هل أمنا عائشة هي مريم المجدلية أم صفوراء
زوجة النبي موسى
بقلم: علي موسى الزهراني
بحر متلاطم من الشعوب والأمم خضعت للحكم
الإسلامي، وظلت أجيال منها تحمل رواسب دينها وثقافتها، ولم يكن من المستطاع منع
انتشار هذا الموروث وتغلغله في العقل الجمعي للمسلمين. وخاصة النصارى الذين تسربت
عقائد وحبكات تاريخهم إلى الروايات الإسلامية المبكرة.
وعند التأمل العميق في الشخصيات المركزية
في التراث الإسلامي، وتحديداً شخصية "عائشة" رضي الله عنها، نجد أنفسنا
أمام فرضية تاريخية ونقدية تستحق التوقف: هل عائشة رضي الله عنها في مرويات التراث
شخصية وهمية مختلقة بالكامل؟ أم أنها شخصية حقيقية وزوجة طاهرة، لكن العقل الجمعي
(المتأثر بثقافات الأمم المفتوحة والصراعات المذهبية) محا سيرتها الحقيقية، وأسقط
عليها تفاصيل وحبكات تاريخية لـ "مريم المجدلية" في التراث النصراني،
ونسج لها سوابق أسطورية مقطوعة الصلة بالتاريخ الحقيقي كقصة "صفراء بنت شعيب"؟
إن المقاطعة بين نصوص التراث النصراني
والمرويات التاريخية المذهبية تكشف عن تطابق صريح يقطع الشك باليقين، ويتجلى في
المحورين التاليين:
المحور الأول: عائشة هي مريم المجدلية
استنسخ الرواة تفاصيل العلاقة بين المعلم
والأنثى المفضلة من شخصية "مريم المجدلية" وأسقطوها على عائشة رضي الله
عنها، ويظهر ذلك في:
- الاستئثار العاطفي والجسدي: يُجمع التراث النصراني الغنوصي على أن المجدلية كانت الأحب:
"وكانت رفيقة المخلص هي مريم المجدلية. وكان يحبها أكثر من كل التلاميذ،
وكان يقبلها..."([1]) وهذا يتطابق تماماً مع المرويات حول
عائشة رضي الله عنها، حيث يُسأل النبي كذباً وزوراً: من أحب الناس إليك؟
فيقول: "عائشة"([2]) بل ونسبوا إليه التعبير الجسدي في أوقات
العبادة، فزعموا أنه: "كان يقبل وهو صائم"([3])
- احتكار الاتصال الروحي: مريم هي مصدر العلم والأسرار، حتى بطرس (الخليفة المحتمل) يطلب
علمها: "نعلم أن المخلص أحبك أكثر من بقية النساء. أخبرينا بكلمات
المخلص التي تتذكرينها... والتي لا نعرفها نحن" ([4]) وفي التراث الإسلامي، تم اختلاق احتكار
للاتصال الإلهي لإقصاء بقية الزوجات: "لا تؤذيني في عائشة، فإنه والله
ما نزل عليّ الوحي وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها"([5]) ولم يكتفِ الرواة بذلك، بل صاغوا نصوصاً
-أجمع المحققون على أنها لا أصل لها- تكرس مرجعيتها المطلقة كقولهم:
"خذوا شطر دينكم عن هذه الحميراء" ([6]) في محاكاة صريحة لنفس النمط الغنوصي الذي
يجعل "نصف الحقيقة" أو "أسرار الملكوت" في حوزة الأنثى
المفضلة دون غيرها.
- الصراع مع الخليفة والتدخل للردع: بدأ الصراع برفض بطرس لمكانة مريم: "لترحل مريم عنا، لأن
النساء لا يستحققن الحياة"([7]) . يقابله في المرويات الإسلامية الموقف
البارد لعلي بن أبي طالب تجاه عائشة رضي الله عنها في حادثة الإفك: "يا
رسول الله، لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثير" ([8]) وكما تدخل يسوع لحماية المجدلية، نُسب
للرسول ذات الموقف الدفاعي الصارم ضد من يحرض على عائشة رضي الله عنها
قائلاً: "يا أم سلمة لا تؤذيني في عائشة" [البخاري، صحيح البخاري،
كتاب فضائل أصحاب النبي].
المحور الثاني: صفوراء هي عائشة
في كثير من الأحيان، لا يكتفي الرواة
بجلب التراث السابق، بل يقومون بـ "اختلاق" شخصيات وأحداث ونسبتها كذباً
إلى تاريخ أهل الكتاب؛ لتكون سابقة تاريخية تجعل أحكامهم المذهبية مقبولة.
