أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

📁 آخر الأخبار

الندم والحسرة في القرآن المكرم

 


الندم والحسرة في القرآن المكرم

الندم في القرآن المكرم

ندم في المعاجم:

 انتدم الشيء أي ظهر أثره. وخذ ما انتدم أي ما تيسر. وهو الإحساس بفقد معظم شيء أو كله مع العجز عن استدراك ما فات. والندم التحسر. والندم عند الزمخشري هو الغم اللازم. وهناك حديث منسوب إلى عمر يقول:" إياكم ورضاع السوء فإنه لابد أن ينتدم يومًا" وزعموا أن ينتدم أي يظهر أثره ([1])

الندم في القرآن:

كما هي العادة فالمعاجم ضعيفة جداً في سبر المعاني، ولهذا يجب أن نتمعن في ندم وحسر ونعمل مقارنة لأنه بهذه الطريقة يتبين معنى الاثنان بإذن الله.

ذُكر الندم في قرآن سبع مرات، ونلاحظ أنه يأتي بعد الأفعال العنيفة جداً التي أعظمها القتل مثل ندم قابيل على قتل هابيل.

{فَأَصْبَحَ مِنَ النَّٰدِمِينَ}  [المائدة: 31].

 وكندم قوم ثمود لما عقروا الناقة.

{ فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَٰدِمِينَ }  [الشعراء: 157].

والندامة تأتي مع كل ظلم، يفعله الإنسان بأخيه الإنسان

{ وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ}  [يونس: 54].

وحذر الله المؤمنين من الأخطاء التي تبدو غير مقصودة، ولكن نتيجة إهمال

{ يَٰأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَٰلَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَٰدِمِينَ }  [الحجرات: 6].

فما هو الشعور الذي ينتج عن الظلم؟

هو الشعور الشديد الألم الذي يسميه الجمهور بتأنيب الضمير، حتى يكاد يأكل صاحبه، فكل ما ورد في القرآن هو عن ظلم الإنسان للإنسان، خاصة القتل، لأنه أعظم الظلمات.

 ونلاحظ أن الندم يتميز بالتالي:

- هو نتيجة فعل وليس عمل، وشرحنا الفرق بينهما، وقلنا الفعل لمرة واحدة، أما العمل فهو تكرار الفعل عدة مرات، وأعظم الأفعال التي يندم عليها الإنسان هي القتل، والقتل لا يمكن تكراره.

- الندم ينتج عن فعل لا يمكن إصلاحه فمن قتل لا يعود.

- والندم مؤلم جداً حتى أن الظالم يعض على يديه { وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ}  [الفرقان: 27].

- والندم يظهر نتيجة قتل الآخرين أو الضرر بهم، لأن فطرتنا السوية ضد هذا مطلقاً، ولهذا يشعر النادم بألم شديد. ولا أتحدث عن غير الأسوياء فهؤلاء خارج كلامنا لأنهم فقدوا البشرية، وصاروا من الشياطين.

 

الخلاصة:

الندم هو الشعور المؤلم جداً الناتج عن ظلمنا للآخرين، لأن أنفسنا السوية ترفض هذا، أما الطغاة فقد طمست فطرتهم، لكن سيشعرون بالندم يوم القيامة عندما يرون العذاب.

الحسرة في القرآن المكرم  

حسر في المعاجم:

الحسر هو كشف الشيء، فحسر عن ذراعه أي كشفه. والحاسر الذي لا درع عليه. وحسرت البيت أي كنسته. والمحسرة هي المكنسة. وفلان كريم المحسر أي المخبر. وحسرت عليه حسراً أي انكشف أمره في جزعه وقلة صبره. وناقة حسرى إذا ظلعت. وحسر البصر إذا كلّ. والمحسّرُ هو المحقّر. وانحسرت الطير أي خرجت من الريش القديم إلى الحديث. وتحسّر الشعر عن الحمار أي سقط ([2])

حسر في القرآن:

سنلاحظ أن الحسرة أقل من الندم، فالندم كما شرحنا شعور ينتج عن ظلمنا للآخرين، بينما الحسرة فهي الشعور المؤلم الذي ينتج عن المكسب والخسارة، وليس له علاقة بالبشر وظلمهم، فكلما خسرنا كلما تحسرنا على الخسارة، أي ضربنا كف بكف على تلك الخسارة فهو شعور لكنه أقل من الندم.

