أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

حسب في القرآن المكرم



حسب في القرآن المكرم

علي موسى الزهراني



المقدمة:

يبحث هذا المقال في الجذر القرآني (حسب)، متجاوزاً فكرة الترادف الشائع، للوصول إلى أصله المادي الدقيق. ولضبط البوصلة المنهجية، يجب أن نفرق بدقة بين الأفعال التي تبدو مترادفة ظاهرياً: فـ (الجمع) هو لملمة الماديات وتكويمها في حيز واحد، و(الحصر) هو تطويقها بسور مادي، و(العد) هو المرور التسلسلي الخطي المفرّد، و(الإحصاء) هو الحصر البياني الشامل بحيث لا يضيع شيء، و(التحصيل) هو استخراج وفرز اللب من الشوائب. أما (الحساب) موضوع مقالنا، فهو معالجة وتقدير الأرقام والقيم والمقادير (سواء كانت متضامنة أو متعارضة) للوصول إلى النتيجة التقديرية أو المقدار الصافي. ولتأصيل ذلك، سنتتبع دلالات الجذر في المعاجم العربية، ونقارنها بنظائرها في اللغات السامية، ونستعرض ما ذهب إليه المفسرون، قبل الغوص في تطبيقاته المحكمة داخل النص القرآني.

حسب في المعاجم (لغة):

الحُسبانة هي الوسادة من الأدم. ولأحسِبنكم من الأسودين أي لأوسعن عليكم من التمر والماء. وأحسب الرجل أي أطعمه وسقاه حتى يشبع. وإبل مُحسِبه أي لها لحم وشحم كثير. والحسبان هو السهام الصغار. وحسبُ أي يكفي. وأحسبه أي أعطاه فأكثر أو أعطاه ما يُرضي. وذو حسب أي ذو قدر ومكانة. وحسبُ المرء أي دينه. والحسْبُ هو العدّ. والمحاسبة هو عرض كل أعمال الشخص وتقويمها. والحِسبة هي التدبير والنظر. ويحتسب الأخبار أي يتحسسها ويطلبها. وحسِبه أي ظنه ([1])

حسب في اللغات السامية:

تُظهر المعاجم اللغوية للغات السامية القديمة أن الجذر (حسب) وما يقابله صوتياً (ح ش ب)، يحمل دلالات مادية متقاربة. ففي اللغة العبرية التوراتية، نجد الجذر (חָשַׁב - āša) يُستخدم في سياقات تعني "النسج" أو "الضفر والتداخل"، أي إدخال خيوط أو عناصر مختلفة وتشابكها مع بعضها البعض. ومن هذا الاستخدام المادي تولدت المعاني العقلية للجذر كالتفكير، والتقدير، والتخطيط، وإجراء العمليات الحسابية. كما يظهر الجذر في اللغتين الآرامية والسريانية بصيغة (ܚܫܒ - ša) ليدل على معاني التقدير الرياضي، والحساب، وتقدير الأشياء.

أقوال المفسرين:

فيما يخص الآيات المكرمة، وتحديداً قوله تعالى: {الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ}، فقد جاء في تفسيرها عند أهل التراث ما يلي:

قال الطبري: "اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معناه: الشمس والقمر بحسبان، ومنازل لها يجريان ولا يعدوانها... وقال آخرون: يجريان في حساب... يحسب بهما الدهر والزمان، لولا الليل والنهار والشمس والقمر لم يدرك أحد كيف يحسب شيئاً" ([2])

وجاء في تفسير القرطبي للآية ذاتها: "أَيْ يَجْرِيَانِ بِحِسَابٍ مَعْلُومٍ... وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ وَابْنُ كَيْسَانَ: يَعْنِي أَنَّ بِهِمَا تُحْسَبُ الْأَوْقَاتُ وَالْآجَالُ وَالْأَعْمَارُ"([3])

ما يُستشف من ذلك:

من خلال التتبع الدلالي للجذر، ومقارنته بنظائره في اللغات السامية، وأقوال المفسرين، تبرز لنا صورة متكاملة لأصل هذا الجذر ومساره. ففي حين تكشف اللغات السامية عن الأصل المادي المتمثل في "النسج والضفر" (تداخل عناصر لتكوين نسيج واحد)، تأتي المعاجم العربية لتؤكد المعاني المتفرعة منه كاستخراج المقدار الصافي للوصول لحد الكفاية والرضا. المفسرون ركزوا على الأثر الظاهري، ففسروا "الحسبان" بضبط الأوقات.

