أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

امرؤ والمرء والمرأة في القرآن المكرم

  


امرؤ والمرء والمرأة في القرآن المكرم

بقلم: علي موسى الزهراني



مقدمة:

إن اللسان العربي المبين، المتفرد بحفظ الخريطة الأولى للغات السامية، لا يطلق الأسماء على الكائنات كطوابع بريدية صماء للتمييز البيولوجي فحسب، بل يصوغها كتقارير دقيقة تصف حالة الكائن وحركته ومسؤوليته في الوجود. ولقد جَنَتْ آفة "الترادف" على العقل المسلم حين أوهمته أن ألفاظاً مثل (إنسان، وبشر، ورجل، وامرأة، ومرء، وامرؤ) تعني شيئاً واحداً، مما أدى إلى طمس المعاني القرآنية الدقيقة وضياع الدلالات العميقة في فهم النصوص. وفي هذا المقال، نفكك دلالة الجذر (مرء) لنكشف كيف يصف القرآن حالات الإنسان المتغيرة بدقة متناهية بناءً على الحركة والعشرة.

مرء في المعاجم:

تشير المعاجم إلى أن المرء هو الإنسان، وأنثاه مرأة، وهو أيضاً امرؤ وهي امرأة. والمروءة كمال الرجولية. والمراءة مصدر الشيء المريء الذي يُستمرأ، والمريء هو رأس المعدة ومجرى الطعام ([1]). وكما يتبين لنا، فإن معاجم اللغة والتفاسير تبدو فقيرة جداً في سبر غور هذا الجذر؛ فليس عندهم إلا أن المرء هو الذكر، والأنثى هي المرأة، وبهذا التبسيط تضيع المعاني الدقيقة جداً في فهم النصوص الحكيمة.

امتداد الجذر في اللغات السامية (شاهد الأثر):

إن عمق هذه الدلالة يتأكد تماماً حين نلقي نظرة فاحصة على أخوات اللسان العربي من اللغات السامية القديمة (كالآرامية والسريانية). فنجد أن الجذر السامي (مار / Mar) يُستخدم فيها بوضوح للتعبير عن "السيد" أو "الحُر المستقل" أو "صاحب الشأن" (كما نجد في التراث السرياني: مار إلياس، أي السيد المستقل). وتأنيثها في السريانية والآرامية هو (مارتا / Martha) والتي تعني "السيدة ذات السيادة والمركزية" ([2])

هذا الاستخدام السامي القديم يقطع الشك باليقين، ويؤكد أن الكلمة في أصلها لا تدل على مجرد "التقسيم البيولوجي" (ذكر/أنثى)، بل تدل على "الاستقلالية، والسيادة الفردية، والقدرة على المضي والنفاذ في الحياة". ولا عجب أن نجد تقاطعاً مدهشاً في اللسان العربي مع فعل (أَمَرَ)؛ فالسيد المستقل هو الذي يملك حق (الأمر)، وكلاهما يدوران حول نفس الكتلة (مر) التي تعني النفاذ والمضي. وهو تماماً ما حفظه اللسان العربي -بصفته الخزانة الأم للساميات- في دلالة (المرء) ككيان مستقل حر، و(المرأة) ككيان مركزي مسؤول وراجح العقل، قبل أن يطمس الترادف هذا العمق العظيم.

المرء والمرأة في القرآن:

عند البحث والاستقراء، يتبين أن لفظ (المرأة) يُطلق على كل أنثى مسؤولة وراشدة وعاقلة تتمتع باستقلالية في حركتها وقرارها، أما (المرء) فهو الذكر الذي لا يرتبط بأنثى في عقد زواج وعشرة. فإن تزوجت المرأة كان هذا أكثر توكيداً على أنها امرأة لأنها ستتحمل مسؤولية بيت وزوج وأطفال، فكل متزوجة هي بالضرورة امرأة مسؤولة.

