عند، ولدى، ولدن، في القرآن الكريم



عِندَ ولَدَى ولَدُنْ في القرآن المكرَّم

ثلاثُ كلماتٍ يظنُّها الناسُ واحدة، وحرفٌ صغيرٌ يفرِّق بينها

رجلان تاها في الطريق، ثمّ رجَعا يتتبَّعان خطواتِهما حتى بلَغا المكانَ الذي نسِيا فيه حوتَهما. هناك وجَدا رجلاً. وهذا الرجلُ أُعطِيَ في آيةٍ واحدةٍ شيئين: رحمةً وعِلماً.

والعجيبُ أنّ الله لم يقُل فيهما لفظاً واحداً:

﴿ءَاتَيۡنَٰهُ رَحۡمَةٗ مِّنۡ عِندِنَا وَعَلَّمۡنَٰهُ مِن لَّدُنَّا عِلۡمٗا﴾ [الكهف ٦٥].

الرحمةُ «من عندنا»، والعلمُ «من لدنّا». والمُعطي واحد، والآيةُ واحدة، والنَّفَسُ واحد. فلماذا غيَّر الكلمة؟ ولو كانتا بمعنًى واحدٍ لَما تعِبَ في التفريق. هذا سؤالُ هذا المقال. ومعه ثالثةٌ نستعملُها كلَّ يومٍ ولا نُفكِّرُ فيها: «لَدى».

أوّلاً: ماذا قال أهلُ اللغة؟

قالوا في «عند» إنّها حضورُ الشيء ودُنوُّه، وإنّها ظرفُ مكانٍ وزمان بحسب ما تُضاف إليه، ثمّ زادوا كلمةً نفيسةً ينبغي أن نلتقطَها ونقفَ عندها: إنّهم يستعملونها أحياناً في الحُكم وحدَه، من غير نظرٍ إلى مكانٍ ولا زمان. فمن قال «هذا عندي أفضلُ من هذا» لم يُرِد مكاناً؛ أراد: في ميزاني.(١)

وفي «لَدُن» جاؤوا بفرقٍ حادٍّ يستحقُّ أن يُقرأ مرّتين: تقول «عندي مالٌ عظيم» ومالُك في بلدٍ بعيدٍ لا تراه - ويصحُّ الكلام. أمّا «لَدُن» فلا تكون إلا لِما يليك أنت، ولا تُقال في الغائب.(٢)

وأمّا «لَدى» فاكتفوا بأن قالوا: معناها معنى «عند». وهنا نقفُ ونعترض. فإذا كان القرآنُ يُفرِّقُ بينهما تفريقاً منتظماً لا يَشِذُّ - فالتسويةُ بينهما لا تصحّ. والمعاجمُ أعطَتنا ملاحظاتٍ صادقةً متفرِّقة، لكنّها لم تُعطِنا ميزاناً واحداً نضعُ فيه الثلاثةَ فنرى أيُّها يَرجَح. وهذا الميزانُ هو ما بحثتُ عنه.(٣)

ثانياً: الميزان - حرفٌ واحدٌ صغير

لم أبدأ بالمعاني، فالمعاني يختلفُ فيها الناس. بدأتُ بشيءٍ يُعَدُّ ولا يُجادَلُ فيه: أيُّ الثلاثة يقبَلُ أن تدخُلَ عليه «مِن»؟ وعددتُ المواضعَ كلَّها في المصحف، فكانت النتيجةُ هذه:

الكلمةجاءت بعد «مِن»جاءت بلا «مِن»
لَدُنْ١٨صفر
لَدَىصفر٢٢
عِند٤٠١٥٦

انظر إلى السطرين الأوّلين، وأطِل النظر: «لَدُن» لم تَرِد في القرآن كلِّه مرّةً واحدةً إلا و«مِن» قبلها، ثمانيةَ عشرَ موضعاً لم يَشِذَّ منها موضع؛ و«لَدى» على العكس، اثنان وعشرون موضعاً لم تَقَع في واحدٍ منها بعد «مِن». صفرٌ مقابلَ تمامٍ. وهذا لا يقعُ مصادفةً في كتابٍ بهذا الطول.(٤)

ولا تقُل: لعلّ اللغةَ لا تُجيزُ «من لَدى». بل تُجيزها. العربُ تقول «من جواري» و«من ناحيتي»، والقرآنُ نفسُه يقول «من عندي» أربعين مرّة. فالبابُ مفتوح، و«لَدى» وحدَها لم تدخُله. ومن أبى بابًا مفتوحًا فله سببٌ في نفسِه.

