أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

تفسير قوله تعالى تلك إذًا قسمة ضيزى


تفسير قوله تعالى تلك إذًا قسمة ضيزى.

بقلم: علي موسى الزهراني



 ‌‌ الضيز لغة:

 ضزته حقه أي منعته، وضيزى يعني ناقصة، والقسمة الجائرة. ويضوز التمر أي يأكله مقروناً، أي يأكله بشراهة وجشع. وقيل الضيز الاعوجاج، وقيل، بل النقصان. وضازني حقي أي بخسني حقي. وضاز في الحكم أي جار. والضوزة من الرجال أي الحقير الصغير الشأن.

والثمرة يضوزها أي يلوكها في فمه،ـ وقيل أكلها وفمه ملآن أو أكل على كره وهو شبعان([1])  .

الضيز عند المفسرين:

ينقل المفسرون أقوالاً كثيرة لتفسير مفردة ضيزى، فيزعمون أن ابن عباس يرى فقال: تعني جائرة. وفي رواية قال: جائرة، لا حق فيها. كذلك يرى الحسن البصري وقتادة والضحاك، ومقاتل بن سليمان.

أما مجاهد بن جبر فيرى أنها تعني عوجاء.  وفي رواية أخرى عنه يرى أنها تعني منقوصة وتبعه سفيان الثوري. كذلك يرى الضحاك بن مزاحم أنها تعني ناقصة. أما محمد بن سيرين فيرى أنها تعني غير مستوية. ويرى عبد الرحمن بن أسلم أنها تعني مخالفة ([2])

 

الضيز في القرآن

لم يذكر جذر (ضيز) إلا مرة واحدة في هذه الآية {تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ}([3]) وكما ذكرنا بالأعلى؛ فإن كل ما ذكروه غير معقول، فلا يمكن أن يكون ضيز يعني بخس، أو ظلم أو جار أو نقص؛ لأن كل هذه الجذور موجودة في القرآن، ولا ترادف في القرآن أو تكرار.

 بعد وضعنا لعدة افتراضات، رجحنا أن تكون تلك القسمة هي التي ينالها الضوزة من الرجال، والضوزة كما رأينا بالأعلى هو الرجل الحقير الشأن، فلهذا تكون دائماً قسمته ضيزى؛ أي أن الضوزة هو المسكين الذي يحصل على قسمة ضوزاء، أنها نصيبٌ قليلٌ وهزيل. فلأنهم لا يحبون الإناث أعطوهن لرب العالمين جل جلاله، ولأنهم يحبون الذكور فقد استحوذوا لأنفسهم، فكانت قسمتهم ضيزى.

وقد درسنا معنى قسمة التي تعني قسمة عامة عشوائية لا قانون لها، على عكس قسمة الفرض التي لها مقادير محددة، أو قسمة "الصف" التي تكون قسمة نوعية. فقسم كفار قريش هنا هي قسمة عشوائية لا ضابط لها سوى أنها قسمة ضيزى، يأخذون هم الأحسن ويقدمون الأردأ، فالمولى يخاطبهم:

كيف تفعلون ذلك؟

إن قسمتكم هذه هي قسمة ضيزى تأخذون الأحسن وتعطون ربكم الأقل

والسورة تتوسع في شرح هذه النفسية الجشعة ليس في قسمة الأولاد بل في كل قسمة، حتى في قسمة التبرعات من طعام وخلافه، فيأخذون الأحسن ويقدمون الأسوأ الذين لا يريدونه

يبن المولى أن هذا الضيزاوي الذي يقسم بضيزة لا يكترث للآخرة من الأساس ولا يؤمن بها فهو:

ﵟ وَلَمۡ يُرِدۡ إِلَّا ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا ﵞ [النجم: 29] 

وهو مع هذا يصر أنه لو كانت هناك آخرة فسوف تشفع له تلك الملائكة "بنات الله"

ﵟلَا تُغۡنِي شَفَٰعَتُهُمۡ شَيۡـًٔاﵞ [النجم: 26] 

فيؤكد له القرآن أن الجزاء هناك لا يقوم على العلاقات بل على الأعمال

ﵟ لِيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ أَسَٰٓـُٔواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ بِٱلۡحُسۡنَىﵞ [النجم: 31] 

وعندما حاججهم الرسول على بخلهم قالوا نحن نتصدق ونزكي فيرد عليهم القرآن

ﵟفَلَا تُزَكُّوٓاْ أَنفُسَكُمۡۖ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰٓﵞ [النجم: 32]

ثم يبين حقيقة ما فعلوه وأنه يقدم القليل ثم أكدى

 ﵟوَأَعۡطَىٰ قَلِيلٗا وَأَكۡدَىٰٓﵞ [النجم: 34] 

والمفسرون يرون أن أكدى: يعني قطع العطاء ([4])  وهذا غير ممكن، الفقراء سيموتون من الجوع لو حدث ذلك ففي ذلك الزمن الطعام شحيح جدا، فهو لما يجني المحاصيل يقدم الخبيث ويترك الطيب له، والخبيث هو الذي يختلط فيه الضار كثيراً كما شرحنا.

ﵟوَلَا تَيَمَّمُواْ ٱلۡخَبِيثَ مِنۡهُ تُنفِقُونَ وَلَسۡتُم بِـَٔاخِذِيهِ إِلَّآ أَن تُغۡمِضُواْ فِيهِۚ ﵞ [البقرة: 267] 

هذه هي القسمة الضيزى، وهي قسمة نوعية طبعاً تقسم الأشياء إلى حسنة ورديئة، عظيمة ودنيئة.

أما الكدي، فهو من الكد والكدي وهو العمل الشاق ([5])  أي أن هذا البخيل لم يكتف أن يقدم الحشف والطعام الهزيل بل استخدم هؤلاء في العمل الشاق مستغلاً حاجتهم

هذا، والله أعلم.


([1]) «العين» (7/ 53)  «التقفية في اللغة» (ص113) «جمهرة اللغة» (2/ 813)«لسان العرب» (5/ 367)«تحفة الأريب بما في القرآن من الغريب» (ص205) «القاموس المحيط» (ص514) «تاج العروس من جواهر القاموس» (15/ 193):«المعجم الاشتقاقي المؤصل» (3/ 1285):

([2]) «موسوعة التفسير المأثور» (19/ 725)

([3]) [النجم:  22].بب

([4]) «تفسير الطبري» (22/ 73):

([5]) «المعجم الاشتقاقي المؤصل» (4/ 1874):

ali
ali
تعليقات
    جاري استحضار النفحات القرآنية...