بعل في القرآن المكرم
متى يتحول الزوج إلى "بعل"؟
دقة القرآن المكرم في إبطال الترادف.
بقلم: علي موسى الزهراني
مقدمة:
يتميز اللسان العربي، وخاصة في استعماله
القرآني الدقيق، بصرامة مادية قاطعة لا تقبل إحلال كلمة مكان أخرى. فكل لفظة وُضعت
لتصوير هيئة مادية وفيزيائية وحركية محددة لا تشاركها فيها غيرها. ومن أكثر
الألفاظ التي تعرضت للتسطيح والخلط المفهومي في تراثنا هو جذر (بعل)، حيث جرى
مساواته اصطلاحاً وتفسيراً بكلمة (زوج)، رغم البون الشاسع بينهما في الوظيفة،
والهيئة، والمحرك المادي.
ففي حين يقتضي (الزوج) الاقتران المباشر
والتداخل الحميمي لإنتاج وحدة متكاملة، نجد أن (البعل) يُمثل في أصله الحركي
دلالات الاستعلاء، والرعاية، والإنفاق (من الأعلى إلى الأسفل) بمعزل تام عن التماس
الجسدي.
في هذا المقال، نُخضع جذر (بعل) لتشريح
مادي دقيق، متتبعين مادته الخام في المعاجم المعتمدة، وجذوره الضاربة في اللغات
السامية والأساطير القديمة؛ لنكتشف كيف استعمله القرآن المكرم بدقة متناهية لوصف
حالات محددة (كالشيخوخة، والطلاق الرجعي، والنشوز). وهي الحالات التي تسقط فيها
الحميمية والمقاربة، وتبقى فيها قوامة الإنفاق والرعاية، لنقف على الدقة المتناهية
في التفريق الصارم بين الهيئة المادية لـ (الزوج) والهيئة المادية لـ (البعل).
بعل في المعاجم:
له ثلاثة أصول: الأول بمعنى الصاحب،
ومنها "البعال" أي ملاعبة الرجل أهله. والثاني بمعنى نوع من الحيرة
والدهش، فـ "بَعِل الرجل" أي دَهِش. والثالث بمعنى المرتفع، فالأرض
"البعلة" هي المرتفعة التي لا يصيبها المطر إلا مرة واحدة في السنة ([1])
دلالة "البعل" في اللغات
السامية (إضاءة تأصيلية):
إذا تتبعنا هذا الجذر في عائلة اللغات
السامية القديمة، سنجد تطابقاً مذهلاً يؤكد أن كلمة "بعل" ترمز للسيد
والمنفق، وتُجرد من المعنى العاطفي والحميمي المباشر.
في الأكادية (Bēlu)
والأوغاريتية (Ba'lu)،
تعني الكلمة حصراً: "السيد"، "المالك"، "المسؤول عن
الإعالة"([2]) . فالجانب القانوني والسيادي هو جوهر الكلمة وليس الجانب الحميمي.
ويظهر هذا التفريق بوضوح قاطع في العبرية
التوراتية، وتحديداً في سفر هوشع ([3]) حيث يخاطب الرب إسرائيل
قائلاً: (وَيَكُونُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، يَقُولُ الرَّبُّ، أَنَّكِ
تَدْعِينَنِي «إِيشِي» -أي: رجلي/زوجي الحميم-، وَلاَ تَدْعِينَنِي بَعْدُ
«بَعْلِي» -أي: سيدي/مالكي-). هذا النص السامي القديم يثبت أن
"البعل" هو رتبة سيادية مالكة وراعية، تفترق تماماً عن رتبة الزوج
المقترن حميمياً.