وبالجمع بين هذه الروافد، يُستشف بوضوح أن المفهوم الجوهري لجذر "حسب" يدور حول أخذ عناصر متعددة وقيم متفرقة، وإدخالها في بوتقة واحدة لتتشابك، لإنتاج مقدار دقيق وموزون، بعيداً عن اللملمة والتكويم المادي للأشياء.

حسب في القرآن:

بناءً على ما سبق، تعني "حسب" وضع قيم ومقادير الأشياء في وعاء واحد لمعالجتها والخروج بالرصيد الصافي منها. فكما يحسب الشخص ما عليه من ديون وما لديه من أرصدة فيطرحها ليتبين له رصيده الحقيقي، فهذا هو الحساب الدقيق الذي يتعامل مع الأرقام والقيم والتقديرات، وليس مع الأجرام والماديات التي تخضع للجمع.

والملاحظات والأفكار تقوم على هذا الأساس، فأنت تشاهد شيئاً يتحرك من بعيد، فتضع الاحتمالات وترجح أحد الافتراضات بناء على المعطيات المتضاربة. حينها تقول "أحسبه حرباء"، ولن تقول أجزم ولن تقول أتيقن، لأنك تدرك أن حواسك قد تخدعك وأن النتيجة التقديرية قابلة للنقض.

الفرق الدقيق بين "حسِب" و "ظنّ":

الظن هو الجزم واليقين؛ سواء كان ظناً حسناً قائماً على معطيات حقيقية، أو ظناً باطلاً قائماً على أوهام، فيجزم صاحبه بلا دليل عقلي. أما "حسِب"، فهو النتيجة التقديرية الناتجة عن موازنة معطيات متضاربة وضعها العقل في وعاء واحد. فحين تحسب أمراً ما، فأنت تقر بوجود معطيات معارضة، وتدرك أن نتيجتك قابلة للنقض إذا طرأت معطيات جديدة، بينما في "الظن" يقع الجزم وينتفي التردد عند صاحبه تماماً. وهذا ما توصلنا إليه في مفردة الظن، فأنظر المقال هناك.

الحساب القائم على الحس:

المعلومات التي تأتي من الحواس تكون يقينية في الأصل، ولكن أحياناً يوجد تشويش يدركه المتلقي. الولدان في الجنة يرى الناظر مظهرهم كاللؤلؤ فإذا تحركوا علم أنهم الولدان {إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا}([4]). والجاهل يرى الفقراء بتعففهم فيقدر نتيجة خاطئة {يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ}([5]). والناظر يحسب أصحاب الكهف أيقاظاً لأن أعينهم مفتوحة {وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ}([6]). وبلقيس حسبت الصرح لجة، فاحتاطت وكشفت عن ساقيها {فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً}([7]). والعطشان يقدر المعطيات البصرية فيحسب السراب ماءً {يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً}([8]).

الحساب في  لآية المنافقين:

{يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ}([9]).

بناءً على الأصل المادي لـ (الصيحة) بأنها أي تشقق وتصدع ينتج عن صوت مخفي، يتجلى المعنى الميكانيكي لـ "الحساب" هنا. المنافقون لا يرتعدون من "صوت مرتفع"، بل يراقبون "التصدعات والشقوق" داخل نسيج المجتمع. وهنا يقومون بعملية (الحساب): يجمعون معطيات هذا التصدع في وعاء واحد، ويقدرون قيمه المتعارضة، ليستخرجوا "النتيجة التقديرية" التي تُمكّنهم من اللعب على المتناقضات لتوسيع التصدع. فهم في حالة "معالجة حسابية" مستمرة لصدوع المجتمع، وهذا ما يجعلهم {هُمُ الْعَدُوُّ}. ولم يقل القرآن "يظنون"، لأنهم يجرون حسابات احتمالية متواصلة لا ترقى للجزم الثابت.

