذتُ من عبدي كريمتَيه وهو بهما ضَنينٌ فصبَر لي، لم أرضَ له بهما ثواباً دون الجنّة» (تاج العروس جـ٣٣ صـ٣٤٢). وقبلَها: «قيل: كلُّ جارحةٍ شريفةٍ كالأذن والعين واليد فهو كريمة... وقال شَمِر: كل شيء مُكرَمٍ عليك فهو كريمُك وكريمتُك» (الموضع نفسه؛ ونحوُه في اللسان جـ١٢ صـ٥١٣). فهذا نصٌّ في أنّ الكريمَ ما عَظُم قدرُه عندك، لا ما بذَلَ لك. ↩
- عددُ ألفاظ الجذر في المصحف سبعةٌ وأربعون لفظاً في ستٍّ وأربعين آية، أكثرُها «كريم» في عشرين موضعاً، ثمّ «كريماً» في أربعة، و«مُكرَمون» في ثلاثة، و«الكريم» في ثلاثة، وسائرُها دون ذلك. ↩
- «ومعناها حضورُ الشيء ودنوُّه، وهي ظرفٌ في المكان والزمان بحسب ما تُضاف إليه» (تاج العروس، مادة عند، جـ٨ صـ٤٢٦)، ثمّ: «استعملوا عند في مجرَّد الحكم من غير نظرٍ لظرفيّةٍ أو غيرها، كقولهم عندي مال، لِما هو بحضرتك، ولِما غاب... عنك، ضُمِّن معنى المِلك والسلطان على الشيء، من هنا استُعمل في المعاني... ويكون بمعنى الحكم، يقال: هاذا عندي أفضل من هاذا، أي في حكمي» (جـ٨ صـ٤٢٨). ↩
- مواضعُ اجتماع الجذر بـ«عند» أربعة: الأنفال ٤، والإسراء ٢٣، والنمل ٤٠، والحجرات ١٣. ولم يجتمع الجذرُ بـ«لَدَى» ولا بـ«لَدُنْ» في موضعٍ واحدٍ من القرآن. ↩
- اليَحْمومُ فُسِّر بالدخان، وقيل جبلٌ في جهنّم. والذي نُرجِّحه أنّه الضَّباب: يكون في الدنيا بارداً محبوباً، ويكون هناك حارّاً منفوراً منه - فنُفِيَ عنه الوصفان معاً. وهو ترجيحٌ لا نقل. ↩
التعليقات (0)