المرويات في جذر "بعل":
لا نعلم عن صحة هذه المرويات، وهي ليست
موضع بحثنا هنا، وما يهمنا هو كيف استخدم الحديث جذر "بعل"، وهل يمكن أن
يقربنا من معناه؟
- الحديث الأول: (إنها أيام أكل وشرب وبِعال) ([4])
يقولون إن الرسول ﷺ قال هذا الحديث في
أيام التشريق، و"البعال" هنا زعم أصحاب المعاجم والتراث أنه المباشرة
والجماع. ونحن نرفض هذا التفسير رفضاً قاطعاً لأنه يصطدم بالواقع المادي والفقهي
الصارم لمناسك الحج. فمن المعلوم يقيناً أن شريحة ضخمة من الحجاج يقضون أيام التشريق في
خيام (مِنى) وهم على "التحلل الأصغر" فقط (إما لتأخيرهم طواف الإفاضة
بسبب الزحام، أو لوجود مانع بيولوجي كالحيض عند النساء الذي يمنع الطواف). وفي
حالة التحلل الأصغر، يُحرم الجماع تحريماً قاطعاً ويفسد الحج! فلو كان "البعال" يعني الممارسة الجنسية، لكان الحديث يبيح
الجماع لآلاف الحجاج الذين لم يتحللوا التحلل الأكبر، وهذا هدم لإجماع الأمة.
أضف إلى ذلك المانع المادي المتمثل في
انعدام الخصوصية في خيام مِنى المكتظة. إذن، التوصيف الميكانيكي الدقيق والوحيد الذي قصده الرسول الكريم لـ
"البعال" في هذه الأيام هو: الملاطفة، وحسن العشرة، والقيام على رعاية
الأهل وإطعامهم (أكل وشرب)، بمعزل تام عن الممارسة الجنسية. وهذا يثبت نظريتنا
بشكل قاطع: (البعل) يمثل هيئة الرعاية والإنفاق والقوامة عند توقف أو غياب التداخل
الحميمي.
- الحديث الثاني: أن رجلاً قال له: (أبايعك على الجهاد)،
فقال عليه السلام: (هل لك من بعل؟) ([5])
فسروه بأنه: هل لك من تعوله وترعاه؟ ونرى
أن الرسول يسأل ذلك الشخص عمن ينتمي إليه، ومن هو ولي أمره وشيخ قبيلته الذي قد
يعارض خروجه، وقد يكون له رأي آخر؛ لأن أمر القتال يجب أن يكون منظماً، ويكون لكل
جندي عشيرة أو قبيلة تزكيه، دفعاً لاحتمالية أن يكون جاسوساً أو غداراً.
- الحديث الثالث: (ما سُقي بعلاً ففيه العُشر) ([6])
قالوا في معناه: "ما شرب بعروقه من
الأرض من غير سقي سماء ولا غيرها". ويقصدون النخل الذي اعتمد على عروقه بدلاً
من السقي والأمطار. وفي المفهوم السامي، الزراعة البعلية هي التي تتلقى الإمداد
(الماء) عن بُعد دون احتكاك أو تدخل بشري مباشر باليد. ولهذا نرجح أنه سُمي بعلاً
لأنه يعول ويسقي ثماره من جهده بامتداد جذوره نحو الماء، أو يتلقى الغيث من
الأعلى، دون احتكاك مباشر أو ري صناعي.
- الحديث الرابع: (العجوة شفاء من السم، ونزل بعلها من
الجنة) ([7])
فسروا بعلها بأنه فسيلها الراسخة عروقها
في الماء. وقد يكون بعلها هنا هو المطر الذي يسقيها ويرعاها؛ لأن المقصود بالنزول
هو المطر في كلامهم وفي القرآن، وسوف يتبين لنا أن "بعل" هو مَلَك من
الملائكة مسؤول عن السقيا والأمطار.
أقوال عمر بن الخطاب:
- (قوموا فتشاوروا، فمن بعل عليكم
أمركم فاقتلوه).
- (من تأمر عليكم من غير مشورة، أو
بعل عليكم أمراً).
- (فإن بعل أحد على المسلمين -يريد:
يشتت أمرهم- فقدموه فاضربوا عنقه).
هذه المرويات عن عمر تشير إلى طبيعة
"البعل"، وهو القدرة على اتخاذ القرار لوحده، فهو قائد السفينة، ولهذا
يُطلق على الزوج ورب الأسرة بعل. وهنا يُحذر عمر من هذه الصفة في الشخصيات الطموحة
التي تتخذ القرار بنفسها دون الرجوع إلى أهل الحل والعقد([8])
بعل في الآثار والحفريات ([9]) :
- أسطورة بعل:
تزعم الأساطير أن بعل هو ابن
"داجون"، وقيل بل هو ابن "إيل" كما تشير المصادر الأوغاريتية.