الحساب القائم على الملاحظة:

بعض الذين آمنوا يقدرون دخول الجنة بدون اختبار {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ}([10]). وحسب الكفار أن الحياة عبث لغلبة المعطيات التي تؤيد هذه الفكرة عندهم {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا}([11]). وبعض الذين آمنوا يقدرون أن رمي المحصنات بتهمة الزنا لا عقاب عليه {وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا}([12]). وعباد الدنيا يقدرون أنهم يحسنون عندما يتكالبون عليها {وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا}([13]). فهذه حسابات عقلية، الغني يحسب أن الله راضٍ عنه بما أنه في نعيم، وهو لا يجزم (لا يظن)، لكنه يرتاح لهذه النتيجة التقديرية لغياب المعطيات المعارضة القوية في نظره.

لا تحسبنّ:

{لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ} [النور: 57]

وردت بنون التوكيد الثقيلة لتؤكد الأمر، وتقول للمؤمنين: لا تضيعوا وقتكم بتقدير نتيجة خاطئة بناءً على الظاهر، وإنما هو أمر يحتاج بعض الوقت لتظهر النتيجة الحقيقية التي تخالف حساباتكم المبدئية.

الحسيب:

{وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا} [النساء: 6]

{اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا} [الإسراء: 14]

الحسيب هو الذي يقدر ما لك وما عليك ليستخرج رصيدك الصافي. ولو أن كل إنسان قرأ كتابه بنفسه فسيكون قادراً على أن يحاسبها، أي يقدر رصيده من خلال كتابه الذي يقدم تقييماً رقمياً لأعماله.

حسبه الله / حسبه جهنم:

{فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ} [الأنفال: 62]

{فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ} [البقرة: 206]

كلمة (حَسْب) بصيغة الاسم هنا لا تعني "الكفاية" بمعناها العاطفي المجرد، بل تعني "القيمة النهائية" أو "الرصيد الصافي المتغلب" الذي يُغلق وعاء الحساب ويحسم المعادلة. ففي الآية الأولى، عندما يضع الأعداء معطيات مكرهم وقوتهم في وعاء الحساب، فإن إدخال قيمة "نصرة الله" في المعادلة يلغي ويُصفّر فوراً كل المعطيات المضادة؛ فالله هو رصيدك الصافي المتغلب الذي ينهي عملية الحساب لصالحك تماماً ولا يترك حاجة لإضافة أي قوة أخرى. وفي المقابل، فإن المتكبر المفسد الذي يضع في وعاء حسابه قيماً متضخمة من الغرور والعزة بالإثم، تتم معالجة معطياته لتكون "جهنم" هي النتيجة الحسابية الصافية والمطابقة لمعادلته، فهي الرصيد النهائي الذي يقابل كفة إفساده ويغلق وعاء حسابه بالخسارة.

حسبنا ما وجدنا:

{قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا} [المائدة: 104]

يقصدون أن عقائد آبائهم هي القيمة النهائية التي يضعونها في معادلة حسابهم، وهي كفيلة بترجيح الكفة وإغلاق وعاء الحساب لديهم، ولا يحتاجون لإضافة معطيات جديدة لمعادلتهم. أي مهما أتيت بمعلومات جديدة مؤثرة، فإن ما قاله الأقدمون هو الغالب في الحسابات.

سريع الحساب:

{إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [إبراهيم: 51]

حساب يوم القيامة يتم فيه تقدير ما لك وما عليك والخروج برصيدك الصافي. ورغم أن البشر بالمليارات، فإن استخراج هذا المقدار التقديري يتم بسرعة إلهية مذهلة.

