الشفق في القرآن المكرم
بقلم: علي موسى الزهراني
مقدمة: تحرير الجذور من المجاز
يتطلب التدبر في كتاب الله المكرم تجريد
الكلمات من العوالق الشعورية التي طمست دلالاتها المادية الدقيقة. فكل كلمة شعورية
ونفسية في اللسان العربي ما هي إلا صدى للمشاهد المادية البحتة التي يراها العربي
أمامه في بيئته، فاخترع لها كلمة تصف هذا المشهد، ثم استخدمها ليعبر عما يحدث في
نفسه. في هذا المقال، نعيد قراءة جذر (ش ف ق) لنستخرج مشهده المادي المباشر،
وكيفية تفاعله في السياق القرآني بعيداً عن حشو الترادف.
أولاً: الشف والشفق في المعجم
أصل واحد يدل على رقة في الشيء. وأشفقت
من الأمر أي رققت وحاذرت. والشفق هو النُّدأة التي تُرى في السماء عند غروب الشمس
وهي الحمرة، وسُميت بذلك لرقّتها. وأشفق العطاء أي قلله. والشَّفَقُ أي الرديء من الأشياء
([1]) ويرى
الرازي أن شفَّ عليه ثوبه أي رقَّ حتى يُرى ما تحته، وثوب شِفٌّ أي رقيق ([2])
ثانياً: ماذا يقول العلم في الشفق؟
أصل الكلمة من الكتلة (شف) الدالة على
الرقة، وبدخول حرف (القاف) عليها، انتقلت هذه الرقة إلى طور مادي حرج؛ فالإشفاق
في أصله هو: المرحلة التي تسبق التكسر أو الثقب أو التقطع.
ولتقريب المشهد: لنتخيل قطعة خشب صلبة
تتعرض لضغط متواصل؛ فقبل أن تنكسر، تمر بمرحلة "الترقق" وفقدان الكثافة،
فتصبح في حالة ضعف شديد (شفق) تجعل أي زيادة في الضغط تؤدي لتحطمها.
الحقائق العلمية وتمثلها في "ترقق
الضوء": يقرر القرآن حقائق علمية بكلمات مادية دقيقة؛ فالشفق في السماء هو
مشهد يصف "ترقق الضوء". ففي وقت الظهيرة، يكون الضوء كثيفاً وقوياً
(النهار). ولكن عند الغروب، يميل مسار الضوء ويضطر لقطع مسافة أطول عبر الغلاف
الجوي، وهذا المسار الطويل يمثل "مقاومة" تشتت ألوانه القوية، فلا يتبقى
إلا الضوء الأحمر الرقيق الضعيف. إذن، الضوء تعرض لضغط أزال كثافته
و"ترقق" ووصل إلينا في طور "الشفق"؛ أي في أضعف حالاته
البنيوية قبل أن يتلاشى تماماً ([3])
المعادلة المادية بين الخشية والإشفاق: ارتباط (الإشفاق) بـ (الخشية) في القرآن هو ارتباط سبب بنتيجة. فقد
بينا سابقاً أن الخشية هي الضغط العمودي الذي يجبر الكتلة على الانكماش. ومن الناحية الفيزيائية، فإن الضغط
المستمر (الخشية) يؤدي حتماً إلى ترقق المادة وضعفها (الشفق). فالخشية (الضغط
الهائل من جلال الله) هي التي تُجبر غلظة القلوب وكثافتها على الترقق والتحول إلى
حالة الهشاشة المادية (الإشفاق) استعداداً للتذلل والانكسار بين يدي الخالق.
ثالثاً: أخطاء اللمفسرين
عند المرور على معظم التفاسير القديمة،
نجدها تذهب إلى أن الإشفاق هو الخوف والخشية([4]) . وهذا التفسير مرفوض مادياً لسببين:
1. الوقوع في الحشو: إذا كان الإشفاق هو الخشية، فسيصبح المعنى (يخشى من خشية الله)، وهذا
خلل لا يستقيم مع بلاغة النظم.
2. استحالة التطبيق: الإشفاق في القرآن أُسند للجمادات والسموات والأرض، وهي لا تملك
مشاعر نفسية، بل تملك أحوالاً مادية كالترقق والهشاشة أمام عظمة الخالق.
رابعاً: ما يقوله القرآن في الشفق
- { وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا
فِيهِ } [الكهف:
49]: أي زالت غلاظة نفوسهم، ورقّت وضعفت قواهم المادية، وأصبحت أرواحهم في
مرحلة الهشاشة التي تسبق الانهيار من هول ما أحصاه الكتاب.
- { تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا } [الشورى: 22]: يؤكد فقدانهم للصلابة؛ حيث ترق قواهم وتصبح هشة
مهيأة للانكسار أمام ثقل ما كسبوا.
- { وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ وَهُم مِّنْ
خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ } [الأنبياء:
28]: نجد الملائكة تحت ثقل (ضغط) عظمة الله، مما جعل بنيتها في حالة (ترقق
وتذلل) دائم، فلا يملكون "صلابة" المبادرة بالشفاعة إلا بإذنه.
- { إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ
وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا } [الأحزاب: 72]: هذه الكائنات الصلبة أدركت مشهد (الشفق)؛ أي
الترقق المادي الذي سيصيب بنيتها لو حملت ثقل الأمانة، فامتنعت لعدم قدرتها
على الصمود.
- { قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ } [الطور: 26]: تصف الآية حال المؤمنين؛ كيف أن ضغط خشية الله
جعل قلوبهم رقيقة لينة، خالية من غلظة القسوة والنسيان.
- { فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ
} [الانشقاق:
16]: قسم بمشهد "ترقق المادة والضوء"، وهو إشارة كونية مهيبة ليوم
القيامة المذكور في السورة، حيث يتسع هذا الترقق المادي ليبلغ منتهاه
استعداداً ليوم الفصل {وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا}.
الخلاصة
إن الإشفاق كحالة مادية يعني: الترقق، والهشاشة البنيوية، والوصول
للمرحلة التي تسبق التكسر والانهيار. فالمؤمنون والملائكة في حالة ترقق داخلي وخضوع أمام ثقل وضغط الخشية،
والجبال والسموات أدركت هشاشتها (أشفقن) أمام ثقل الأمانة فامتنعت.
هذا والله أعلم
هل لديك نظرة أخرى
أطرحها هنا كي نستفيد من علمك