ولبعل علاقة بشكل الثور لأنه يرمز إلى القوة والخصوبة. والعجيب أن هناك آلهة اسمها
(عناة) هي أخت بعل الكبرى وزوجته في نفس الوقت، لكنها "عذراء"، وهذا هو
المعنى الحقيقي لبعل في القرآن، كما سوف نرى.
- بعل نعت وليس اسم علم:
تذكر الموسوعات أن "بعل" نكرة
يدل على معنى السيد أو الملك، وفي نصوص أوغاريت تبين أن بعل هو الإله (هدد)، وتأتي
نكرة أيضاً فبعل تعني "سيد". وهو مثل "إيل" الذي هو اسم نكرة
يعني الإله، ويتطابق معنى بعل مع معنى رب.
ولأن بعل اسم نكرة، فكان يُلحق به اسم
آخر لكي يُعرّف، مثل اسم القبيلة التي تعبده أو المكان، ومن تلك الأسماء: (بعل
هامون، بعل أوم، بعل صور، بعل شميم أو شمين، بعل بك، بعل الأرض المحروثة، بعل
حمون، بعل سمين). ويرى جواد علي أن اسم بعل، وإيل، وأدون، وملك كانت في البداية
نعوتاً للآلهة ثم صارت أسماء أعلام لها.
و"هدد" الذي هو بعل من البعال،
هو المسؤول عن الخصوبة، والعاصفة، والمطر، والبرق. ويفسرون سبب قلة أمطار الصيف
بأن بعل يقيم في طبقات العالم السفلي في هذه الفترة. ولعل تسمية "الزراعة
البعلية" أُخذت من هذا الإله المسؤول عن الزراعة في مواسم الصيف.
وبعل أكثر حضوراً في حياة الإنسان في هذه
الأساطير؛ فهو لا يكتفي برعاية الإنسان وتوفير الطعام له، بل يشاركه في الحروب،
وهو عند الفينيقيين يساعدهم في البحار، على عكس الإله "إيل" المنعزل.
وكانوا يتقربون إليه بالهدايا والنذور،
وقد ظهرت عبادته عند الصفويين، والسبئيين، والحميريين، والكنعانيين، والآراميين،
والفينيقيين. وتذكر المصادر أن الآراميين عبدوا هدد وأسموه كذلك، بينما الكنعانيون
عبدوا بعل بهذا الاسم؛ أي أن "بعل" بعد أن كان نعتاً صار اسم علم.
- بعل وعرب المدن والبادية:
يبدو أن عرب المدن وعرب البلاد الزراعية
هم من تعرفوا على هذا الرب الأسطوري، فقد انتشرت عبادته في القبائل التي تزرع
ودخلتها الحضارة، على عكس عرب البادية أو ما يسمى بالأعراب أو القبائل ذات الأصول
الأعرابية القديمة. ونرجح أن قبائل الحجاز ذات الأصول البدوية مثل قريش، كانوا
يستخدمون كلمة "الرب" بدلاً من "بعل". ويرى "روبرتسن
سمث" أن العرب أخذوا اسم هذا الإله من الأقوام التي اشتغلت بالزراعة خاصة
زراعة النخيل، وهذا يؤكد أن لبعل علاقة بالزراعة والخصب.
- بعل عند اليهود:
قاوم النبي إلياس عبادة اليهود للإله بعل
بعد أن تزوج ملكهم من كنعانية وأقنعته بذلك، فتبعها هو وبنو إسرائيل، فكانت
النتيجة أن عاقبهم المولى بنقص المطر، الذي هو عمل الإله بعل في زعمهم، وتقول
كتبهم: "تركوا الرب وعبدوا البعل وعشتاروث" ([10])
- بعل وظيفة ملائكية:
نرجح بما يشبه الجزم أن "بعل"
هو نوع من أنواع الملائكة، وأن هذا الاسم ليس لمَلَك واحد، بل لعشرات الملائكة
المسؤولة عن هذا العمل. وقد شرحنا سابقاً أن المَلَك ليس له اسم شخصي مثلنا (محمد،
صالح، سعيد)، بل يُطلق عليه اسم حسب وظيفته، مثل المَلَك المسؤول عن الموت الذي
يُنعت بـ "مَلَك الموت". فكانت بعض الملائكة يُطلق عليها
"بعل" كصفة وظيفية، ولهذا وجدنا عشرات الأبعال في التاريخ، كبعل أوم،
وبعل سمين، وغيرهما الكثير.