ماذا يعني امرأة؟

يقول الحق تبارك وتعالى: {فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} [البقرة: 282]، ويقول: {إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ} [النمل: 23]، ويقول: {وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ} [القصص: 23]، ويقول: {وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ} [الأحزاب: 50]. في هذه الآيات وردت لفظة (امرأة) ولم يتبين هل المعنيات متزوجات أم لا، بل بيّن السياق أن الفتاتين في مدين كانتا غير متزوجتين وتزوج موسى من إحداهما، وكذلك المرأة المؤمنة التي وهبت نفسها للنبي لم تكن متزوجة. فهذه اللفظة تطلق على المتزوجة وغير المتزوجة بصفتها كياناً فاعلاً؛ فإن أُضيفت لها النسبة، كقوله (امرأة لوط) مثلاً، تبيّن أنها زوجته في العقد، ولكن توقفت العشرة الزوجية بينهما كما سيتبين لنا.

ونلاحظ في كل الآيات السابقة أن (المرأة) المذكورة مسؤولة وراجحة العقل ولها حرية التصرف؛ فتلك المرأة لها القدرة على أن تزوج نفسها من الرسول، والفتاتان لهما القدرة على تحمل مسؤولية الرعي والذود ولهما كلمة عند والدهما. فالأنثى التي يُطلق عليها (امرأة) هي بالضرورة راجحة العقل ومسؤولة، بل إن بعضهن كان لديها الصلاحية أن تزوج نفسها. وأعظم مسؤولية للأنثى هي الزواج والإنجاب؛ لهذا كان من الطبيعي أن يُطلق على كل متزوجة (امرأة) لأنها تتحمل مسؤولية كبرى. ونفس الحال مع لفظ (الرجل)، فهو يعني من يتحمل المسؤولية، وأعظم مسؤولية عند الذكر هي أن يتزوج وينجب، فكل زوج هو رجل بالضرورة لما يتحمله من أعباء.

المرء وزوجه:

قال تعالى: {مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ} [البقرة: 102]. تسلط السحرة هنا على الرجل المتزوج، وعلموا الناس ما يُحدث الفراق بينهما. وكلمة (يُفرّق) تعني الفراق التام والطلاق، كقوله تعالى: {هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ}.

وهنا تتجلى الدقة المادية للقرآن؛ فقد أطلق عليه لفظ (مرء) ليناديه بما صار عليه حالياً بعد الطلاق وانقطاع العشرة، حيث ارتد لحالة الفردية المستقلة (مرء). بينما أطلق عليها لفظ (زَوْجِهِ) ليذكر ما كانت عليه سابقاً قبل السحر، مؤكداً أنهما كانا في قمة الاندماج والممارسة الحميمية من شدة الحب (سكن وزوجية). ولأن القرآن لا يستخدم لفظ (طليقة) في نصوصه إطلاقاً، فقد ذكر صفتها السابقة لبيان عظم الجناية وقوة السحر الذي استطاع أن يفكك هذا الاندماج الشديد، ويحوله من "رجل" يمارس العشرة إلى "مرء" طليق.

كيف يعود الزوج مرءاً، وتعود الزوجة امرأة؟

قد يتساءل البعض: أليس (المرء) في آية السحر متزوجاً؟ فكيف يُسمى مرءاً؟

الجواب يكمن في دلالة الأصل المادي للكلمة (مر)؛ وهي تعني "الحركة، والمضي، والنفاذ السلس". (المرء) هو الذكر الحُر الطليق المنفك عن القيود، و(المرأة) هي الأنثى الحرة الطليقة التي لم تُكبل بعد.

في المنظور القرآني المادي:

  • إذا تزوج هذا "المرء الحُر" و"المرأة الحرة"، اندمجا في عقد والتزامات وسكن ومسؤولية (جنس ونفقة)، فتحول الذكر إلى (رجل) وتحولت الأنثى إلى (زوج)؛ وتكبلت حركتهما الحرة بقيود السكن والميثاق.
  • لكن، إذا انقطعت العلة (الجنس والسكن الحميمي) لأي سبب، سواء بتأثير خارجي كـ (السحر) الذي يمزق هذا الاندماج ويفصل الرجل عن زوجه، أو بسبب داخلي (كالكبر والعجز والنشوز)، فإن هذا القيد ينفك!
  • وهنا تحدث الاستحالة العكسية: يعود الرجل الذي كان مقيداً بالسكن إلى حالته الأولى حراً طليقاً فيُسمى (مرءاً)، وتعود الزوجة المقيدة حرة ومستقلة في إرادتها فتُسمى (امرأة). هي وإن كانت زوجته في "أوراق العقد" والنفقة، إلا أنها عادت (امرأة) مستقلة في أحداق الواقع لغياب السكن الجنسي. والبعولية لانقطاع الحميمية تُعد في عُرف البشر نقصاً وعيباً يحرص الزوجان على كتمانه حتى مع تقدم السن ولا يبوحان به؛ وما كشف القرآن هذا السر واستخدم لفظ (امرأة) بدلاً من (زوج) إلا لدواعي تاريخية بحتة كي نفهم القصة ودوافعها تماماً (كما في حالة امرأة العزيز)، أو لدواعي فقهية تشريعية (كبيان أحكام النشوز).

امرأة عمران:

يقول تعالى: {إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ} [آل عمران: 35]. نعم، كانت تلك السيدة زوجة عمران، ولكن زوجها مات فصارت أرملة لا تمارس العشرة معه لموته، فهي لهذا "امرأة عمران"؛ ولو كان عمران حياً لما كفل زكريا مريم، ولو كان حياً لما نذرت أم مريم نذرها قبل أن ترجع إلى زوجها.

امرأة زكريا:

يقول تعالى: {وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ} [آل عمران: 40]. يبين زكريا عليه السلام أن زوجته صارت "امرأته"؛ أي لا يمارس معها العشرة الزوجية لأنه طاعن في السن وهي كذلك قد بلغت مرحلة العقر. نعت زكريا زوجته بأنها امرأته؛ أي السيدة التي هي بمنزلة الزوجة، ينفق عليها ويرعاها وترعاه، ولكن بلا عشرة زوجية حميمية (سكن).

امرأة إبراهيم:

يقول تعالى: {وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا} [هود: 71]. إبراهيم عليه السلام كذلك لم يكن يمارس العشرة الزوجية مع زوجه لكبر سنهما، فتحولت من زوجة إلى امرأة بالنسبة له، ولهذا قالت عنه إنه (بعلها)، والبعل هو الزوج الذي توقف عن الجنس مع زوجه أو لم يمارسه مطلقاً.

امرأة وبعلها:

يقول تعالى: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا} [النساء: 128]. البعل هو الزوج المتوقف عن الجنس، والنشوز هو الامتناع كنوع من العقاب. وبهذا يتضح لماذا استخدم القرآن هنا لفظة (امرأة) بدلاً من (زوجة)؛ فلو كان يمارس الجنس معها لكانت زوجة. وهي هنا (تخاف)، أي تتوقع الشر، وتوقعها أن امتناعه عن الجنس معها نشوزاً، أي امتناع كنوع من العقاب لها لأنها طالبت بحقها من المصروف المنزلي والكسوة.

امرأتي لوط ونوح:

يقول تعالى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ} [التحريم: 10]. كذلك تحولت زوجة لوط إلى امرأته لكبر سنها وسنه، فهو ينفق عليها ويعتني بها وتعتني به، ولكن لا يمارس العشرة الزوجية معها. وكذلك الحال مع نوح الذي تشير الآيات إلى أنه بلغ من العمر عتياً (950 سنة).

امرأة العزيز:

يقول تعالى: {وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لِامْرَأَتِهِ} [يوسف: 21]، ويقول: {وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ} [يوسف: 30]. كذلك العزيز لديه مشكلة؛ فقد توقف عن الجنس مع زوجه فصارت "امرأته"، حتى نساء المدينة كنّ يعرفن ذلك فنعتوها بامرأة العزيز وليس زوجه. ويبدو أنه ليس لديه أولاد، فرجا أن يكون يوسف ولده بالتبني.

امرأة فرعون:

يقول تعالى: {وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ} [القصص: 9]. امرأة فرعون حالها مثل بقية السيدات؛ فلم تكن هناك عشرة زوجية بين فرعون وزوجه في تلك الفترة، ومن الواضح أنه بلغ من الكبر عتياً، كما تشير سياقات قصة موسى وبحثهما عن الولد المتبنى كتعويض عن العجز البيولوجي لفرعون.