والسببُ - كما سيتبيَّنُ - بسيط: «مِن» تعني أنّ شيئاً خرَجَ من هناك. و«لَدى» لا يخرجُ منها شيء، لأنّها ليست مكاناً تُخزَنُ فيه الأشياءُ ثمّ تُخرَج، بل هي حضورٌ قائمٌ في هذه اللحظة. و«لَدُن» عكسُها تماماً: هي نقطةُ الخروج نفسُها، فلا تُذكَرُ إلا ومعها «مِن». وبينهما «عند»، تصلُحُ للأمرين، ولذلك بلغَت المئةَ والستّةَ والتسعين.

الشيءُ الذي عندك قد تُخرِجُه وقد يبقى. والذي لَدَيك حاضرٌ الآن. والذي مِن لَدُنك خرَجَ منك أنت.

ثالثاً: لَدَى - الحضورُ في هذه اللحظة

«لَدى» أقلُّ الثلاثة: اثنان وعشرون موضعاً لا غير. وأجملُ ما فيها أنّ القرآنَ فسَّرها بنفسِه، فوضَعَ إلى جانبها كلمةَ «مُحضَرون» مرّتين:(٥)

﴿فَإِذَا هُمۡ جَمِيعٞ لَّدَيۡنَا مُحۡضَرُونَ﴾ [يس ٥٣]، و﴿وَإِن كُلّٞ لَّمَّا جَمِيعٞ لَّدَيۡنَا مُحۡضَرُونَ﴾ [يس ٣٢]. أُحضِروا فصاروا «لَدَيه». هذه هي الكلمةُ في سطر.

والمقصودُ بالحضور: أن يكونَ الشيءُ موجوداً مع الآخَرِ في تلك اللحظة. لا يُشترَطُ أن يكونَ الآخَرُ أميراً ولا ذا سلطان؛ يستوي فيه الأميرُ والغفير. بل قد لا يكونُ عاقلاً أصلاً: ﴿إِذِ ٱلۡقُلُوبُ لَدَى ٱلۡحَنَاجِرِ كَٰظِمِينَ﴾ [غافر ١٨] - والحنجرةُ ليست صاحبةَ أمرٍ ولا مِلك، وإنّما بلَغَ القلبُ إليها في تلك اللحظة فصار «لَدَيها».

وأوضحُ ما تظهرُ فيه اللحظةُ قولُ ملكِ مصرَ ليوسف: ﴿إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ [يوسف ٥٤]. وانظر متى قالها: قال قبلَها ﴿ٱئْتُونِى بِهِۦٓ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِى﴾ - فأُحضِر، ثمّ كلَّمه، ثمّ قال «لدينا». ولم يقُلها ويوسفُ في السجن، وهو مَلِكُه في الحالين. فالذي تغيَّر ليس المُلكَ ولا المكانة، بل الحضورُ في تلك الساعة. ولهذا قال «اليومَ».

وعلى هذا تجري مواضعُها كلُّها:

الآيةُ ورقمُهاماذا تقول
﴿وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَـٰمَهُمْ﴾ [آل عمران ٤٤]لم تكن معهم في تلك الساعة - وهم قومٌ لا مُلكَ لهم ولا سلطان
﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَا ٱلْبَابِ﴾ [يوسف ٢٥]وجَداه واقفاً عند الباب، لا في داخل البيت
﴿إِذِ ٱلۡقُلُوبُ لَدَى ٱلۡحَنَاجِرِ كَٰظِمِينَ﴾ [غافر ١٨]بلَغتِ القلوبُ الحناجرَ في تلك اللحظة - والحنجرةُ ليست ذات أمر
﴿مَّا يَلۡفِظُ مِن قَوۡلٍ إِلَّا لَدَيۡهِ رَقِيبٌ عَتِيدٞ﴾ [ق ١٨]رقيبٌ حاضرٌ في كلِّ لحظةٍ يَلفِظُ فيها
﴿لَا تَخۡتَصِمُواْ لَدَيَّ وَقَدۡ قَدَّمۡتُ إِلَيۡكُم بِٱلۡوَعِيدِ﴾ [ق ٢٨]لا تختصموا وأنتم واقفون أمامي الآن
﴿مَا يُبَدَّلُ ٱلۡقَوۡلُ لَدَيَّ﴾ [ق ٢٩]القولُ حاضرٌ بين يديّ، فلا يُبدَّل
﴿إِنَّ لَدَيۡنَآ أَنكَالٗا وَجَحِيمٗا﴾ [المزمل ١٢]مُعَدٌّ حاضرٌ الآن، لا شيءٌ مؤجَّلٌ يُنتظَر

