الخوى والمنقعر في القرآن المكرم
خوي في المعاجم:
أصل واحد يدل على الخلو والسقوط. وخوى
النجم أي سقط. وخوت النجوم أي مالت للمغيب. وخوت الإبل أي خمصت بطونها. وخوى
الرجل أي تحافى في سجوده. وخوى الطائر إذا أرسل جناحيه. والخواء هو الهواء الذي بين السماء والأرض. والخو
هو الوادي الواسع. والخوة هي الأرض الخالية. والخوب هو الخلاء والخوبة هي الأرض
التي لا تمطر ([1])
خاوية
في القرآن:
ورد هذا الجذر خمس مرات على صيغة "خاوية" ومن خلال النصوص والتفسيرات
والمعاجم نضع الاحتمالات التالية:
-
خاوية بمعنى فارغة من الداخل
-
خاوية بمعنى السقوط والميلان
-
خاوية بمعنى خالية من الأشياء
سنجد التعبير "خاوية على
عروشها" ورد ثلاث مرات، وعلى حسب الافتراضات التي وضعناها:
فالعبارة تعني أحد المعاني التالية:
-خالية على عروشها
-فارغة على عروشها
-مائلة وساقطة على عروشها
ولكن هذه الآيات قد تزيد من حيرتنا، فسوف
نتركها ونتجه للآيات الأوضح وهي:
نخل
خاوية:
{فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ
أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ} [الحاقة : 7]
ولو عدنا لأهل التفسير والتراث سنجد أن
خاوية عندهم يعني خربة، وأعجاز النخل هي أصولها، فقد ذهبت رؤوس القوم وبقيت
أجسامهم بلا رؤوس. وأن تشبيه قوم عاد بالنخل ذلك لكبر أجسامهم فقد كان طول أحدهم 12
ذراعاً، فهم كالنخل الذي بقي جسمه دون رأسه، لكبر حجمهم فإن الريح دخلت في أجوافهم
وفرغتها من الداخل فهذا يعني خاوية أي فارغة من الداخل ([2])
الجواب
الصحيح:
لم تسعفنا كتب التفسير، لكن قد نجد في
القرآن نصوص تسعفنا، فقد وردت القصة بنظرة أخرى
ﵟإِنَّآ
أَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ رِيحٗا صَرۡصَرٗا فِي يَوۡمِ نَحۡسٖ مُّسۡتَمِرّٖ 19
تَنزِعُ ٱلنَّاسَ كَأَنَّهُمۡ أَعۡجَازُ نَخۡلٖ مُّنقَعِرٖﵞ [القمر: 19-20]
ويرى أهل التراث في تفسير هذا النص المبجل،
أن منقعر أي منقلع، وقيل، بل يعني سواد النخل، وقيل، بل انقعر من أصوله. وقعر
النخلة يعني قلعها من أصولها أي جذورها فتسقط على الأرض ([3])
والقعر في المعاجم هو أصل صحيح احد يدل
على هزم في الشيء ذاهب سفلاً. فيقال قعر البئر وقعر الإناء. وقعر الرجل في كلامه
أي شدق. وامرأة قعرة أي نعت سوء في الجماع. وانقعرت الشجرة من أرومتها أي انقلعت. والقعر
هو جوبة تنجاب من الأرض وتهبط ويصعب الانحدار فيها. وقعر البئر أي عمقها أي جعل
لها قعراً ([4])
رأي
أهل التفسير والمعاجم في منقعر:
ويرى أهل التراث في تفسير هذا النص المبجل،
أن منقعر أي منقلع، وقيل، بل يعني سواد النخل، وقيل، بل انقعر من أصوله. وقعر
النخلة يعني قلعها من أصولها أي جذورها فتسقط على الأرض ([5])
والقعر في المعاجم هو أصل صحيح احد يدل
على هزم في الشيء ذاهب سفلاً. فيقال قعر البئر وقعر الإناء. وقعر الرجل في كلامه
أي شدق. وامرأة قعرة أي نعت سوء في الجماع. وانقعرت الشجرة من أرومتها أي انقلعت. والقعر
هو جوبة تنجاب من الأرض وتهبط ويصعب الانحدار فيها. وقعر البئر أي عمقها أي جعل
لها قعراً ([6])
الصواب
والحقيقة:
هذه الريح مستمرة لثمانية أيام كانت تنزع
الناس، أي تحملهم من الأرض وتسقطهم مرة أخرى، وهذا ليس بغريب فإذا كانت الأعاصير
تفعل ذلك كما نشاهد في أمريكا، فما بالك بآية معجزة جاءت لتقضي على كفار قوم عاد.
وهذا يعني أن الرياح كانت تحمل الشخص ثم
تسقطه من جديد وربما سقط على رأسه فانفصل عن الجسم فصار كأنه أعجاز نخل، وهذا
السقوط قد يتبعه تفريع ما في جوف الإنسان وهذا يفسر معنى خاوية. وقد يكون المعنى "بخاوية"
أي ساقطة على الأرض، وهذا بعيد، فإن سقوطهم على الأرض ليس بغريب، بل هو أمر
اعتيادي وليس فيه تصوير لقوة الأخذ والعذاب، فكلنا نموت ونحن ساقطون على الأرض،
ولكن تجويف ما في الداخل هو المنطقي فالقوم بعد قطعت رؤوسهم ثم تعرضهم للرمي عدة
مرات، فيسهل خروج بعض ما في جوفهم فتصبح أجسامهم خاوية.