فإذا كان بعل وظيفة ملائكية، ودرسنا
معناه لغوياً، سنجد أن "بعل" مشتق من "بَعَ" وهو تجمع الماء
المتسيب والمتهيئ للحركة في حيز يخرج منه، وقريب منه: بعر، وبعث، وبعد، وبعض؛ فترى
إحدى المعاجم أنها كلها تدل على الاحتباس قبل الخروج([11])
فإذا كان "بعل" وظيفة ملائكية،
ومعناها اللغوي هو الاحتباس في شكل من الأشكال ثم الخروج للعمل (وهو إنزال المطر
الذي يؤدي إلى رغد العيش)، فهذا يعني أن لكل منطقة "بعل" خاص بها ينشر
لها الرخاء بأمر من الله. ولهذا آمنت كل منطقة ومدينة وقبيلة ببعلها الخاص، فكان
"بعل كذا" يعني المَلَك الذي يوفر رغد العيش لهذه المدينة أو تلك
المنطقة.
إن المعنى الحقيقي لبعل عند الأقدمين هو
"رب"، فهو في معتقدهم ليس الإله الأكبر الذي خلق الكائنات، بل هو الرب
الذي اعتنى بتلك الكائنات بعد أن خلقها الخالق الأول؛ فهو الذي يوفر لها العيش
ويحمي المدينة. لهذا اندهش النبي إلياس من اليهود الذين تركوا عبادة الإله الذي
نعته بـ "أحسن الخالقين"، وعبدوا الملاك/الرب الأدنى الذي يعمل بأمره
والذي هو "بعل".
يؤيد ذلك إشارات في القرآن المكرم إلى أن
هناك ملائكة تسوق السحاب حيث يشاء المولى. ونجد القرآن يؤكد ذلك في آيات كثيرة،
ونرجح أن الموكل بذلك المطر أو العاصفة هو من يُسميه القرآن "الرعد".
فالرعد ليس مجرد ذلك الصوت القوي الذي نسمعه مع المطر (فذلك يسميه القرآن الصاعقة
أو الصواعق التي تصعق الأذن)، لكن القرآن يذكر أن الرعد يسبح مثل الملائكة:
{وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ
وَالْمَلَٰئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَٰعِقَ} [الرعد: 13].
{أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ
ظُلُمَٰتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَٰبِعَهُمْ فِي ءَاذَانِهِم مِّنَ
الصَّوَٰعِقِ} [البقرة: 19].
{سُقْنَٰهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ
فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَٰتِ} [الأعراف:
57].
لاحظ أن الآية الأخيرة تؤكد أن الملائكة
تشارك في إنزال الأمطار (سُقناه). ويؤيد ذلك الروايات التراثية التي تقول إن الرعد
مَلَك من الملائكة يزجر السحاب([12])
. ومهما يكن حال الرعد أهو صوت أم مَلَك،
فإن ما يهمنا هنا هو أن هناك مَلَكاً أو ملائكة يشاركون في إسقاط الأمطار، وهو ما
كان يُنعت عند القدماء بـ (بعل)؛ أي هو المَلَك الذي "يبعل" السحاب
فيجعله يسقط، أو يجعله يتجمع ثم يسقط كما تشير المعاني اللغوية.
ولهذا أشار النبي إلياس إلى كون
"بعل" نكرة وليس معرفة:
{أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ
أَحْسَنَ الْخَٰلِقِينَ} [الصافات: 125].
ذلك لأن هناك عشرات الأبعال في زمنه،
فلكل مدينة وقبيلة بعلها الخاص.
