الخوض في القرآن المكرم
الخوض
لغة:
خوض أصل واحد يدل على توسط شيء ودخول.
يقال: خضت الماء، وتخاوضوا في الحديث والأمر، أي تفاوضوا وتداخل كلامهم. وموضع
مخاضة، أي مكان اجتياز الناس فيها مشاة وركبان. وخاض الماء أي دخله ومشى فيه.
وأخاض القوم أي خاضت خيلهم الماء. وخضت الغمرات اقتحمتها وخاضه بالسيف أي حرك سيفه
في المضروب ([1])
الخوض
في القرآن:
نلاحظ أن هذا الجذر ورد تسع مرات. وسوف
نفترض أن الخوض هو التحرك بعشوائية، مثل الذي يسبح، فهو يخوض في الماء بعشوائية،
وغرضه إما التسلية واللعب، أو غرضه صيد السمك، ولكن بدون معرفة بمواقع الأسماك
وإنما يتحرك بعشوائية.
ونلاحظ أنه اشتق من هذا المعنى الحسي
المباشر وهو الخوض في الماء، إلى معنى عقلي وهو الخوض في الحوارات والكلام، ذلك
لتشابه الهدف والطريقة، فالذي يتكلم في المجالس بقصد التسلية واللعب، في كل شيء
ولا يأخذ كلامه بجدية، هو كمن يخوض في الماء للتسلية.
أو أن كلام الشخص في عالم الأفكار والقصص
والمعتقدات بدون رصيد علمي رصين، هو خوض عشوائي في المعرفة، لهذا كان فعلاً مشيناً
خاصة في عقائد الدين، فإذا كان مسموحاً الخوض في الماء للتسلية أو الصيد، فإن
الخوض في العقائد والتاريخ هو أمر مرذول ولا يليق إلا بالسفهاء من البشر، وإذا كان
يمكن إغماض العين عن الخوض في أمور لا أهمية لها بعشوائية أو لمجرد التسلية، فإنه
لا يمكن فعل ذلك مع العقائد أو القصص التاريخي المتعلق بالعقائد الدينية.
هذا ما نفترضه من معنى الخوض المقصود في
الآيات الكريمات، ودعنا ندرس الآيات عزيزي القارئ:
الخوض
في الأحاديث:
{ وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي
الْكِتَٰبِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ ءَايَٰتِ اللَّهِ يُكْفَرُ
بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ
بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا
مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَٰفِقِينَ وَالْكَٰفِرِينَ فِي جَهَنَّمَ
جَمِيعًا } [النساء: 140].
{ وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي ءَايَٰتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا
يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَٰنُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَىٰ مَعَ الْقَوْمِ
الظَّٰلِمِينَ } [الأنعام: 68].
شرحنا سابقاً أن الحديث هو كل قديم قد تم
تحديثه، كقصص الأنبياء التي نسيت أو العقائد التي أهملت، فيتم تحديثها أي إعادة
إحياء تلك القصص، وأن القرآن حديث، لأنه لم يأت بجديد فهو على منوال الكتب القديمة
التي ذكرت نفس القصص وذات العقائد.
لكن هناك أحاديث هي لهو ولعب وأساطير
وخرافات، يصبها المتحدثون على مسامع العامة، ومنها الحديث عن العقائد وقصص
الأنبياء والأولين، فهم يخوضون في تلك الأحاديث لمجرد التسلية واللعب والترويح عن
النفس وبعشوائية وبدون تدقيق وفحص علمي لصحة تلك الأخبار والعقائد، لهذا حرم
المولى الجلوس مع هؤلاء ساعة خوضهم في تلك الأحاديث.
الخوض
استهزاء:
{ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ
إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ
قُلْ أَبِاللَّهِ وَءَايَٰتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ
} [التوبة: 65].
وهنا
يتبين لنا أن الخوض استهزاء، لماذا؟
لأن الخوض وهو التسلية والترويح عن النفس
في العقائد وأخبار الأولين وأخبار المعاصرين، هو عمل شنيع، لأن تلك الأخبار
المزيفة تزاحم الحق وتطرده إن قدرت، وهذا يدلل على أنهم يستهزؤون، وشرحنا معنى
يستهزأ وقلنا هو الاستخفاف بالشيء وتحقيره، فتلك الأخبار المزيفة والتي تعارض الأخبار
الصادقة، تؤكد أنهم يستخفون بالأخبار الصادقة والعقائد الحقة، فلو كانوا يوقرون
الحق ويبحثون عنه بصدق، لما خاضوا في الأخبار والعقائد هكذا بعشوائية وإهمال كحاطب
الليل الذي يجمع القصص ويذيعها بين العامة دون اكتراث لصحتها.
