الجري في المعاجم:
أصل واحد وهو انسياح الشيء. وجرى الدم
والماء أي سال خفيفاً متتابعاً. وهناك حديث "لا يجرينكم الشيطان" وهناك
السفينة الجارية والشمس كذلك، والجارية من النساء. أما قولهم أيام جرائها أي أيام
صباها، والأجير مأخوذ من ذلك ([1])
الخلاف
بين المعاجم وابن جني:
على
خلاف المعاجم التي تفصل مادتي (جَرَى) و(جَرَّ) فصلاً تامّاً لاختلاف الحرف الأخير،
يميل ابن جني في نظريته إلى الجمع بينهما لوحدة الجرس الصوتي في الجيم والراء. وقد
أشار في كتابه الخصائص، إلى قوة هذا الترابط العميق بين الألفاظ المتشابهة واصفاً إياه
بقوله: «هذا غور من العربية لا ينتصف منه ولا يكاد يحاط به» ([2]) فهو يرى أن تشابه المبنى يستلزم
بالضرورة تشابه المعنى، مما يجعلنا نرجح كفة ابن جني في أن (الجري) ليس مستقلاً بالحركة،
بل هو فرع عن (الجر) والسحب، بخلاف ظاهر التبويب المعجمي.
الجري في القرآن:
لا تسعفنا المعاجم كثيراً في فهم جذر
الجري، لكن بتأمل بسيط في القرآن يتبين لنا معناه الحقيقي. وقد ورد جذر الجري 64
مرة، وكلها تشير إلى جري الكائنات غير العاقلة أو فاقدة الإرادة والحياة. وذلك
ببساطة لأن الجري أصله من الجر، فتلك الكائنات يتم جرها جراً لا نراه، أي هي تُسحب
ولا تسير من تلقاء نفسها. وقد اكتشفنا اليوم أسبابه، وهي ما يسمى بالجاذبية، فهي
التي تجُر تلك الكائنات المذكورة في القرآن، كذلك الرياح تجر مثل غيرها.
موسى يجر هارون:
{ وَأَخَذَ بِرَأۡسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُۥٓ} [الأعراف: 150].
هذا مثال صارخ على أن الجر هو السحب، وأن
جرى وإن بدا فعلاً لفاعل هو سحب فقط، ولكن لأن الساحب مخفي لا نراه، فقد استخدم
القرآن لفظة جرى لأن العقول في تلك العصور سوف تشوش وقد تنكر وتصاب بفتنة.
الأنهار
تُجر أي تُسحب:
{لَهُمْ جَنَّٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَٰرُ}
[البقرة: 25].
فالأنهار تُجر، ولأن من يجرها مخفي عن
أعيننا فهي لنظرنا القاصر نراها كأنها تجري وحدها
العيون
تُجر:
{ فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ } [الرحمن: 50].
ومثل الأنهار العيون كذلك، تجري بفعل
الجاذبية، وهذا يعني أن تلك الأنهار والعيون تسقط من أعلى الجبال في الجنة وتمر
بجوار مساكن أهلها.
الكواكب
والنجوم تُجر:
كذلك الكواكب والنجوم فهي تجري، لأن هناك
من يجرها بفعل قوى الجاذبية العظمى التي لا نراها، فحتى الشمس تُجر يجرها شيء أكبر
منها، ولأننا لا نراه فنحن نحسبها تجري من ذات نفسها. أو أننا فهمنا خطأً معنى
الجري فأطلقناه على الكائنات الحية ذات الإرادة وهذا لا يصح وقد صححه القرآن لنا.
{ وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا
ذَٰلِكَ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ } [يس:
38].
فالشمس سوف تستمر بالجريان يجرها شيء
مخفي عن أعيننا، وهو شيء أكبر منها، حتى تستقر في مكان أبدي، ومن المرجح أن الذي
يجرها هو العرش، لأنها ستستقر يوم القيامة عنده.
كذلك القمر يجري بغير إرادة منه ثم يستقر
كما الشمس
{ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ
يَجْرِي إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى } [لقمان:
29].
