تفسيرُ سورةِ العاديات
﴿وَالعادياتِ ضَبحاً • فالمُورياتِ قَدحاً • فالمُغيراتِ صُبحاً • فأثَرنَ به نَقعاً • فوَسَطنَ به جَمعاً • إنَّ الإنسانَ لربِّه لَكَنود • وإنَّه على ذلك لَشهيد • وإنَّه لحُبِّ الخيرِ لَشديد • أفلا يَعلمُ إذا بُعثِرَ ما في القبور • وحُصِّلَ ما في الصدور • إنَّ ربَّهم بهم يومئذٍ لَخبير﴾(١)
رأيتُ في تفسير هذه السورة أقوالاً بعيدةً عن المعنى، فتفرّغتُ لها أبتغي الحقَّ ووجهَ الله؛ فإن أصبتُ فمن الله وحده، وإن أخطأتُ فمن نفسي والشيطان. وسأعرِضُ أقوالَ السابقين أوّلاً ليتبيّنَ مَبلغُ حَيرتهم، ثم أُثبِتُ أصولَ الألفاظِ في المعاجم، ثم أبسُطُ التفسيرَ الذي اكتشفتُه، وأختِمُه بجدولٍ يَجمعُ المعانيَ التي توصّلتُ إليها.
أقوالُ السابقين وحَيرتُهم
زعم أهلُ التراث أنّ النبيَّ ﷺ بعث سريّةً إلى ناحيةٍ فتأخّر خبرُها، فنزلت السورةُ تُطمئنُ المؤمنين وتردُّ على المنافقين؛ ثم حاروا في موضعها: أبِتهامةَ هي أم بناحية فدك أم بناحية عرفة؟ وحاروا في «العاديات»: أهي الخيلُ - وعليه ابنُ عباس - أم الإبلُ، وعليه عليُّ بنُ أبي طالب، وجعلها في بدر؟ وحاروا في المقصود: أهو الغزوُ أم الحجّ، حتى قالوا العادياتُ هي الإبلُ في الحجّ. وذهبوا في ﴿الموريات قدحاً﴾ مذاهبَ: حوافرُ ترمي الحجرَ فتقدحُ النار، أو هو المكرُ ضدّ المشركين، أو ألسنةٌ تُوري نارَ العداوة، أو أفكارُ الرجال تُوري نارَ الخديعة. وقالوا في ﴿النقع﴾: غبارٌ تثيره الحوافر، أو هي الخيلُ تُغير في سبيل الله ثم تأوي إلى الليل فتُوري نارَها. وفي ﴿الضبح﴾ قالوا صوتُ الخيل، وقيل الكلب، وقيل الثعلب: «أحْ أحْ». فالخلاصةُ أنّ ابن عباس يرى العادياتِ الخيلَ في الغزوات، وعليّاً يراها الإبلَ في بدر.
ونقل الرازيُّ هذه الأقوالَ لأنه استوعبها: فجعل ﴿الموريات قدحاً﴾ الحوافرَ ترمي الحجرَ من شدّة العَدْو فتُوري النار، أو الحُجّاجَ يُوقدون نيرانَهم بمزدلفة؛ و﴿المغيرات صبحاً﴾ سرعةَ السير يوم النحر إلى منى؛ و﴿أثرنَ نقعاً﴾ الغبارَ بين مزدلفة ومنى؛ و﴿وسطنَ جمعاً﴾ مزدلفةَ لاجتماع الحجّاج بها. وقال: الإيراءُ إخراجُ النار، والقدحُ الصكُّ، فيُقال قدح فأورى. ووقف عند ﴿ما في القبور﴾ متسائلاً: لِمَ جاءت «ما» وهي لغير العاقل، ومَن في القبور بشرٌ عقلاء؟ وفي ﴿حُصِّل ما في الصدور﴾ نقل أنّ الحاصلَ ما بقي وثبت، أو أنه جُمِع في الصُّحف، أو أنّ الأسرارَ تنكشفُ يومئذٍ - ﴿يوم تُبلى السرائر﴾؛ ثم سأل: لِمَ الصدورُ لا القلوب؟ فأجاب بأنّ القلبَ مطيّةُ الروح، والصدرَ محلُّ النفس، ولذلك قال في الشيطان: يُوسوس في صدور الناس.
