أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

الشرق والغرب في القرآن المكرم

 


الشرق والغرب في القرآن المكرم

بقلم: علي موسى الزهراني



 مقدمة:

لطالما تعاملنا مع مفردتي "الشرق" و"الغرب" في القرآن المكرم وفي لساننا اليومي على أنهما مجرد "جهات جغرافية" اعتباطية تحدد مسار البوصلة، أو كمرادفات لألوان بصرية ترتبط بطلوع الشمس وغروبها. هذا الفهم الجغرافي واللوني، الذي ساد في المعاجم وتفاسير الأقدمين، عزل اللسان العربي عن طبيعته المادية الحركية، وجعلنا نقرأ الآيات القرآنية وكأنها نصوص مسطحة.

في هذا البحث، ومن خلال تطبيق نظرية "كيميائية اللسان العربي"، سننسف هذا الوهم الجغرافي، لنثبت بالدليل القاطع أن اللسان العربي يصف "حركة المادة" و"ميكانيكية التفاعل الفيزيائي". سنكتشف أن (الشرق) ليس جهة ولا لوناً أحمر، بل هو قانون "التشعب والانتشار"، وأن (الغرب) ليس جهة ولا لوناً أسود، بل هو قانون "الدخول في التجاويف والاستتار". ومن خلال هذا الميزان الصارم، سنعيد قراءة أعقد الآيات لنرى دقتها المتناهية.

الشرق في المعاجم:

أشرقت أي طلعت. وكل ما طلع من المشرق فهو شرق. والمِشرُقة هي موضع القعود للشمس. وأشرقت الشمس أي أضاءت. والشِرق هو الضوء الذي يدخل من شق الباب. والمِشرِق هو المكان الذي تشرق منه الشمس في رأي العين. وإشراق الشمس هو أول وقت إضاءتها. وأشرق القوم أي دخلوا في وقت شروق الشمس.

وشرقت الشمس شرقاً أي ضعف ضوءها. وشرق الدم بالجسم، أي ظهر ولم يسل. وفي الحديث: "كان يخرج يديه في السجود وهما متفلقتان قد شرق بينهما الدم". وعليهما ثياب مشرقة أي محمرة وهي من شرق إذا اشتدت حمرته. وأشرقته الصبغ إذا بالغت في حمرته. والشري هو شيء يخرج على الجسد أحمر كهيئة الدرهم([1]).

الشرق والمشرق عند المفسرين:

يرى الطبري أن المشرق موضع شروق الشمس أي طلوعها، وعكسه المغرب الذي تغرب فيه الشمس. ويرون أن تفسير "لله المشرق والمغرب" هو ما بين قطري الشرق وما بين قطري المغرب. كما لاحظ الطبري أن الشمس لا تظهر من نفس المكان الذي ظهرت منه حتى يمضي الحول وقد سمى هذا بالشروق، لهذا كان للشمس مشارق كثيرة ومغارب. ويرى آخرون أن المشرق والمغرب هما ناحيتا المعمورة. والمشرق عندهم هو موضع الشروق، أما المغرب فهو موضع الغروب. والمشرقين عندهم هو مشرقا الشتاء والصيف، وكذلك مغرباهما. أما المشارق والمغارب باعتبارها تشرق في كل يوم من مكان فبذلك لها 365 مشرقاً وكذلك المغرب ([2])

الشرق والغرب (الميزان الميكانيكي):

صار في عُرف الناس أن الشرق هو الأرض التي يظهر النور فيها بعد الفجر، وأنها مجرد جهة اعتباطية. ولكن تحت مجهر "الميكانيكا الحركية"، نكتشف أن اللسان يصف حالات مادية بحتة:

المعاجم تربط الشرق بظهور الدم (شرق الدم) أو احمرار الوجه (شرق وجهه). وهذا الاحمرار ليس هو المعنى الأصل، بل هو النتيجة البصرية لـ "التشعب والانتشار" (ش ر)؛ فالدم يتشعب في عروق الوجه حتى يطفو، والإنسان يشرق بالماء لأن الماء يتشعب في القصبة الهوائية. بينما الغرب (غ ر) هو "الدخول في تجويف واستتار"، فغرب الشيء أي دخل في تجويف فتوارى، وما يتبعه من سواد أو ظلام هو مجرد أثر بصري للاستتار. الشروق إذن ليس طلوع الشمس ككتلة، بل هو الحدث الفيزيائي لتشعب نور الشمس وانتشاره على السطح.

