خسأ في القرآن المكرم
خسأ في
المعاجم:
خسأ يدل على الإبعاد. وخسأت الكلب أي طردته.
وخسأ بصره أي سدِر وكلّ وأعيا. وتخاسأ القوم
بالحجارة أي تراموا. وخسأ ذل وانزجر كما ينزجر الكلب. وخسأ أي خاب ([1])
خسأ في القرآن:
ورد هذا الجذر أربع مرات فقط، ومن الواضح
أن المعاجم كانت ضعيفة، بل هزيلة جداً فلم تفهم هذه الكلمة جيداً، فسخأ ليست بطرد كما
تزعم المعاجم، فقد وجد هذا الجذر في القرآن، وليس ذل ولا ترامى بالحجارة، وليس كلّ
وتعب.
وقريب من جذر خسأ جذر خسف، وتقول المعاجم
أنه غموض ظاهر الأرض. وبئر خسيف إذا كسر جيلها فانهار. وانخسفت العين أي عميت. وخاسف
يعني مهزول، كأنه غار ودخل. أما جذر خسل فقد
جاء بمعنى المرذول للمخسول، وخُسّل يعني ضعفاء. والكواكب المخسولة يعني المجهولة ([2])
ونرجح من هذه الجذور الثلاثة أن خسأ تعني
تناقص في شيء كما تناقص خسف فصار تحت الأرض أو غاص وغاب. وكذلك خسّل والتي تعني الضعفاء
وتعني الكواكب المجهولة الاسم.
بل نجد أن أصل هذه الجذور هو الجذر القديم
السابق وهو "خسس" فالخسيس هو الدنيء والحقير. ورفعت من خسيسته، أي رفعت من
مقامه. وأخسست أي فعلت فعلاً خسيساً. وامرأة مستخسة أي قبيحة الوجه. وشيء مُستخس أي
دون ([3])
فمن هذا الأصل (خس) الأصل الأول لخسف وخسأ
وخسل، نجد أنها كلها تتعلق بالدونية والهبوط بعد الرفعة والعلو، وهو هبوط مادي مثل
هبوط العين نحو الأرض كما سوف نرى، أو هبوط معنوي بهبوط الكرامة والاحترام.
وعند عودتنا للقرآن، فقد افترضنا عدة افتراضات
لمعنى خسأ، ثم رجحنا اثنين منها، وهما:
- بمعنى اسكت أو أصمت
- بمعنى طأطأ الشيء بهوان وذل.
ثم استبعدنا "اسكت" رغم ميلنا له
أول الأمر، بناء لما قد توحيه الآية الكريمة
{ قَالَ اخْسَءُوا فِيهَا
وَلَا تُكَلِّمُونِ } [المؤمنون: 108].
فقلنا لعل الآية تشير إلى اسكاتهم ونهرهم
ومنعهم من الكلام، لكن لو كان الأمر كذلك فلماذا يقول لهم "ولا تكلمون" أليس
الاسكات أبلغ من جملة ولا تكلمون؟ أي كأن فيه حشواً -معاذ الله- فكأنه يقول اسكت ولا
تكلمني. وهذا بعيد عن بلاغة القرآن "وبركيته" فهو مبارك أي مضغوطة ألفاظه
وعباراته بحيث تؤدي لبحر من المعاني والمفاهيم.
فلم يبق أمامنا إلى المعنى الآخر لخسأ وهو
طأطأة الشيء بهوان وذل. ولهذا جاءت الآية التالية:
{ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ
كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ
حَسِيرٌ} [الملك: 4].
أي أن البصر الذي كان يبحث بحرص عن عيوب وأخطاء
في السماء عاد خاسئاً أي مطأطئ النظر نحو الأرض مع الهوان والانكسار.
وهذا ما أمرهم الله– أقصد أهل النار- حيث
يقول لهم طأطأوا رؤوسكم واغلقوا أفواهكم، وكأن النص يوجههم إلى إيقاف النظر واطباق
الفم، فممنوع على أمثالكم النظر أو الكلام.
تحول
أهل السبت إلى قرود:
{ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ
اعْتَدَوْا مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَٰسِءِينَ }
[البقرة: 65].
{ فَلَمَّا عَتَوْا عَن مَّا
نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَٰسِءِينَ
} [الأعراف: 166].
حول المولى جل جلاله أهل السبت إلى قرود بكن
فيكون سبحانه، وأضاف النص شارحاً أنهم قرود خاسئين! فهل تعني قرود ساكتين أو تعني قرود
مهانين ومذلولين؟
من الواضح أنهم كانوا في إهانة وذل، فقام
الناس بمطاردتهم، لقد كانوا في عز وغنى، ثم أصبحوا وإذا اجسامهم قد تغيرت من الشكل
البشري إلى الشكل القردي، فانكسرت أنفسهم وطأطأوا رؤوسهم من الهوان.
والنص يؤكد أن تحولهم إلى قرود
لم يفقدهم هويتهم، فلو أنهم فقدوا هويتهم وتحولوا جسمياً ونفسياً إلى قرود، فلم يكونوا
ليخسئوا فلا يعرفون ماضيهم، ولكن القوم ظلوا يحفظون ذاكرتهم فلهذا شعروا بالخزي والعار
فخسئوا أي طأطأوا رؤوسهم من المهانة.
لكن
ماذا عن نكس الرأس؟
{ وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلۡمُجۡرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ رَبَّنَآ أَبۡصَرۡنَا
وَسَمِعۡنَا فَٱرۡجِعۡنَا نَعۡمَلۡ صَٰلِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ } [السجدة: 12].
في هذه الآية لم يخسأ القوم بعد، فهم في
مرحلة سابقة، حيث هم لحظة الحساب ربما يتظاهرون بالإيمان أو أنهم قد آمنوا فعلاً، فلم
ينالوا العذاب خاصة عذاب الهون والاحتقار، فلهذا لم تخسأ أنفسهم بعد، وهم في مرحلة
التظاهر بالندم.
الخلاصة:
أن خسأ تعني نظر نحو الأرض، من شدة الذل،
والهوان، والاحتقار، والانكسار. أي كناية عن
الهوان، فالناظر لا يبحث عن شيء فقده، بل تدفعه نفس مكسورة محطمة، مثل تحول أهل السبت
إلى قرود فانكسرت أنفسهم فصاروا ينظرون إلى الأسفل من الانكسار، كذلك البصر الذي يبحث
عن عيوب في السماء فلم يجد شيئاً رغم حرصه فانكسرت عينه نحو الأرض، وشعر بالهزيمة
والانكسار، والبصر هنا كناية عن صاحب البصر.
كذلك تنخسأ أنفس الكفار في النار، أي تنكسر
نحو الأرض، لأنه فوق أنه عذاب جسمي شديد، فهو عذاب معنوي وسماه القرآن في آيات
أخرى، بعذاب الهون، فتجدهم يطأطؤون رؤوسهم فيها.
هذا والله أعلم
علي موسى الزهراني
هل لديك نظرة أخرى
أطرحها هنا كي نستفيد من علمك