لا زواج يوم القيامة (كتاب الذكريات):

يقول تعالى: {يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ} [النبأ: 40]، ويقول: {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ} [عبس: 34]. يوم القيامة يقوم الشخص من قبره وهو في حالة انفراد تام (مرء)، حيث تتعطل روابط العشرة الإنسانية ابتداءً، وهذا هو مقتضى التوحش النفسي الذي عبر عنه القرآن بـ {وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ}.

إن روابط الزوجية والاندماج (السكن) تظل معلقة ومنتفية طوال فترة العرض، فالإنسان يقوم وهو فاقد للذاكرة الاجتماعية، فلا يعرف من هي زوجه ولا تعرف الأنثى من هو زوجها. ولا يستعيد الإنسان ذاكرته ولا يحصل التعارف إلا بعد حصولهم على (كتاب الذكريات) الخاص بهم؛ فإذا تسلم كتابه وتذكر أصله وفصله، عندها فقط تعود الروابط. لهذا يظل الإنسان في عزوبية قبل دخول الجنة حتى يستلم كتابه ثم يجتمع بزوجه؛ فإن كان من أهل الجنة استطاع معاودة العشرة الزوجية: {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْواجُكُمْ تُحْبَرُونَ} [الزخرف: 70]. وإن كان الشخص من أهل النار، دخلت معه زوجه التي لم تعد كذلك، فلا عشرة زوجية في النار، فتتحول الزوجة هناك إلى امرأته فقط، كقوله تعالى: {وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ} [المسد: 4].

امرؤ.. وعاء التجريد:

يقول تعالى: {كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} [الطور: 21]، ويقول: {أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ أَن يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ} [المعارج: 38]. في هذه النصوص، يرد لفظ (امرؤ) وليس رجل أو إنسان، لأن القرآن يريد "التجريد"؛ فلفظ (امرؤ) هنا يعني كل كائن عاقل مسؤول عن أفعاله يوم القيامة، ولا يخص الذكر وحده، بل يشمل الأنثى. فإذا كان يريد الذكر وحده استخدم لفظة (مرء)، وإن كان يريد الأنثى وحدها استخدم لفظة (امرأة).

وفي حادثة الإفك استخدم لفظ (امرؤ) بدلاً من رجال: {لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ} [النور: 11]، وذلك ليؤكد أن تلك التهمة لم يشارك فيها الذكور فقط، بل شارك فيها الذكور والإناث، وهي طبيعة في النساء أكثر من الرجال، فهن من يفترين البهتان (الاتهام بالفاحشة)، وقد حذر القرآن النساء خاصة من هذا الأمر.

ويظهر هذا التجريد في الأحاديث النبوية الشريفة؛ حيث وظف النبي ﷺ لفظ (امرؤ) كوعاء جامع للذكر والأنثى في مقام التكليف والمحاسبة، كما في قوله: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» ([3]) وقوله: «كُلُّ امْرِئٍ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»([4])، وقوله: «أَيُّمَا امْرِئٍ قَالَ لأَخِيهِ يَا كَافِرُ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا»([5]). ويستحيل شرعاً ولغةً أن تخرج النساء من هذه الأحكام؛ فلفظ (امرؤ) هو وعاء مطلق لكل نفس فاعلة ومكلفة.

كلالة امرؤ:

يقول تعالى: {وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ} [النساء: 12]، ويقول: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ} [النساء: 176]. الآية الأولى تتحدث عن (رجل) أو (امرأة)؛ أي ميتان قد يكون لهما زوجان. أما الآية الثانية فالميت هو (امرؤ)، أي قد يكون ذكراً أو أنثى، وليس له آباء (كلالة) وليس له ولد، فحينها يقتسم الإخوة الإرث لعدم وجود زوجة أو زوج لهذا الميت؛ فهو (امرؤ) أي مجرد من الزوجية.

الميراث في حالة (امرئ) بسيط، فقد ذُكِر أنه كلالة أي ليس له أبوان، وقال النص إنه ليس له ولد، ثم ذُكِر أنه (امرؤ) أي ليس له زوج، وبهذا صار الورث كله للإخوة فقط. ولم نكن لنعلم أنه بلا زوج لولا لفظة (امرؤ).