وإذا قيلت في حقِّ الله فليست جواراً ولا مسافة - تعالى عن ذلك. هي أن تكونَ حاضراً في تلك الساعة، حيث لا يَغيبُ عنه غائب.

وهنا آيةٌ قد تُشكِل: ﴿وَإِنَّهُۥ فِيٓ أُمِّ ٱلۡكِتَٰبِ لَدَيۡنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الزخرف ٤]. يقول قائل: إن كان «في أمّ الكتاب» فقد صار مخزوناً، فكيف يكون «لدينا»؟ والجوابُ أنّ الكلمتين تقولان شيئين مختلفين: «في» تُخبِرُك أين هو - في أمّ الكتاب. و«لدينا» تُخبِرُك ما مكانتُه عند صاحبِ الكتاب - عالٍ حكيم. ولا تعارضَ بين أن يكونَ الشيءُ في مكانٍ وأن يكونَ له قدرٌ عند صاحبه.

وأوضحُ من هذا كلِّه أن تُقابِلَ بين كتابين ذُكِرا بالتركيب نفسِه:

﴿وَعِندَنَا كِتَٰبٌ حَفِيظُۢ﴾ [ق ٤] · ﴿وَلَدَيۡنَا كِتَٰبٞ يَنطِقُ بِٱلۡحَقِّ﴾ [المؤمنون ٦٢]. الأوّلُ «عندنا» ووُصِفَ بأنّه حفيظ - محفوظٌ مصون. والثاني «لدينا» ووُصِفَ بأنّه ينطقُ بالحقّ - يتكلَّمُ ويَشهد. فالذي في الحوزةِ يُحفَظ، والذي بين اليدين يَشهد. أرأيتَ كيف تَبِعَتِ الصفةُ الكلمة؟

ومن هذا ﴿كُلُّ حِزۡبِۭ بِمَا لَدَيۡهِمۡ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون ٥٣، والروم ٣٢]: كلُّ فريقٍ يَفرَحُ بما هو في يده الآن، لا بما يَرجوه ولا بما مضى.

رابعاً: عِند - ما دخَل في سلطانك

هذه أكثرُ الثلاثة دَوَراناً: مئةٌ وستّةٌ وتسعون موضعاً. ومعناها في سطرٍ واحد: أنّ الشيءَ دخَلَ في سلطانك. فإن كان عَيناً فهو في حَوزتك، وإن كان معنًى فهو في حُكمِك وميزانك - ومعنًى واحدٌ يَجري في البابين، والثاني مأخوذٌ من الأوّل.

ولاحظ أوّلاً: لا يُشترَطُ أن تراه. تقول «عندي بيتٌ في القرية» وأنت في المدينة، ويصحُّ كلامُك - لأنّه في سلطانك وإن غاب عنك. ولا تستطيعُ أن تقولَ «لَدَيَّ بيتٌ في القرية» وأنت هنا؛ لأنّ «لَدى» تُريدُ الحضورَ الآن. وهذا وحدَه يَفصِلُ بين الكلمتين فَصلاً لا يَلتبِس.