السؤال المحوري: لماذا استخدم القرآن هذا
الجذر (بعل) للإشارة إلى الزوج أو المطلِّق؟
في جذور اللغة، كلمة "زوج"
تعني الاقتران والتداخل المباشر؛ مما يقتضي التماس والحميمية. بينما
"بعل" تعني الاستعلاء والرعاية والإنفاق. ولأن الأسطورة القديمة، كما
ذكرنا، تتحدث عن بعل الذي كانت له أخت هي عناة، وكانت زوجاً له في الوقت ذاته،
والمفارقة أنها كانت "عذراء"!
فماذا يعني أنها عذراء متزوجة؟
يعني أنه لا يمسها ولا يقربها جنسياً،
رغم أنه ينفق عليها، ورغم أنه يلاطفها بالكلام وحسن العشرة. هذا المعنى تسرب إلى
الاستخدام اللغوي، وهذا هو بالتحديد دور "البعل" في القرآن المكرم.
وإليك شرح الآيات:
بعل في القرآن:
- 1. إبراهيم (بعل سارة):
{قَالَتْ يَٰوَيْلَتَىٰ ءَأَلِدُ وَأَنَا
عَجُوزٌ وَهَٰذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ} [هود: 72].
نعلم أن إبراهيم كان زوجاً لسارة،
والملائكة تعلم ذلك يقيناً، ولهذا جاءت تبشرهما بمولود. فما حاجة سارة إذن أن تشرح
للملائكة أن إبراهيم هو زوجها طالما هم يعلمون ذلك؟
ببساطة، سارة لا تقول للملائكة إن
إبراهيم "زوجها" (بالمعنى الحميمي المتداخل)، بل تخبرهم أن إبراهيم
متوقف عن العلاقة الجنسية معها؛ فهو "بعل" لها؛ أي أنهما في علاقة رعاية
وزوجية شكلية، ولكن دون علاقة جنسية.
تماماً مثل أسطورة بعل وزوجته العذراء،
حيث يُطلق على الزوج الذي لا يمارس الجنس مع زوجته بأنه "بعلها"؛ أي
تحول من "زوج" طبيعي يمارس كامل واجباته، إلى "بعل" فقط؛ يحسن
إليها ويتلطف معها ويحميها وينفق عليها، دون مقاربة. فسارة تتعجب كيف تنجب وهذا
زوجها قد تحول إلى بعل (لكبر سنها أو سنه)، فترد عليها الملائكة بأنه لا عجب فهذا
أمر الله.
- 2. بعل المطلقة:
{وَالْمُطَلَّقَٰتُ يَتَرَبَّصْنَ
بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَٰثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا
خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ
الْءَاخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَٰلِكَ} [البقرة: 228].
المطلقة (الرجعية) علاقتها مع طليقها
علاقة "بعلية"؛ أي تجلس في بيته، تخدمه وينفق عليها كما يفعل الزوج
تماماً، كل شيء قائم بينهما باستثناء العلاقة الحميمية، حتى تنتهي المهلة (ثلاثة
قروء). فإن انتهت صار الطلاق بائناً. ولهذا هو في هذه الفترة يُعد "بعلها"؛
ينفق عليها ولا يقربها جنسياً، إلا لو حدث وتصالحا نتيجة كثرة الاحتكاك في المنزل،
وهذا هو مقصد الشارع من إبقائها في منزله: {لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ
ذَٰلِكَ أَمْرًا} [الطلاق: 1].
- 3. الزينة للبعل:
{وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا
لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ ءَابَائِهِنَّ أَوْ ءَابَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ
أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ} [النور: 31].
الزينة هي الإضافات (كالذهب والفضة) التي
تضعها المرأة على نفسها. النص هنا يبيح للزوجة أو المطلقة (الرجعية) أن تتزين
لطليقها، أو زوجها، أو أقاربه المقربين. وهذا الأمر غير مباح للمطلقة طلاقاً
بائناً منتهياً. لهذا استخدم النص {بُعُولَتِهِنَّ} ليفرق بين الطليق المؤقت (الذي
هو بعل) وبين الطليق الدائم الذي لا يصح إبداء الزينة له.