وخير مثال على هذا "الاختلاق
الموجه" لتبرير خروج عائشة رضي الله عنها وقيادتها للجيش ضد الخليفة، هو
اختلاق أسطورة "صفراء بنت شعيب". فلتمرير هذا الحدث، لجأ العقل المذهبي
إلى اختراع قصة لا وجود لها إطلاقاً في التراث اليهودي الأصلي، وجعلوا بطلتها زوجة
موسى في صراع مزعوم مع "يوشع بن نون":
- التحريف اللوني المتعمد للاسم: اسم زوجة موسى في التراث العبري الأصلي هو
(Zipporah)،
وهو مشتق من جذر يعني "عصفور" ولا يحمل أي دلالة لونية. ولكن
الرواة، في سعيهم لخلق توازٍ شكلي مع لقب "حميراء"، قاموا بتعريب
اسمها وتحريفه ليصبح "صفراء" ([9]) وما يؤكد أن لقب "الحميراء"
لم يكن لقباً نبوياً عاطفياً، بل كان "وسماً عِرقياً" شائعاً في
بيئة الصراع السياسي آنذاك، ما ورد في (مسند الحارث) من وصف تزاحم الموالي
(الأعاجم) في مجلس علي بن أبي طالب، حيث قال الأشعث بن قيس مستنكراً: "يا
أمير المؤمنين غلبتنا عليك هذه الحميراء على وجه" ([10]) هذا التحريف اللوني والموضعي المتعمد
-باستعارة لقب كان يُطلق على الأعاجم وإلباسه لعائشة رضي الله عنها- هو بصمة
واضحة لعملية الصناعة السردية الموجهة لخلق "نمط لوني" متطابق
(صفراء مقابل حميراء).
- كسر حصانة "الزوجة": كان الهدف من اختلاق هذه القصة المقطوعة عن التراث اليهودي هو
إرساء قاعدة في اللاوعي الإسلامي مفادها: "ليس كل زوجات الأنبياء
مقدسات". فإذا كانت زوجة موسى قد تمردت وأخطأت، فمن المقبول أن تتمرد
عائشة وتكون هي المخطئة في صراعها مع علي.
- التمرد العسكري ورمزية الدابة: لتمرير هذا المخطط، أوردت المرويات (ولا أصل لها في التوراة) أن
"صفراء" قادت تمرداً عسكرياً ضخماً ضد الوصي يوشع بن نون، وأنها
خرجت تركب دابة لافتة لتكون مركز المعركة، حيث نصت الروايات على أنها:
"خرجت على يوشع بن نون راكبة زرافة"
([11]). وهو استنساخ مصنوع ليطابق تفاصيل يوم
الجمل وهودج عائشة رضي الله عنها.
- الهزيمة والعفو: كما انتهت موقعة الجمل بعفو علي بن أبي طالب عن عائشة رضي الله
عنها احتراماً لمقام النبوة؛ صاغ الرواة ذات النهاية للأسطورة، حيث هُزمت
"صفراء"، وحين أراد البعض النيل منها، رفض يوشع قائلاً مقالته التي
تحفظ مقام النبي: "أبعد مضاجعة موسى لها؟ ولكن أحفظه فيها"([12]) . إن هذا التطابق يثبت أن القصة برمتها
صُنعت في المطبخ المذهبي لتطبيع الأحداث السياسية بأثر رجعي.
إن هذا التطابق الحرفي في سرد الأحداث،
سواء عبر استيراد الحبكة النصرانية (المجدلية) أو اختلاق الحبكة المذهبية (صفراء
بنت شعيب)، يثبت أننا أمام سردية مُركّبة ومصنوعة. من الوارد جداً أن تكون شخصية
عائشة رضي الله عنها بالصيغة المروية هي شخصية وهمية بالكامل، اختلقها القصاصون
لخدمة أغراض مذهبية. أو، وهو الأرجح، أنها شخصية حقيقية وزوجة طاهرة محترمة، لكن
الرواة طمسوا سيرتها الحقيقية، وألبسوها ثوب "المجدلية" وأسطورة التمرد
العسكري لتبرير الانقسامات السياسية الطاحنة. وعلى المؤمن التقي أن يرفض هذه
المرويات، وينزه بيت النبوة عن هذه الإسقاطات المذهبية الخبيثة.
إن هذه المقالة لا تلغي مكانة زوجات
النبي الطاهرات رضي الله عنهن، بل هي محاولة نقدية لتجريد السيرة النبوية من
الإسقاطات السياسية والحبكات المستوردة والمصنوعة التي تراكمت عبر العصور، وإعادة
الاعتبار للشخصيات التاريخية بعيداً عن أساطير الرواة وتلفيقات المذاهب.
هذا والله أعلم.
هل لديك نظرة أخرى
أطرحها هنا كي نستفيد من علمك