وأوضحُ ما يظهرُ فيه هذا السلطان: الخزائن. قال تعالى:

﴿وَإِن مِّن شَيۡءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَآئِنُهُۥ﴾ [الحجر ٢١]. وتتبَّعتُ لفظَ «الخزائن» في القرآن، فإذا هي ثمانيةُ مواضع: خمسةٌ منها بـ«عند»، والثلاثةُ الباقيةُ بألفاظِ المِلك: ﴿تَمۡلِكُونَ﴾ و﴿وَلِلَّهِ خَزَ﴾ و﴿عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلْأَرْضِ﴾. أمّا «لَدى» و«لَدُن» فلم تَقتربا من الخزائن ولا مرّةً واحدة.(٦)

وهنا موضعٌ يَحتاجُ تنبُّهاً. قد يقول قارئ: إذن «عِند» هي الخزانة. وليس كذلك - وانظر إلى الآية نفسِها: لم يقُل «إلّا عندنا» فيكفي، بل قال «عندنا خزائنُه». فلو كانت «عِند» هي الخزانةَ لصار المعنى: في خزانتنا خزائنُه! وهذا لا يُقال. الخزائنُ هي الوعاء، و«عِند» تقولُ لك: هذا الوعاءُ ملكُه. كلمتان لكلٍّ عملُها.

وهنا يَظهرُ البابُ الثاني. فحين يكونُ المذكورُ معنًى لا عَيناً، صارَ السلطانُ حُكماً لا حيازة: ﴿إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡ﴾ [الحجرات ١٣] - أي في ميزانِه هو، لا في ميزان الناس. و﴿فَإِنۡ أَتۡمَمۡتَ عَشۡرٗا فَمِنۡ عِندِكَ﴾ [القصص ٢٧] - أي أنت صاحبُ الأمرِ في الزيادة، إن شئتَ زِدتَ وإن شئتَ تركت. وأهلُ اللغة أنفسُهم قالوا هذا: إنّها ضُمِّنت «معنى المِلك والسلطان على الشيء»، ومن هنا استُعملت في المعاني. فليس هذا معنًى ثانياً طارئاً، بل فرعٌ من الأوّل.

وأمّا ﴿حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم﴾ [البقرة ١٠٩] فليس معناها أنّ الحسدَ كان مكدَّساً في صدورهم، بل أنّه صدَرَ عن سلطانهم هم - هم الذين أرادوه وفعلوه - ولذلك جاءت بـ«مِن». ولو أراد ما في الجوف لقال «في أنفسهم»، وهكذا يقولُ القرآنُ دائماً حين يُريدُ ما في الصدور. بل جمَعَ الحرفين في آيةٍ واحدةٍ على لسان نوحٍ عليه السلام: قال ﴿عِندِى خَزَآئِنُ ٱللَّهِ﴾ في موضع، وقال ﴿ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِىٓ أَنفُسِهِمْ﴾ في الموضع نفسِه. الخزائنُ بـ«عند»، والأنفسُ بـ«في».(٧)

وعلى هذا تَجري مواضعُها في حقِّ الله: ﴿بَلْ أَحْيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران ١٦٩] - داخلون في سلطانه، يُجرى عليهم الرزقُ بأمرِه. و﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأعراف ٢٠٦] - في سلطانه فلا يَستكبِرون عليه. وسألت امرأةُ فرعون: ﴿رَبِّ ٱبۡنِ لِي عِندَكَ بَيۡتٗا فِي ٱلۡجَنَّةِ﴾ [التحريم ١١] - أي بيتاً يكونُ في سلطانك أنت، لا في سلطان فرعون الذي كانت في بيته. فهي لم تَسأل جداراً؛ سألت أن تَخرُجَ من يدٍ إلى يد. وتأمّل: طلبَت بيتاً وهو أضيقُ ما يكون، ثمّ قالت «عندك» - فلو كانت «عِند» هي الجدارَ المغلَقَ لكان في الجملة تكرارٌ لا معنى له.

ويَستوي في ذلك الحسّيُّ والمعنويّ: ﴿إِمَّا يَبۡلُغَنَّ عِندَكَ ٱلۡكِبَرَ﴾ [الإسراء ٢٣] - الوالدان صارا في سلطان ولدِهما وتحت يدِه، وهذا سرُّ الوصيّة: مَن مَلَكَ أمرَ غيرِه فليَتَّقِ اللهَ فيه.