بغير حساب:

{وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [البقرة: 212].

يتجلى هذا المعنى بوضوح في قوله تعالى لسليمان عليه السلام: {هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [ص: 39]. الإنسان العادي عندما يعطي، يضطر لعمل "حساب" فيطرح ما سيعطيه من رصيده ليرى مقداره المتبقي خشية النفاد (يحسب بالقطارة). لكن المولى يقول لسليمان: إن هذا المُلك من الوفرة بحيث لا تحتاج لإجراء معادلة الجمع والطرح قبل العطاء، فأعطِ ما تشاء بغير حاجة لعمل "حساب" لأرصدتك، ولما سوف تعطيه الآخرين.

يوم الحساب:

{وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ} [ص: 16]

يوم مخصص لتقدير الأرقام والقيم ليدرك كل شخص رصيده النهائي.

الحسبان:

{الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} [الرحمن: 5].

القمر لا يتحرك في مداره إلا تحت تأثير قوى متضادة (جاذبية لأسفل وقصور ذاتي للخارج). عندما يتم تقدير هذه القوى المتعارضة الدقيقة (عملية الحساب الفيزيائي)، تظهر لنا النتيجة: قمر متحرك في فلك مستقر بناءً على هذا التقدير الرقمي.

الخاتمة:

تأسيساً على ما سبق، فإن (الحساب) هو عملية معالجة لمقادير وقيم متضاربة أو متضامنة داخل وعاء واحد، لاستخراج المقدار الصافي والنتيجة التقديرية. وهو يختلف جذرياً عن الأفعال التي تبدو مرادفة له؛ فـ (العدّ) هو المرور التسلسلي الخطي المفرّد لمعرفة المقدار، و(الإحصاء) هو الحصر البياني الشامل للأرقام بحيث لا يضيع منها شيء، و(الجمع) هو لملمة الماديات وتكويمها في حيز واحد دون تسويرها، بينما (الحصر) هو لملمتها مع تطويقها بسور مادي.

أما قوله تعالى (بغير حساب) فيعني العطاء بلا تقدير أو إجراء معادلات الوفرة والنفاد، لاتساع خزائن المعطي وعظيم كرمه. و(الحسبان) الوارد في حركة الشمس والقمر، يشير إلى المنظومة الفيزيائية الدقيقة التي تُعالج فيها قوى متعارضة (كالجاذبية والقصور الذاتي) لينتج عنها مدار مستقر لا يختل بناءً على هذه النتيجة التقديرية.

وعندما نقول (حسبنا الله)، فهذا يعني أن نصرة الله ومعيته هي القيمة المطلقة التي نُدخلها في معادلة حساباتنا، فتلغي بوزنها أي قوى أو معطيات مناقضة، وتكون هي رصيدنا الصافي المتغلب الذي يحسم المعادلة ويغلق وعاء الحساب لصالحنا. وعلى النقيض، فإن الكافر عندما تُجمع معطيات عمله السيئة وتُعالج، تكون النتيجة الصافية لعملية التقدير هي أن (حَسْبَهُ جهنم)، أي أنها رصيده النهائي والمطابق لمعادلته، والذي يغلق وعاء حسابه بالخسارة.

هذا والله أعلم


([1])  المعجم الاشتقاقي المؤصل (1/ 425)

([2])«تفسير الطبري» (22/ 9 ط التربية والتراث):

([3]) «تفسير القرطبي = الجامع لأحكام القرآن» (17/ 153):

([4]) [الإنسان : 19]

([5]) [البقرة : 273]

([6]) [الكهف : 18]

([7]) [النمل : 44]

([8]) [النور : 39]

([9])  [المنافقون : 4]

([10]) [البقرة : 214]

([11]) [المؤمنون : 115]

([12]) [النور : 15]

([13]) [الكهف : 104]

ali
ali
تعليقات
    جاري استحضار النفحات القرآنية...