امرأ سوء:

يقول تعالى: {يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ} [مريم: 28]. تعجب القوم من مريم وأخبروها أن أباها لم يكن (امرأ سوء)، أي لما كان عازباً كان مستقيماً. وهذا قبل زواجه، والعزوبية أدعى للخطيئة خاصة عند الذكور، ولكن مع هذا كان في عزوبيته مستقيماً (امرأً)، فلما تزوج وصار رجلاً كان أكثر عفة وطهارة. ومعلوم لدينا القاعدة الشعبية: "كما تدين تدان"، فهم يقولون: لو أن أباك كان لعوباً، لكان من المنطقي أن تدفعي أنتِ الثمن عملاً بقاعدة "كما تدين تدان".

إضاءة من كيمياء اللسان:

إذا أردنا أن نستأنس بالتفسير المادي لهذه الألفاظ من خلال "كيمياء الحروف"، لعرفنا سر هذه الدقة. في كيمياء اللسان، يعبر الجذر الثنائي (مر) عن "الحركة والسير والمضي". وعندما يدخل عليه حرف الهمزة (ء) -والذي يعني الوقوع والتحقق- يتشكل لدينا الجذر (مرء)؛ وهو يصف الكيان الذي تحققت حركته ومضيه. فالذكر المنفرد يتحرك ويمضي بسلاسة واستقلالية فيُسمى (مَرْءاً). أما الأنثى، فعندما تخرج للحياة وتعمل، تضاف لها التاء (امرأة)؛ والتاء في كيمياء الحروف تعني "النقطة السابقة أو محل الرجوع"، مما يرسم هندسة الأنثى؛ فهي تعمل وتتحرك (مر) وهي بذاتها ووجودها قد تحققت (ء)، لكن حركتها يجب أن تعود لنقطة سابقة وهي "المنزل والمركز" (ة). أما كلمة (امرؤ)، فسرها يكمن في (الألف) التي في بدايتها؛ فالألف تعمل كطاقة تمدد واتساع، وسعت وعاء الكلمة فأخرجتها من الانحصار الجنسي، ليمتد اللفظ ويشمل الذكر والأنثى معاً.

الخلاصة:

المرأة تعني الأنثى المسؤولة، وأعظم مسؤولية هي الزواج، فكل زوجة هي امرأة بالضرورة. ويقابلها عند الذكور لفظ (الرجل). أما (المرء) فهو الشخص الذكر الذي لا زوجة له فلا مسؤولية على عاتقه، بينما الرجل هو المسؤول وخاصة إذا كان متزوجاً.

فإذا نُسبت المرأة إلى شخص معين، فهذا يعني أنها زوجته عقداً، ولكن لا يمارس الحميمية معها لأي سبب كان، وهي تتحمل مسؤولية زوجها (بعلها). أما (امرؤ) فهي تُطلق على الذكر والأنثى تجريداً. وأما البشر يوم القيامة، فتنتفي عنهم صفة الزوجية والعشرة، ويتحولون جميعاً إلى (مرء) و(امرأة) بلا زواج لتعطيل العشرة الإنسانية، حتى يحصلوا على كتاب الذكريات فيتعارفوا، فيتزوجون في الجنة بممارسة العشرة الزوجية، وتظل الأنثى في النار (امرأة) بعلها فقط دون ممارسة (سكن)، لانشغالهما بالألم والعذاب.

هذا والله أعلم.


([1]) (يُنظر: «مقاييس اللغة» لابن فارس 5/ 315، و«المعجم الاشتقاقي المؤصل» لمحمد حسن جبل 4/ 2056)

([2]) (يُنظر: المعجم السرياني العربي للأب لويس كوستاز، مادة: م ر، وكذلك معجم جَسترو للآرامية Jastrow Dictionary).

([3]) (رواه البخاري ومسلم)،

([4]) (رواه أحمد وابن حبان)

([5]) (رواه البخاري ومسلم).

ali
ali
تعليقات
    جاري استحضار النفحات القرآنية...