الأرض تشرق والشمس تطلع:

﴿وَأَشۡرَقَتِ ٱلۡأَرۡضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ ٱلۡكِتَٰبُ وَجِاْيٓءَ بِٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَقُضِيَ بَيۡنَهُم بِٱلۡحَقِّ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ﴾ [الزمر: 69].

الظلام سيحل في الأرض يوم القيامة، لكن ستشرق الأرض بنور ربها. الحدث الميكانيكي هنا هو أن النور الإلهي سيضرب الأرض ويتشعب وينتشر في كل أرجائها ليغمرها. الأرض هي الوعاء المستقبل الذي حدث فيه تشعب النور وانتشاره (أشرقت)، أما الشمس فتطلع فقط ككتلة.

لا شرقية ولا غربية:

﴿... يُوقَدُ مِن شَجَرَةٖ مُّبَٰرَكَةٖ زَيۡتُونَةٖ لَّا شَرۡقِيَّةٖ وَلَا غَرۡبِيَّةٖ يَكَادُ زَيۡتُهَا يُضِيٓءُ وَلَوۡ لَمۡ تَمۡسَسۡهُ نَارٞۚ...﴾ [النور: 35].

القرآن يقدم معادلة كيميائية وحركية لنمو الثمرة، وليس تحديداً جغرافياً:

  • لا شرقية: أي لم تتعرض لحالة "التشعب والانتشار" المفرط للإشعاع الشمسي، الذي يؤدي إلى حرق مركبات الكلوروفيل فيها، مما يجعل زيتها ثقيلاً وقليل الإضاءة.
  • ولا غربية: أي أنها لم تستتر في "تجويف" يحجب عنها النور (كقاع وادٍ عميق)، مما يمنع اكتمال التفاعلات لإنتاج زيت نقي.

بما أنها نجت من التشعب الإشعاعي المفرط والاستتار المظلم، فقد احتفظت بمركباتها كاملة، ولهذا ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ﴾ من شدة نقائها ([3]) .

مكاناً شرقياً:

﴿وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مَرۡيَمَ إِذِ ٱنتَبَذَتۡ مِنۡ أَهۡلِهَا مَكَانٗا شَرۡقِيّٗا﴾ [مريم: 16].

انتبذت مريم (ابتعدت) عن أهلها، ولجأت إلى "مكان شرقي". المعنى الميكانيكي ليس "جهة الشرق"، بل هو مكان منفتح مكشوف، تتشعب فيه سبل الحياة والنباتات (ولذلك جلست تحت نخلة). القرآن ينفي بهذا الوصف المادي ادعاءات أهل الكتاب بأن عيسى وُلد في زريبة مغلقة محصورة (مذود) ([4]) فقد زعموا أنه وُلد في زريبة الأنعام.

مشرقين (حالة الانتشار):

﴿فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلصَّيۡحَةُ مُشۡرِقِينَ﴾ [الحجر: 73].

مشرقين تصف "حالة الدخول في الوقت" الذي يبدأ فيه الضوء بالتشعب والانتشار على سطح الأرض. فقوم لوط أخذتهم الصيحة في اللحظة التي بدأ فيها النور يتشعب.

المشرق والمغرب (آلية العمل الكوني):

﴿تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ قِبَلَ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ﴾ [البقرة: 177].