دلالاتُ ألفاظِ السورة في المعاجم
وقبل التفسير، نُثبِتُ أصولَ ألفاظِها كما في مقاييس اللغة لابن فارس:
| اللفظ | أصلُه في المعاجم |
|---|---|
| الضَّبح | أصلانِ: صوتٌ (ضبَحَ الثعلبُ)، وتغيُّرُ لونٍ من فعل النار (والحجارةُ المضبوحةُ قدّاحةُ النار)؛ وفي الآية: صوتُ أنفاسها إذا أُعيَت، أو عَدْوٌ شديد. |
| القَدْح | أصلانِ: الهَزْمُ في الشيء، والغَرْف؛ والقَدْحُ: السهمُ بلا نصلٍ ولا قُذَذ؛ وقدحَ الزَّندَ: صكَّه فأورى. |
| النَّقْع | أصلانِ: استقرارُ المائع في قراره (نقعَ الماءُ: استقرّ)، وصوتٌ مرتفع (نقعَ الصوتُ: ارتفع). |
| الكَنود | أصلٌ واحد: القَطْع؛ والكَنودُ: الكفورُ للنعمة لأنه يَقطعُ الشكر؛ والأرضُ الكَنودُ لا تُنبِت. |
التفسيرُ الذي اكتشفتُه
لا يَليقُ بالسورة - وهي قَسَمٌ عظيمٌ - أن تتحدّث عن أمرٍ عاديٍّ يعرفه كلُّ من خاض معركةً أو حجَّ، فأينَ الإعجازُ في وصفِ خيلٍ تَعدو أو إبلٍ تَسير؟ والذي اكتشفتُه أنّ ﴿العاديات﴾ هي الملائكةُ التي تَعدو على الكفّار بالعذاب؛ وأُنِّثت لأنّ الكفّار يحسبون الملائكةَ إناثاً، والملائكةُ في الحقيقة لا ذكورٌ ولا إناث، ولذلك يَذكرها القرآنُ مرّةً مؤنّثةً ومرّةً مذكّرة. ومثلُها ﴿الصافات﴾ و﴿الذاريات﴾ و﴿المرسلات﴾ - أعمالٌ تقوم بها الملائكة. وقد جرت سنّةُ الله في إهلاك الأمم أن تتمّ الاستعداداتُ ليلاً، فإذا انبلجَ الصبحُ بدأ العذابُ، كما في قصّة قوم لوطٍ المشهورة.
وهذه الجنودُ لا تُقاتل بالسيوف ولا تَدخل بالخيل والإبل، بل تَضرِبُ من بُعدٍ: ﴿ضبحاً﴾؛ والضبحُ - كما مرّ في المعاجم - يَجمعُ الصوتَ والنار، فهو السهامُ أو ما اشتعل أعلاها؛ فتُبيّنُ السورةُ أنّ تلك الجنودَ العاديةَ لا تَلِجُ أرضَ المعركة، بل تَرمي من بعيد.