السفينة
تُجر:
{ إِنَّا لَمَّا طَغَا الْمَاءُ حَمَلْنَٰكُمْ
فِي الْجَارِيَةِ } [الحاقة: 11].
ثم تحدث القرآن عن الفلك وهي السفينة وهي
الجارية، فكلها تشير إلى ذات الشيء وإنما يذكرها بصفاتها، وقد سميت بالجارية لأن
هناك من يجرها، يسحبها وإن كان لا يظهر لأعيننا من يجرها.
لكن البشرية في عصر الرسول أدركت أن جري
السفن يحدث بسبب الرياح، فهنا حدد لهم الفاعل فالفلك لا تتحرك من ذات نفسها، بل بفعل
الرياح ولو كان البشر في زمن الرسول، يدركون فعل الجاذبية في الشمس والقمر لذكر
القرآن لهم ذلك.
{ وَمِنْ ءَايَٰتِهِ أَن يُرْسِلَ الرِّيَاحَ
مُبَشِّرَٰتٍ وَلِيُذِيقَكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ
} [الروم: 46].
{حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ
بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ} [يونس: 22].
الريح
تجري:
{ فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ
رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ } [ص: 36].
ثم يتبين لنا أن الريح هي أيضاً تجري،
فهناك من يجرها وهي بدورها تجر السفن وتجر السحاب، فهذا النبي الكريم سليمان سُخرت
له الرياح فهو يجرّها بطريقة لا نعلمها اليوم، وهي بدورها تجر السحاب الذي ينزل
المطر حيث يريد. ولدينا اليوم بعض العلم عن حركة الرياح وما يجعلها تجري أي ما
يجرها مثل الحرارة والضغط وغيرها من العوامل.
وفي هذا إعجاز علمي لمن كان له قلب أو ألقى
السمع؛ إذ كيف لنبيٍّ في بيئة صحراوية بسيطة، وفي عصرٍ يفتقر لأدنى أبجديات العلوم
الكونية، أن يقرر هذه الحقيقة الدقيقة؟ فالرياح التي نراها تَجُرُّ السفن وتدفع السحاب،
هي في حقيقتها "جارية"، أي: مسحوبةٌ ومقهورة لقوىً خفية تحركها، وليست متحركةً
من تلقاء نفسها.
الخلاصة:
أن الجري في القرآن هو للكائنات فاقدة
الإرادة، وهو من الجرّ، أي السحب، فالشمس يتم جرها فهي تجري، والقمر، والسحاب،
والسفن والأنهار، وكل شيء يتحرك بغير إرادة منه فهو مجرور، ولأن أعيننا لا ترى فعل
القوى الخفية فنحسب أنها تجري من ذات
نفسها.
وحتى التراث يؤكد ذلك، فالجارية سميت
بذلك لأنها تفعل ما تفعل عن غير إرادة منها، بل يأمرها سيدها، وحديث الرسول"
لا يجرينكم الشيطان "([3]) فيعني لا يحولكم الشيطان
إلى كائنات مسلوبة الإرادة يحركها كيف يشاء كما تتحرك السفن والكواكب.
وحتى السيارات اليوم والسفن، فكلها تجري
أو تُجر، فالمكائن هي التي تجرها، ولهذا لا يصح أن نقول إن الإنسان يجري، لأنه
يتحرك وفق إرادته فهو ينطلق أو يركض أو يسعى لكنه لا يجري لأنه لا يُجر إلا إذا
كان مسلوب الإرادة.
وكذلك لفظ (الأجير)، الذي يلتقي مع (الجرّ)
و(الجري) في غالب الحروف (الجيم والراء)؛ فكأنه سُمّي بذلك لأنه يُجرُّ إلى العمل ويُساق
بإرادة مستأجره لا بإرادته المستقلة، فيكون مسخّراً لغيره تماماً كالكواكب المسخرة
هذا والله أعلم
علي موسى الزهراني
هل لديك نظرة أخرى
أطرحها هنا كي نستفيد من علمك