خامساً: لَدُن - ما جاءك منه هو، بلا واسطة

ثمانيةَ عشرَ موضعاً، كلُّها بـ«مِن»، وكلُّها في حقِّ الله إلّا واحدةً على لسان موسى. وقد يُقال: هي خزانةٌ خاصّةٌ للمعجزات. وليست كذلك، والذي يجمعُها أبسطُ من ذلك وأدقّ: أن يأتيَ الشيءُ منه هو مباشرةً، بلا سببٍ يَجري ولا واسطةٍ تَتوسَّط.(٨)

ولتَرَ ذلك بعينك، انظر متى قالها الناسُ في القرآن:

الآيةُ ورقمُهامتى قيلت
﴿رَبَّنَآ ءَاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحۡمَةٗ﴾ [الكهف ١٠]فتيةٌ فرّوا إلى كهف، لا حيلةَ لهم ولا ناصر
﴿فَهَبۡ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيّٗا﴾ [مريم ٥]شيخٌ كبير، وامرأتُه عاقر - انقطعتِ الأسبابُ كلُّها
﴿وَٱجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَٱجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾ [النساء ٧٥]مستضعَفون لا وليَّ لهم في الأرض
﴿مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود ١، والنمل ٦]كتابٌ لم يأتِ عن طريق أحد
﴿وَعَلَّمۡنَٰهُ مِن لَّدُنَّا عِلۡمٗا﴾ [الكهف ٦٥]علمٌ بلا معلِّم

أرأيتَ الجامعَ بينها؟ ما قالها أحدٌ في القرآن وعنده بابٌ آخرُ يَطرُقه أو سببٌ يَتعلَّقُ به؛ إنّما يقولُها من انقطعَت بينه وبين ربِّه كلُّ واسطة، فلم يَبقَ إلا هو. وزكريّا لم يَسأل هذا السؤالَ وهو شابٌّ وامرأتُه شابّة - سألَه بعد أن أُغلِقَ البابُ بالشيخوخة والعُقْم، حين لم يَبقَ في الأسباب سبب.

وقد يَعترِضُ معترضٌ فيقول: فما تصنعُ بهذه؟ ﴿لَوۡ أَرَدۡنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهۡوٗا لَّٱتَّخَذۡنَٰهُ مِن لَّدُنَّآ﴾ [الأنبياء ١٧] - واللهوُ ليس هبةً ولا كرامة. وبهذه: ﴿لِّيُنذِرَ بَأۡسٗا شَدِيدٗا مِّن لَّدُنۡهُ﴾ [الكهف ٢] - والبأسُ عذابٌ لا عطاء.

والجوابُ أنّ هاتين الآيتين ليستا نقضاً، بل هما الدليلُ الأقوى. فمعنى الأولى: «من ذاتِنا لا من خَلقِنا» - وهذا نصٌّ في أنّه لا واسطة. ومعنى الثانية: بأسٌ يأتي منه مباشرةً لا بأسبابٍ تجري. ولو كانت «لَدُن» خزانةَ العطايا لَما استقامَ فيها لهوٌ ولا بأس.

وبقيَ الموضعُ الوحيدُ الذي لم يُقَل في حقِّ الله: ﴿قَدۡ بَلَغۡتَ مِن لَّدُنِّي عُذۡرٗا﴾ [الكهف ٧٦]. وأقربُ ما يُفهَمُ منه أنّ موسى يقول للرجل: العُذرُ الذي بلغتَه جاءك منّي أنا - لستَ محتاجاً إلى حَكَمٍ ولا شاهد؛ أنا أعطيتُك إيّاه بلساني. ‹وهذا فهمٌ مني، والآيةُ تَحتمِلُ غيرَه.›(٩)

سادساً: فلماذا فرَّق في آية الكهف؟

نعودُ إلى حيث بدأنا: الرحمةُ «من عندنا» والعلمُ «من لدنّا». وكلاهما بـ«مِن»، فكلاهما جاء من الله. فأينَ الفرق؟

الرحمةُ خرجَت ممّا في يده سبحانه، وهي تُقسَمُ وتُوزَّعُ ويُصيبُ منها خلقٌ كثيرٌ في كلِّ أرضٍ وزمان. أمّا العلمُ فجاء منه مباشرةً، بلا معلِّمٍ في الوسط.