ثم ﴿فالموريات قدحاً﴾: القَدْحُ هو الضربةُ (ومنه قَدْحُ الزَّندِ صَكّاً)، و«الموريات» من «وري» = إخفاءُ المادّيّ المحسوس؛ فالملائكةُ تُخفي ضربتَها وتَكتُمها في كَمينٍ، لا يَشعُرُ بها الكفّارُ الغافلون، حتى يَحينَ وقتُها. وتلك الضربةُ حجارةُ السِّجّيل الموصوفةُ في غير موضع: ﴿ترميهم بحجارة من سجيل﴾(٢)، ﴿وأمطرنا عليهم حجارةً من سجيل﴾(٣)، ﴿إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزاً من السماء﴾(٤). وسِرُّ ذلك في الجذر: «وري» إخفاءُ الشيءِ المادّيّ المحسوس، لا الإحاطةُ ولا المنع(٥)؛ ومنه المواراةُ: مواراةُ السوءةِ وستْرُها، والتوريةُ في الكلام: إخفاءُ المعنى الجارحِ خلفَ ظاهرٍ سليم - حتى «القَدْحُ» يجمعُ الوجهين: ضربةٌ وطعنٌ. فـ﴿الموريات قدحاً﴾ = المُخفِياتُ للضربة، الكاتماتُ قَدْحَها حتى ساعةِ الإغارة.
ثم ﴿فالمغيرات صبحاً﴾: فإذا انبلجَ الصبحُ انكشفَ المُوارى وانقَضّتِ الإغارةُ بغتةً - وهو ضدُّ «وري»: إظهارٌ بعد إخفاء - كعادةِ عذابِ الأمم يأتي فجراً: ﴿ولقد صبَّحهم بكرةً عذابٌ مستقر﴾(٦)، ﴿وأنّ دابرَ هؤلاء مقطوعٌ مصبحين﴾(٧). ثم ﴿فأثرنَ به نقعاً﴾: أثَرنَ غباراً عظيماً وصوتاً مرتفعاً (والنَّقْعُ الغبارُ والصوتُ العالي) يَغشاهم بغتةً، كغبارِ مدينةِ قومِ لوطٍ الذي أهلكَ من فرَّ منها؛ وكانت امرأتُه ممّن هلك ﴿إلا امرأته كانت من الغابرين﴾. والقرآنُ كثيراً ما يُذكّرُ قريشاً بقوم لوطٍ لقُربِ ديارهم منهم. ثم ﴿فوسطنَ به جمعاً﴾: تَوسّطتِ الضربةُ جَمعَهم فبَلَغتْ قلبَ حُشودِهم، لا يُفلِتُ منها طرَفٌ ولا وسط - فمن كَمينِ الإخفاءِ إلى قلبِ الجمع.
فانظر كيف جرى معنى «الإخفاءِ ثُمّ المباغتة» في السورة كلِّها على نَسَقٍ واحد: تُخفي ﴿الموريات﴾ الضربةَ في كَمينٍ، حتى إذا جاء الصبحُ كُشِفَ الغطاءُ فأغارتْ بغتةً، فأثارتِ ﴿النقعَ﴾ وبَلَغتِ ﴿الوسطَ﴾؛ وهو سرُّ «وري»: إخفاءُ الضربةِ القاتلةِ إلى حينِها. وإليك جدولٌ يَجمعُ المعانيَ التي توصّلتُ إليها في السورة:
| اللفظ | المعنى الذي توصّلتُ إليه |
|---|---|
| العاديات | الملائكةُ تَعدو على الكفّار بالعذاب |
| ضبحاً | بالسهام وما اشتعل أعلاها، تَضرِبُ من بُعد |
| الموريات قدحاً | المُخفِياتُ للضربة؛ يَكتُمنَ القَدْحَ في كَمينٍ حتى الإغارة (من «وري» = إخفاءُ المادّيّ) |
| المغيرات صبحاً | الإغارةُ وقتَ الفجر، كعادةِ عذابِ الأمم |
| فأثرنَ نقعاً | غبارٌ وصوتٌ عظيمٌ يَغشاهم بغتةً |
| فوسطنَ جمعاً | الضربةُ تَتوسّطُ جَمعَهم فتَبلُغُ قلبَهم، لا مَهرب |