أنظر الآيات المبجلات:

{يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَٰلَهُمْ حَسَرَٰتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَٰرِجِينَ مِنَ النَّارِ }  [البقرة: 167].

فعندما يتبين للكافر أن عمله الذي أنفق فيه المال والوقت والجهد، قد صار هباء كما تقول آيات أخرى ستكون تلك الأعمال حسرات، أي يشعرون بألم الخسارة الشديد.

وأنظر الآية المبجلة:

{ يَٰأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَٰنِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَّوْ كَانُوا عِندَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَٰلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِ وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }  [آل عمران: 156].

والمنافقين يريدون أن يبينوا خسارة المؤمنين بموت بعضهم، فتبين الآية أن سيكون حسرة على المنافقين، لأن القتيل سيذهب للجنة، وفي هذا مكسب سيتحسر المنافق على تفويته، كذلك قد يعود المؤمن منتصراً بغنيمة، وهذا أيضاً أمر سيتحسر عليه المنافق لأنه قد خسر، لكن الحسرة الكبرى ستكون يوم القيامة {وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ}([3]) لأن الكافر يعلم حينها مدى ما خسره من جنان ونعيم.

خسر وحسر:

{ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّىٰ إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَٰحَسْرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ }  [الأنعام: 31].

وتبين هذه الآية بكل وضوح أن الحسرة تأتي من الخسارة، أي أنهم فوتوا مكاسب عظيمة، نتج عنها حسرة أي شعور نفسي مؤلم، لكن لا يصل إلى درجة الندم.

إنفاق المال حسرة:

{ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ}  [الأنفال: 36].

والكفار ينفقون المال من أجل منع انتشار الدين الجديد، ولكن سينتج عن هذه الأموال حسرة، ربما لأن من انفقوا عليهم قد غدروا بهم أو لأن بعد الانفاق تغلب عليهم المسلمون.

ملوماً محسوراً:

{ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا }  [الإسراء: 29].

الآية توصي الإنسان بالوسطية، فلا تبذير ولا تقتير، لأن من يقتر سيلومه الناس، ومن يبذر سيتحسر، لأنه أنفق في غير محله. ولعل الناس تلوم المقتر والمبذر، فهذه بيعتهم.

البصر حسير:

{ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ }  [الملك: 4].

البصر الذي يبحث عن ثغرة وعيب في السماء، فلا يجدها، رغم أنه بحث عنها عدة مرات، فيصاب بالحسرة لأنه ضيع وقته في ما لا فائدة منه، فقد خسر الزمن بلا نتيجة. والبصر هنا يمثل الإنسان الذي يبحث عن العيوب في خلق الله.

حسرات الرسول:

{فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَٰتٍ}  [فاطر: 8].

توجه الآية الرسول إلى أن الهداية بيد الله، وأنك ستستهلك عمرك وتخسر صحتك في سبيل إيمانهم ومن بعدها سوف تتحسر على ضياع صحتك ووقتك فيهم.

الخلاصة:

أن الحسرة هي الشعور المؤلم نتيجة الخسارة، وهي كما نعلم أقل ألماً من الندم الذي ينتج عن ظلمنا للآخرين، فالحسرة لا تنتج عن ظلمٍ، بل عن خسارة، والخسارة يمكن تعويضها أحياناً.

خلاصة الدراسة:

هذا المقال يؤكد صحة المنهجية التي اتبعناها وأن الكلمة تساهم في فهم الكلمة القريبة منها كما أنها تنفي التطابق "الترادف" فالحسرة مخصوصة فقط بالمكاسب والخسائر، فمن يخسر يتحسر، أما الندم فلا ينتج إلا عن الظلم الذي نوقعه على الآخرين.

والندم شديد في ألمه حتى أن الظالم يعض على يديه، لكن الخسران الذي فقد المال أو الوقت أو إي خسارة أخرى، فهو يتحسر وهو ألم نفسي لكنه أقل من الندم.

هذا والله أعلم

علي موسى الزهراني



([1]) «مجمع بحار الأنوار» (4/ 678):«معجم مقاييس اللغة» (5/ 411): «المعجم الاشتقاقي المؤصل» (4/ 2171):

([2]) «معجم مقاييس اللغة» (2/ 61): «المعجم الاشتقاقي المؤصل» (1/ 428):

([3]) [مريم: 39]

ali
ali
تعليقات