والآية بالأعلى كانت تتكلم عن خوض
المنافقين في تصرفات المؤمنين بالاستخفاف بها وقد ذكرت السورة بعضها مثل:
{وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَٰتِ}
[التوبة: 58].
{وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ
النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ} [التوبة: 61].
{الَّذِينَ يَلْمِزُونَ
الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَٰتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ
إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ} [التوبة: 79].
فهؤلاء القوم يخضون في أخبار الرسول
والمؤمنين، فبدون أي تحري للحق، ألقوا التهم على المؤمنين وعلى الرسول، فهذا هو
الخوض بلا علم ولا تثبت، كمن يخوض في الماء للتسلية أو يخوض للبحث عن شيء بلا أي
خطة ومنهجية.
خوض
اليهود:
{ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ
إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ
الْكِتَٰبَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَىٰ نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا
وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُوا أَنتُمْ وَلَا ءَابَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ
ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ
} [الأنعام: 91].
واليهود من أكثر الأمم خوضاً على وجه
الأرض، فقد تشبعت كتبهم بالخرافات والأخبار الكاذبة والتلفيق على الأنبياء، هكذا
بخوض ولعب ودون تثبت، لأجل تمرير عقائد باطلة أو سلوكيات منحرفة وإلصاقها
بالأنبياء.
الخوض
لعبٌ:
{ الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ
} [الطور: 12].
{ وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدۡرِهِۦٓ إِذۡ قَالُواْ مَآ
أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٖ مِّن شَيۡءٖۗ قُلۡ مَنۡ أَنزَلَ ٱلۡكِتَٰبَ ٱلَّذِي
جَآءَ بِهِۦ مُوسَىٰ نُورٗا وَهُدٗى لِّلنَّاسِۖ تَجۡعَلُونَهُۥ قَرَاطِيسَ
تُبۡدُونَهَا وَتُخۡفُونَ كَثِيرٗاۖ وَعُلِّمۡتُم مَّا لَمۡ تَعۡلَمُوٓاْ أَنتُمۡ
وَلَآ ءَابَآؤُكُمۡۖ قُلِ ٱللَّهُۖ ثُمَّ ذَرۡهُمۡ فِي
خَوۡضِهِمۡ يَلۡعَبُونَ }
[الأنعام: 91].
قلنا إن الخوض إما أن يكون لعباّ كما
السباحة فهي خوض في الماء، أو يكون بحثاً عن شيء بعشوائية وبلا تدقيق. وهنا نلاحظ
أن الكفار خاضوا أي بحثوا عن الحقيقة بلا جدية، بل عبثاً وتسلية ولعب.
وقد شرحت الآيات التالية ما هو هذا الخوض
الذي قالوا به وهو:
ﵟفَذَكِّرۡ
فَمَآ أَنتَ بِنِعۡمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٖ وَلَا مَجۡنُونٍ 29 أَمۡ يَقُولُونَ
شَاعِرٞ نَّتَرَبَّصُ بِهِۦ رَيۡبَ ٱلۡمَنُونِﵞ [الطور: 29-30]
فهو في نظرهم كاهن ومجنون وشاعر. ونكتفي
بهذا القدر من الآيات، لأن البقية منها، لم تخرج عن هذا الطريق، فكلها تشير إلى أن
الخوض هو نوع من العبثية إما للتسلية أو للإهمال وعدم الجدية في البحث عن الحقيقة،
وإنما الخائض هو حاطب ليل يتقبل أي معلومة باطلة وينشرها.
الخلاصة:
الخوض هو الحركة العشوائية التي غرضها
اللعب وسببها الاستهتار، أو البحث عن شيء بلا منهجية، مثل الذي يسبح في الماء فهو
يخوض فيه، أي يتحرك بعشوائية إما للعب والتسلية، أو للبحث عن شيء بلا انتظام وبعشوائية.
والخوض لأجل اللعب ليس فيه اعتراض، ولكن
الاعتراض عندما يكون الخوض في العقائد أو في القصص خاصة قصص الأنبياء الذين يتبعهم
البشر، فكثير من الروايات عن الرسول عليه السلام التي تتطاول على ذاته أو ذات
زوجاته، أو تؤكد على سلوكياته التي لا تليق بالبشر الأسوياء هو من هذا الخوض، والذي
سوف يحاسب فاعله حساباً عظيماً.
هذا والله أعلم
علي موسى الزهراني
هل لديك نظرة أخرى
أطرحها هنا كي نستفيد من علمك