وقد يسأل سائل: لماذا لم يقل النص الكريم
"أزواجهن" بدلاً من "بعولتهن" في موضوع الزينة؟ ببساطة؛ لأن
إبداء الزينة للزوج المتصل حميمياً تحصيل حاصل، فهو يمارس معها العلاقة وينكشف على
ما هو أعظم من الزينة، فلا حاجة لتشريع يبيح الزينة أمامه. لكن "البعل"
أمره مختلف؛ فهو قد توقف عن العلاقة (إما لشيخوخة أو لكونه طليقاً رجعياً)، وقد
تراه الزوجة التي "تَبَعَّل" زوجها غريباً عنها، فاحتاجت إلى تشريع دقيق
يبيح لها التزين أمامه لاستمالته أو الحفاظ على المودة.
- 4. نشوز البعل:
{وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا
نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا} [النساء: 128].
النشوز (كما بيّنا سابقاً) هو الامتناع
والمفارقة، كأن يمتنع الرجل عن العلاقة إذا كان معدداً وله زوجات أخريات، فيستغني
عن العلاقة معها لكي يضغط عليها للتنازل عن بعض حقوقها ونفقاتها.
لهذا قال النص {بَعْلِهَا} ولم يقل
"زوجها"؛ لأن ذلك الرجل قد امتنع عن العلاقة الحميمية، ولكنه ما زال
ينفق ويرعى، فهو في هذه الحالة "بعلها". فخافت الزوجة أن يتحول هذا
الامتناع المؤقت إلى ديمومة، فيتحول من زوج صريح متفاعل إلى "بعل"
مستدام غرضه الضغط عليها.
الخلاصة:
نستخلص من هذا كله أن جذر (بعل) قديم
جداً، ارتبط أسطورياً ولغوياً في الساميات بالرب أو السيد الذي يتزوج عذراء أو
يكفلها ويرعاها دون أن يقربها. وقد تسرب هذا المعنى الدقيق إلى اللغة وصار مصطلحاً
يعبر عن (الرجل الذي يمتنع عن الممارسة الحميمية لأي سبب كان، رغم بقاء قوامته
وإنفاقه وسيادته).
وهو ينطبق تماماً على الطليق (في فترة
العدة) الذي يواصل الإنفاق والرعاية دون علاقة (وإلا بطل الطلاق)، وينطبق على
النبي إبراهيم عليه السلام في شيخوخته مع سارة، حيث بقيت قوامته ورعايته كـ
"بعل" رغم توقف الإنجاب والعلاقة الزوجية الحميمية بسبب الشيخوخة
والعقم؛ ولهذا اندهشت سارة من بشارة الملائكة واصفةً إياه بالبعل وليس بالزوج.
هذا والله أعلم،
علي موسى الزهراني.
([2]) معجم شيكاغو الآشوري (CAD)،
المجلد 2، مادة (bēlu). وقاموس اللغة الأوغاريتية (DULAT) لجريجوريو ليتي، المجلد 1، مادة (b‘l).
([4]) (الدارقطني، سنن الدارقطني، ج2) و(الطبراني،
المعجم الكبير، ج4) و(ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث والأثر، ج1).
-
https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A8%D8%B9%D9%84
-
https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%B2%D8%B1%D8%A7%D8%B9%D8%A9_%D8%A8%D8%B9%D9%84%D9%8A%D8%A9
-
«المفصل
فى تاريخ العرب قبل الإسلام» (9/ 202):«المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام» (9/
188):«المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام» (8/ 199):«المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام»
(4/ 110):«المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام» (4/ 50):«المفصل فى تاريخ العرب قبل
الإسلام» (4/ 16):«المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام» (3/ 342):«المفصل فى تاريخ العرب
قبل الإسلام» (10/ 200):«المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام» (11/ 26):«المفصل فى تاريخ
العرب قبل الإسلام» (11/ 307):«المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام» (11/ 326) «المفصل
فى تاريخ العرب قبل الإسلام» (11/ 299): «المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام» (11/
330):«المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام» (15/ 44):
هل لديك نظرة أخرى
أطرحها هنا كي نستفيد من علمك