القرآن يستخدم الإفراد والتثنية والجمع. الإفراد يتحدث عن مطلق النظامين الحركيين؛ "التشعب والانتشار" (المشرق)، و"الاستتار والدخول في التجاويف" (المغرب). ورغم أن المشرق والمغرب جهتان، فإنهما في الوقت نفسه مكانان يحدث فيهما هذا التفاعل. والتثنية في ﴿رَبُّ ٱلۡمَشۡرِقَيۡنِ وَرَبُّ ٱلۡمَغۡرِبَيۡنِ﴾ [الرحمن: 17] تصف نظامين متقابلين في عالم الشهادة للثقلين، والجمع في ﴿بِرَبِّ ٱلۡمَشَٰرِقِ وَٱلۡمَغَٰرِبِ﴾ يصف التعدد اللانهائي لعمليات التشعب والاستتار في الكون.

الغرب في القرآن المكرم

غرب في المعاجم:

أصل صحيح. والغرب هو حد الشيء. وغرب السيف هو حده. واستغرب الرجل أي بالغ في الضحك. والغرب هو الدلو العظيمة. والغروب هو مجاري العين. والغربة هو البعد عن الوطن. وغربت الشمس أي بعدت عن وجه الأرض. والغارب هو أعلى الظهر والسنام. والغراب طير معروف. والغربي صبغ أحمر  ([5]).

ميكانيكية الغرب وغروب الشمس:

الأصل الهندسي لـ (غ ر) هو "الدخول في تجويف للاستتار". فالدلو العظيمة سُميت غرباً لأنها تجويف يبتلع الماء. ومجاري العين غروب لأنها تجاويف يسيل فيها الدمع.

﴿حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ مَغۡرِبَ ٱلشَّمۡسِ وَجَدَهَا تَغۡرُبُ فِي عَيۡنٍ حَمِئَةٖ...﴾ [الكهف: 86].

المغرب هو الحيز المكاني أو الزماني الذي يتحقق فيه حدث "الدخول والاستتار". ذو القرنين وصل إلى النقطة التي تبدو فيها الشمس وكأنها تدخل وتستتر في تجويف العين الحمئة. الطلوع هو الظهور ككتلة بارزة، بينما الغروب هو الحركة العكسية؛ السقوط المادي والدخول في تجويف الأفق للاستتار.

غرابيب سود:

﴿... وَمِنَ ٱلۡجِبَالِ جُدَدُۢ بِيضٞ وَحُمۡرٞ مُّخۡتَلِفٌ أَلۡوَٰنُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٞ﴾ [فاطر: 27].

الغرابيب ليست سوداء لمجرد اللون، بل لتكوينها التضاريسي المحكوم بآلية (غ ر). الغرابيب هي الجبال المليئة بـ "الغِيران"؛ أي التجاويف العميقة والشقوق السحيقة. هذه التجاويف تبتلع النور وتستتر فيها الأشياء، فتنتج ظلالاً يراها الناظر شديدة السواد. السواد هنا هو الأثر البصري لطبيعة الجبل التجويفية الساترة.

غراباً:

﴿فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَابٗا يَبۡحَثُ فِي ٱلۡأَرۡضِ لِيُرِيَهُۥ كَيۡفَ يُوَٰرِي سَوۡءَةَ أَخِيهِۚ...﴾ [المائدة: 31].

يقول قابيل: ﴿أَعَجَزۡتُ أَنۡ أَكُونَ مِثۡلَ هَٰذَا ٱلۡغُرَابِ﴾، مما يثبت أن الطائر نُعت بهذا الاسم لكونه معلوماً بهذه الوظيفة مسبقاً. اللسان العربي يطلق الأسماء كـ "نعوت". (غُرَاب) جاءت على وزن (فُعَال) الدال على الاستمرارية. سُمي غراباً لأن وظيفته البيولوجية الملازمة هي (غ ر)؛ أي إحداث التجاويف وإخفاء مقتنياته في شقوق و"غيران". وعندما حفر الأرض أمام قابيل، علّمه كيف يطبق آلية "التجويف الساتر" لمواراة الجثة.

الجانب الغربي:

﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلۡغَرۡبِيِّ إِذۡ قَضَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَى ٱلۡأَمۡرَ...﴾ [القصص: 44].

﴿وَنَٰدَيۡنَٰهُ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلۡأَيۡمَنِ وَقَرَّبۡنَٰهُ نَجِيّٗا﴾ [مريم: 52].