وهنا يَنكشِفُ سرُّ القصّة كلِّها. موسى عليه السلام نبيٌّ عظيم، لكنّه تعلَّمَ بواسطة: وحيٌ يَنزِل، وألواحٌ تُكتَب، وميقاتٌ يُضرَبُ فيَذهبُ إليه. وهذا الرجلُ تعلَّمَ بغير واسطة. ولهذا حارَ موسى فيما رأى، وهو الذي كلَّمه اللهُ تكليماً؛ لأنّه كان يَزِنُ عِلماً لا سَنَدَ له في التعليم الذي يَعرِفه. كلمةٌ واحدةٌ في الآية أخبرَتْنا بذلك، ومرَرْنا عليها ألفَ مرّةٍ ولم نَقِف.

ما يَدَّعيه هذا البحث وما لا يَدَّعيه

أدَّعي أنّ الثلاثةَ لا تتبادل، وأنّ الفاصلَ بينها يُعَدُّ ولا يُظَنّ: دخولُ «مِن» وامتناعُها. وأدَّعي أنّ «عِند» ما دخَل في سلطانك، و«لَدى» ما هو حاضرٌ معك الآن، و«لَدُن» ما جاء منك بلا واسطة.

ولا أدَّعي أنّ هذا يُغنيك عن السياق. فقولُه ﴿بِمَا لَدَيۡهِمۡ﴾ يصدُقُ على القطعةِ في اليد وعلى المال، والسياقُ هو الذي يُعيِّن. ولا أدَّعي أنّ هذه الكلماتِ تُثبِتُ لله مكاناً أو جواراً - فالكلمةُ لا يُبنى عليها ذلك، وإنّما تُفيدُ في حقِّه السلطانَ والحُكمَ والحضورَ بين يديه. ولا أدَّعي أنّ كلَّ ما جاء «من لَدُن» معجزةٌ خارقة؛ فقد رأيتَ اللهوَ والبأس. وما وراء ذلك فبابُ النظرِ مفتوح.

الخلاصة في ثلاثة أسطر

الكلمةمعناهاالدليل
عِندما دخَل في سلطانك - عَيناً في حَوزتك أو حُكماً في ميزانكتقبَلُ «مِن» وتقبَلُ تركَها - ٤٠ و١٥٦
لَدَىما هو حاضرٌ معك في هذه اللحظةلم تَقبَل «مِن» ولا مرّة - صفرٌ من ٢٢
لَدُنْما جاء منك أنت بلا واسطةلم تأتِ إلا بـ«مِن» - ١٨ من ١٨

وسببُ ذلك بسيطٌ إذا تأمَّلتَه: ما دخَل في سلطانك قد يَحضُرُ وقد يَغيب، فقَبِلَت «عِند» الوجهين. وما هو أمامك الآن لا يُقال إنّه «خرج من هناك»، فأبَتْ «لَدى» أن تقبَلَ «مِن». وما هو نقطةُ الخروج لا يَستقرُّ فيه شيء، فلم تأتِ «لَدُن» إلا بها. ليس في الأمر مفتوحٌ ومغلق، ولا قريبٌ وأقرب - ثلاثُ كلماتٍ لثلاثة أعمال.

هذا، والله أعلم.