| الإنسان | علِيّةُ القوم والأثرياء، لا عمومُ البشر |
| الكنود | القاطعُ لشكرِ ربّه، العاصي |
| بُعثرَ ما في القبور | تقليبُ الترابِ حتى يَبرُزَ الجسد |
| حُصِّلَ ما في الصدور | تُحصَّلُ النّياتُ وتُختبَر (لم تُسجَّل في الكتاب) |
| خبير | القادرُ على استشرافِ ما سيكون |
﴿إنّ الإنسانَ لربه لكنود﴾
والإنسانُ هنا ليس عمومَ البشر، بل علِيّةُ القوم وكُبراؤهم والطبقةُ الثريّةُ ومن لَفَّ لَفَّهم؛ فإنّ أكثرَ مشاكلِ الأمم من هذه الطبقة التي تَبحثُ عن مصالحها على حساب الحقّ والعدل، أمّا العامّةُ فهم «الإنس». فهذا الإنسيُّ من علِيّةِ القوم هو ﴿الكنود﴾ - القاطعُ لشكرِ ربّه، العاصي المخالف، وإن قدّم لنفسه المبرّرات. ﴿وإنه على ذلك لشهيد﴾: شهيدٌ على فعلِه، يَفعله بوعيٍ كاملٍ وعَمدٍ وترصُّد، لا في غفلةٍ ولا سُكر؛ فلا عُذرَ له: ﴿بل الإنسانُ على نفسه بصيرة • ولو ألقى معاذيره﴾(٨). ﴿وإنه لحُبِّ الخير لشديد﴾: والخيرُ هنا الدنيا، فهو شديدُ الحبِّ لها على حساب الآخرة: ﴿وتأكلون التراثَ أكلاً لمّاً • وتُحبّون المالَ حُبّاً جمّاً﴾(٩)، ﴿ألهاكم التكاثر﴾(١٠). فمشكلتُه شَغفُه بالدنيا على حساب الأخلاق والقيم، مشغولٌ بالجمعِ والتحصيل.
﴿بُعثرَ ما في القبور وحُصِّلَ ما في الصدور﴾
أمّا «ما» في ﴿ما في القبور﴾ - وقد استشكلها الرازيُّ إذ القياسُ «مَن» للعاقل - فلها وجهان: أحدُهما أنّ البشرَ يومَ البعثِ كالفاقدين للذاكرة، لا يَدرون من أين جاؤوا ولا إلى أين يَذهبون، كأنهم بلا عقول، فناسبهم «ما» حتى تَعودَ إليهم ذاكرتُهم (وقد بسطتُ ذلك في كتاب «دار السلام»)؛ والأرجحُ عندي أنّ ﴿بُعثر﴾ للترابِ لا للبشر، فالبعثرةُ تقليبُ الترابِ بجعلِ أسفلِه أعلاه حتى يَبرُزَ الجسد. وأمّا ﴿حُصِّلَ ما في الصدور﴾ - والصدرُ مَوضعٌ مُغلَقٌ لا يَعلمُ سرَّه إلا الله - فإنّ النّياتِ والخواطرَ التي فيه لا تُسجَّلُ في كتاب الأعمال؛ إنما يُسجَّلُ العملُ الظاهرُ الذي يراه المَلَكُ الموكَّل، فتأتي القيامةُ فتُحصَّلُ تلك النّياتُ وتُعرَضُ للاختبار: ﴿يومَ تُبلى السرائر﴾(١١).
﴿إنّ ربهم بهم يومئذٍ لخبير﴾
و«خبير» تختلفُ عن «عليم»، وهذا الجذرُ لم نُفرِدْه بدراسةٍ بعد، لكنّ الذي نُرجّحه أنه القادرُ على استشرافِ ما سيكون؛ فاللهُ - وله المثلُ الأعلى - يَعلمُ المستقبلَ الذي سيَسلكُه الإنسانُ بمقتضى نفسِه، كما يَعرفُ المربّي ما سيُقرّره الأطفالُ، والمعالجُ ما سيَسلكُه المريضُ بحسب شخصيته.
هذا، واللهُ تبارك وتعالى أعلم.
التعليقات (0)