ومن خلال هذا التفسير يتبين تشابه معنى قعر
مع معنى خواء، فالنخلة خاوية عند موتها، وكذلك منقعرة، فصار لها قعر أي فراغ ، وصارت
أيضاً خاوية في جوفها، وبهذا نطمئن إلى أن معنى الخواء ليس السقوط، بل يعني
التجويف الداخلي للشيء.
وعلى ضوء هذا الرأي، نفسر بقية الآيات
المبجلات.
ثمود
بيوتهم خاوية:
{فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [النمل : 52]
وهذه الآية الكريمة تؤكد أن الخواء هو
الفراغ وليس السقوط، فهذه الآية تحكي عن ثمود قوم صالح، وذكر القرآن طريقة فنائهم
فقد كانت الصيحة، والصيحة لا تدمر البنيان، بل تقتل الإنسان إذ تصيبه في أذنه حتى
يموت.
ﵟوَأَخَذَ
ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلصَّيۡحَةُ فَأَصۡبَحُواْ فِي دِيَٰرِهِمۡ جَٰثِمِينَﵞ [هود: 67]
فهذا دليل ثان على أن الخواء ليس إلا الفراغ،
وليس أي فراغ فهو فراغ من شيء أصلي كان فيه، فكما أن النخل صار خاوياً أي تفرغ مما
في داخله بفعل الدود والعوامل الأخرى، كذلك خوت أي فرغت القرى "الدول"
من البشر الذين هم أساسها، فلا دولة بلا بشر يكونونها.
خاوية
على عروشها:
{أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ
خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا} [البقرة : 259]
{وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ
كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا} [الكهف :
42]
{وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى
عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ} [الحج : 45]
وردت هذه العبارة في ثلاث آيات كما
بالأعلى والآية الأخيرة منها تفسر معنى "على عروشها" فالآية تقول إن
القرية الظالمة تصاب باللعنة، وقد شرحنا معنى القرية وقلنا هي الدولة بما تشمله من
سكان ونظام وعاصمة، فالآية تقول هي خاوية أي خالية من سكانها الذين هم جزء أصيل
منها، وهي على عروشها- وهذه سوف نشرحها في الأخير- ثم هي بئر معطلة وقصر مشيد،
والبئر لم تعد تُستخدم والبئر التي لا تستخدم يجف مائها إلا لو نزح الناس التراب
من جديد، فيتدفق الماء، وهذا يعني أن البئر رغم أنها معطلة، فهي قائمة تنتظر من
يعيد تفعليها. وفي القرية أيضاً، قصر مشيد وشرحنا القصر المشيد وقلنا هو السور
الذي يحمي المزارع من اعتداء البشر والبهائم. فهذا السور لا يزال باقياً، كذلك البئر
والعرش.
ثم بقي عبارة "على عروشها"
والتي تعني ببساطة أن العرش، عرش الملك باق لم يُمس، ولكن الملوك والسكان زالوا
فهو عرش خاوي من البشر. وهذا نشاهده في الآثار فنجد عروش باقية كما هي لكنها خاوية
من أهلها.
وهذا ما شاهده الذي مات مئة عام، فقد مر
على آثار وعرش صامد لم يتحطم، لكنه خاوٍ من البشر، فتعجب كيف يحي الله هذه القرية
"أي الدولة" بعد موتها وانتهاء الملك فيها. كذلك الذي تدمرت جنته، فإن
السيل قد نسف المزروعات كلها، فصارت خاوية، وهي ليست خاوية من البشر فالبشر ليسوا
جزء منها، بل هي خاوية أي فارغة من المزروعات التي هي جزء أصيل منها، بل هي كل
الجنة. ومع هذا بقيت عروشها لم تزل فهي خاوية من المزروعات، وباقية على عروشها.
الخلاصة:
الخواء هو فراغ داخلي للشيء مما هو أصل منه،
ومكون أساسي له، وهو ليس الخلاء فالخلاء هو فراغ الشيء مما ليس منه. وقد يكون الخواء
في شجرة فهذا يعني تجويف ما بداخلها، وقد يكون الخواء في المدينة والدولة، وذلك
لخلوها من سكانها والذين هم جزء أصيل من مكوناتها. وقد يكون الخواء في الجنة، وذلك
بزوال مزروعاتها أو بعضها. وأما عبارة "خاوية على عروشها" فهي تعني
فارغة من السكان والملوك، رغم بقاء العرش كجسم بلا حياة، فكأن العبارة تقول هي خاوية
من السكان رغم بقاء عروشها.
ورغم اتفاق جذر قعر مع جذر خوى، في وجود
فراغ داخلي في الشيء، فإن الانقعار يشير إلى وجود تجويف داخلي في الشيء بغض النظر
عن أصله وحقيقته، بينما الخواء فهو يشير إلى فراغ الشيء من مكون من مكوناته، فإن
كان الخواء في شجرة فهو قعر لها أيضاً.
هذا والله أعلم
علي موسى الزهراني
([2]) «تفسير الطبري» (23/ 215): «التفسير الوسيط
- مجمع البحوث» (10/ 1553):«موسوعة التفسير المأثور» (22/ 171):
([3]) «تفسير الطبري» (22/ 135): «موسوعة التفسير
المأثور» (21/ 34): «تفسير القرآن الثري الجامع» (11/ 227):
هل لديك نظرة أخرى
أطرحها هنا كي نستفيد من علمك