دلالة مفردة "الجمع" في القرآن
الكريم
بقلم: علي موسى الزهراني
المقدمة:
متى نقول "جَمَعَ" ومتى نقول
"عَدَّ"؟ وما هو الفارق الدقيق بين "جَمَعَ"
و"أحصى" في اللسان العربي وفي الاستعمال القرآني؟ ولماذا يستخدم القرآن
الكريم مفردة "الجمع" في مواضع، بينما يختار "الإحصاء" أو
"العد" في مواضع أخرى؟ هل "الجمع" عملية مادية حقيقية تتطلب
ضم الأشياء في حيز مكاني، أم هو عملية ذهنية ورقمية؟
وعندما يتحدث المولى عن العظام في قوله:
{أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ}، أو عن الأجرام في قوله: {وَجُمِعَ الشَّمْسُ
وَالْقَمَرُ}، أو حتى عن حشود البشر، لماذا اختار "الجمع" ولم يختر
الحساب أو الإحصاء؟ وكيف يكشف لنا هذا التفريق الصارم عن دقة المفردة القرآنية
التي تضع كل كلمة في موضعها الفيزيائي والمادي الدقيق؟ في هذا البحث، نفكك جذر
(جمع) ونطرحه على ميزان الدلالة لنرى كيف يفترق كلياً عن الإحصاء.
مادة (جمع) في المعاجم:
"جَمَعَ" أصل واحد يدل على
تضام الشيء. والجِماع: الأشابة من قبائل شتى. وإذا ماتت المرأة وهي حامل قالوا:
ماتت بِجُمع. والجامع: الأتان أول ما تحمل. وقدر جِماع: أي عظيمة. والجمع: كل نوع
من النخل لا يُعرف اسمه. وضربته بجُمع كفي: أي بكله. وجَمع: هو مكة لاجتماع الناس
بها. والجمعة: سميت بذلك لاجتماع الناس فيها. وفلاة مجمعة: أي يجتمع الناس فيها.
والجَمْع: الصمغ الأحمر. والمجمَعة: هي
ما اجتمع من الرمال والأرض القفر. والجميع: هو الجيش أو الحي المجتمع. وجَمَع
الشيء: أي جاء به من هنا وهناك. واستجمع السيل: أي اجتمع من كل موضع ([1]) .
دلالة "الجمع" في القرآن
الكريم:
باستقراء النصوص القرآنية، نجد أن
"الجمع" يعني ضم الأشياء المادية إلى بعضها في حيز مكاني واحد. فهو
يختلف جذرياً عن "الإحصاء" (كما سيتضح عند دراسة جذر أحصى)، حيث يختص
الجمع بضم الأعيان المادية دون غيرها، وبيان ذلك فيما يلي:
1. الجمع بمعنى الجيش:
معظم نصوص القرآن التي ورد فيها لفظ
"الجمع" معرّفاً بـ (أل)، يُقصد بها تحديداً حشود الجنود للقتال؛ فالجيش
يسمى جمعاً لأنه تم تجميعه فيزيائياً للحرب. وقد تتبعنا آيات الجمع التي تدل على
الجيش فوجدناها سبع آيات، منها:
- {يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ} [آل
عمران: 155].
- {وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى
الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ} [آل عمران: 166].
- {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا
لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ} [آل عمران: 173].
- {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ
الدُّبُرَ} [القمر: 45].
- {مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً
وَأَكْثَرُ جَمْعًا} [القصص: 78].
وعندما التقى موسى -عليه السلام- ومن معه
بفرعون وجنوده، وصفهما القرآن بأنهما "جمعان" لالتحامهما في حالة قتال:
{فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ}
[الشعراء: 61].
أما "الأمر الجامع"، فيُقصد به
استنفار الجيش وتجميعه للدفاع أو القتال، وهو حشدٌ لم يكتمل بعد في أرض الواقع:
{وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَّمْ يَذْهَبُوا حَتَّى
يَسْتَأْذِنُوهُ} [النور: 62]. وكذلك في قوله: {قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا
ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ} [سبأ: 26].
2. يوم الجمع (يوم القيامة):
من أسماء يوم القيامة "يوم
الجمع"، لأن الله عز وجل يجمع أجساد البشر فعلياً ومادياً على صعيد واحد:
- {يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ
الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ} [التغابن: 9].
- {هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ
جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ} [المرسلات: 38].
3. جمع العاديات:
في قوله تعالى: {فَوَسَطْنَ بِهِ
جَمْعًا} [العاديات: 5]، وبناءً على اجتهادنا التفسيري في سورة العاديات، يُقصد
بها الملائكة التي تأتي لإنزال العذاب، فتقوم بحشر المكذبين وجمعهم مادياً في وسط
المكان الذي يقع فيه العذاب لمنعهم من الفرار. ولهذا استُخدمت لفظة "جمع"
للدلالة على الحشر المادي للأجساد.
4. جمع المال:
- {وَجَمَعَ فَأَوْعَى} [المعارج:
18].
- {الَّذِي جَمَعَ مَالًا
وَعَدَّدَهُ} [الهمزة: 2].
نظراً لأن الأموال أعيان مادية (كالذهب،
الفضة، العقار، الماشية)، استُخدم معها فعل "الجمع" للدلالة على التكديس
المادي والضم الحقيقي للأشياء بعضها إلى بعض.
5. جمع الشمس والقمر:
في قوله تعالى: {وَجُمِعَ الشَّمْسُ
وَالْقَمَرُ} [القيامة: 9]، يشير النص إلى حدث فيزيائي يوم القيامة، حيث يغادر
القمر مداره ليجتمع بالشمس اجتماعاً مكانياً ومادياً.
6. جمع العظام:
في قوله: {أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن
نَّجْمَعَ عِظَامَهُ} [القيامة: 3]، دلالة صريحة على الضم المادي للعظام المتفتتة
المتفرقة، رداً على الاستبعاد المادي الذي طرحه منكرو البعث.
7. جمع المصحف:
في قوله تعالى: {إِنَّ عَلَيْنَا
جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} [القيامة: 17]، تدل الآية على الجمع المادي للصحف التي كانت
تتنزل على رسول الله ﷺ، كما تشير نصوص أخرى إلى وجود صحف مادية مطهرة تحملها
الملائكة، وتُتلى منها الآيات.
الخلاصة:
يتبين لنا أن مفردة "الجمع" في
الاستعمال القرآني تختص بضم الأشياء والأعيان المادية على حقيقتها وفي حالتها
الطبيعية (كجمع الجنود، العظام، الصحف، الأجرام، والأموال). ويقف هذا المعنى على
النقيض من دلالة "الإحصاء"، الذي يمثل لملمة للأشياء عبر مصغراتها
ونماذجها التجريدية كالأرقام والصور، وليس بضم أعيانها المادية.
هذا
والله أعلم
هل لديك نظرة أخرى
أطرحها هنا كي نستفيد من علمك