القرآن يصف تضاريس الطور بدقة. موسى نودي من الجانب "الأيمن"، بينما الجانب الآخر وصفه القرآن بـ "الغربي" كاسم جامد ونعت، وليس كجهة ([6]) . نخلص إلى أن المقصود بـ (الغربي) ليس اتجاهاً، بل نعت للجبل لطبيعته التضاريسية المجوفة؛ أي أنه جبل تكثر فيه التجاويف والشقوق العميقة التي تبتلع النور فتجعله ساتراً ومظلماً. القرآن هنا يصحح التوراة ([7]) ويضع علامات مكانية تعتمد على الطبيعة المادية المجوفة وليست جهات اعتباطية.

خاتمة وافية:

في ختام هذا التفكيك المادي لجذري (ش ر) و(غ ر)، تتهاوى أمامنا التفسيرات الجغرافية واللونية التي قزمت دقة اللسان العربي لقرون طويلة. أثبتنا بالبرهان أن الكلمات في كتاب الله "نعوت" تصف هندسة الحركة وحالة المادة:

1. الشرق (التشعب والانتشار): سقطت خرافة ارتباطه باللون الأحمر كأصل حركي. الأرض تشرق عندما يتشعب النور في مساحاتها، والماء يشرق في الحلق عندما يتشعب في مجرى التنفس الخاطئ، والمكان الشرقي هو المكان المكشوف الذي تتشعب فيه الحياة، والزيتونة الشرقية هي التي ضربها الإشعاع فتشعب في أنسجتها.

2. الغرب (التجويف والاستتار): سقطت خرافة ارتباطه بلون أسود مجرد. الشمس تغرب حين تسقط في تجويف الأفق وتستتر، والغرابيب هي الجبال ذات التجاويف السحيقة التي تبتلع النور، والغراب هو الطائر الذي نُعت بهذا الاسم لولعه بإحداث التجاويف، والطور الغربي هو الجبل الذي طغت عليه التجاويف الساترة.

هذا الفهم الصارم يطوي صفحة العبث اللغوي، ويفتح الباب لقراءة القرآن ككتاب يقود علوم المادة.

هذا والله أعلم


([1]) «مجمع بحار الأنوار» (3/ 210): المعجم الاشتقاقي المؤصل (2/ 1134): «المعجم الاشتقاقي المؤصل» (2/ 1120):

([2])  «تفسير الطبري» (2/ 449): «تفسير ابن كمال باشا» (1/ 296): «التفسير الوسيط - مجمع البحوث» (1/ 179): «تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة» (1/ 296): «تفسير القرآن الثري الجامع» (1/ 218).

([3]) علم فسيولوجيا النبات والكيمياء الحيوية يؤكد أن التعرض المفرط لأشعة الشمس (الإجهاد الضوئي) يؤدي إلى عملية تُعرف بـ "الأكسدة الضوئية" (Photo-oxidation) لتكسير جزيئات الكلوروفيل. فقط الثمرة المتوازنة الإضاءة تحتفظ بالكلوروفيل القادر على إنتاج توهج ضوئي ذاتي (Fluorescence).

([4]) (لو 16:2)

([5]) «معجم مقاييس اللغة» (4/ 420): «المعجم الاشتقاقي المؤصل» (3/ 1570):

([6]) «تفسير ابن كمال باشا» (8/ 35): «التفسير الوسيط - مجمع البحوث» (7/ 1777): «تفسير القرآن الكريم وإعرابه وبيانه - الدرة» (7/ 70): «موسوعة التفسير المأثور» (17/ 132): «بيان النظم في القرآن الكريم» (3/ 263):

([7]) سفر الخروج 3:1–2 ("وجاء إلى جبل الله حوريب")، و سفر الخروج 19 ("نزلوا في برية سيناء"). معظم اليهود يقرون أن حوريب هو سيناء، وبعض الباحثين يشكك.

ali
ali
تعليقات
    جاري استحضار النفحات القرآنية...