  1. «ومعناها حضورُ الشيء ودنوُّه، وهي ظرفٌ في المكان والزمان بحسب ما تُضاف إليه» (تاج العروس، مادة عند، جـ٨ صـ٤٢٦). ثمّ قال: «استعملوا عند في مجرَّد الحكم من غير نظرٍ لظرفيّةٍ أو غيرها، كقولهم عندي مال، لِما هو بحضرتك، ولِما غاب... عنك، ضُمِّن معنى الملك والسلطان على الشيء، من هنا استُعمل في المعاني، فيقال: عنده خير، وما عنده شر، لأنّ المعاني ليس لها جهات... ويكون بمعنى الحكم، يقال: هاذا عندي أفضل من هاذا، أي في حكمي» (جـ٨ صـ٤٢٧-٤٢٨). وفسَّر في الموضع نفسِه ﴿فَمِنۡ عِندِكَ﴾ بـ«أي من فضلك».
  2. «قال أبو إسحاق: لَدُنْ لا تُمكَّن تمكُّنَ عند، لأنّك تقول هذا القولُ عندي صواب، ولا تقول هو لَدُنّي صواب، وتقول عندي مالٌ عظيم والمالُ غائبٌ عنك، ولَدُنْ لِما يَليك لا غير» (لسان العرب، مادة لدن، جـ١٣ صـ٣٨٣؛ ونصُّه في تاج العروس جـ٣٦ صـ١٠٨-١٠٩). وفي التاج، الموضعِ نفسِه، نقاشُ الزجّاج في قراءات ﴿مِن لَّدُنِّي﴾.
  3. «الليث: لَدى معناها معنى عند، يقال: رأيتُه لدى بابِ الأمير، وجاءني أمرٌ من لَدَيْك أي من عندك» (لسان العرب، مادة لدي، جـ١٥ صـ٢٤٥). والقولُ للّيث نقَله ابنُ منظور، وليس حكماً منه. وفي الموضع نفسِه: «وفي التنزيل العزيز ﴿هَٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾؛ يقولُه المَلَك، يعني ما كُتب من عمل العبد حاضرٌ عندي».
  4. الإحصاءُ على مواضع المصحف كلِّها: «لَدُنْ» وصيغُها ثمانيةَ عشرَ موضعاً في سبعَ عشرةَ آية (تكرَّرت في النساء ٧٥)، وكلُّها مسبوقةٌ بـ«من» بلا استثناء. و«لَدَى» وصيغُها اثنان وعشرون موضعاً في إحدى وعشرين آية (تكرَّرت في آل عمران ٤٤)، ولم تُسبَق بـ«من» ولا مرّةً واحدة. و«عِند» وصيغُها مئةٌ وستّةٌ وتسعون موضعاً، منها أربعون مسبوقةٌ بـ«من» ومئةٌ وستّةٌ وخمسون بغيرها.
  5. مواضعُ «لَدَى» كلُّها: آل عمران ٤٤ (مرّتين)، ويوسف ٢٥ و٥٤ و١٠٢، والكهف ٩١، والمؤمنون ٥٣ و٦٢، والنمل ١٠، والروم ٣٢، ويس ٣٢ و٥٣، وغافر ١٨، والزخرف ٤ و٨٠، وق ١٨ و٢٣ و٢٨ و٢٩ و٣٥، والجن ٢٨، والمزمل ١٢.
  6. مواضعُ «الخزائن» كلُّها ثمانية: الأنعام ٥٠، وهود ٣١، والحجر ٢١، وص ٩، والطور ٣٧ - وهذه الخمسةُ بـ«عند»؛ والإسراء ١٠٠ ﴿تَمۡلِكُونَ﴾، والمنافقون ٧ ﴿وَلِلَّهِ خَزَ﴾، ويوسف ٥٥ ﴿عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلْأَرْضِ﴾ - وهذه الثلاثةُ بألفاظ المِلك والتولية. ولم تَقترن الخزائنُ بـ«لَدَى» ولا بـ«لَدُنْ» في موضعٍ واحد.
  7. وقد أُضيفت «عند» إلى النفس مرّتين لا غير، وكلتاهما بـ«من»: ﴿حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم﴾ [البقرة ١٠٩]، و﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ﴾ [آل عمران ١٦٥]. ولم تَرِد «عند أنفسِهم» مجرَّدةً من «من» قطُّ. وأمّا ما في جوف النفس والقلب فيُذكَر بـ«في» في نحوِ ستّةٍ وخمسين موضعاً.
  8. مواضعُ «لَدُنْ» كلُّها: آل عمران ٨ و٣٨، والنساء ٤٠ و٦٧ و٧٥ (مرّتين)، وهود ١، والإسراء ٨٠، والكهف ٢ و١٠ و٦٥ و٧٦، ومريم ٥ و١٣، وطه ٩٩، والأنبياء ١٧، والنمل ٦، والقصص ٥٧.
  9. وقُرئ ﴿مِن لَّدُنِّي﴾ بتشديد النون وتخفيفها، ونُقل عن الزجّاج أنّ «أصلَ لَدُنْ الإسكانُ، فإذا أضفتَها إلى نفسِك زدتَ نوناً ليَسلمَ سكونُ النون الأولى» (لسان العرب جـ١٣ صـ٣٨٤؛ وتاج العروس جـ٣٦ صـ١٠٩).

التعليقات (0)