أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

📁 آخر الأخبار

وهب في القرآن المكرم

 


وهب في القرآن المكرم

وهب في المعاجم:

الموهبة شيء (نقرة في الجبل) يستنقع فيه الماء والجمع مواهب. وأوهب إلي من المال كذا، أي ارتفع. وصار فلان موهباً لكذا أي معداً له. وهذا واد موهب الحطب أي كثير الحطب. والهبة هي العطية الخالية عن الأعواض والأعراض .وكالماء في النقرة والسحابة، والحطبِ في الوادي ([1])  

وهب في القرآن:

ورد هذا الجذر في 22 آية، وكل ما تذكره كتب المعاجم ليس له علاقة بما يقصده القرآن-حسب اطلاعنا المحدود على المعاجم- وقد تبين لنا بفضل من الله وهدايته، المعنى.

فبعد أن نستبعد كل المعاني، لا نجد إلا معناً واحداً تقبله كل الآيات الوارد فيها، وهذا المعنى بكل وضوح هو:

أن المولى جل جلاله يجعل بعض البشر في خدمة وعناية بعض البشر، فالولد الذي طلبه بعض الأنبياء ليس من أجل إشباع الأبوة بداخلهم، بل أيضاً من أجل المساعدة وتأدية بعض الأعمال، ووارثة ما يملكونه.

فأي هبة في القرآن هي خضوع بشري لبشري مثله، إما للقرابة أو لعلاقة منفعة وسخرة. وهي هبة لأنها من خزائن عظيمة عنده، فهي تسمى بـ "لدن" وأخرى تسمى "رحمة" كما تشير إلى ذلك الآيات المبجلات، فكأن الأمر فيه معجزة وأمر خارق عن الطبيعة.

وإليك الآيات المبجلات:

 إسحق ويعقوب هبة:

{ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَٰقَ وَيَعْقُوبَ}  [الأنعام: 84].

{وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَٰقَ وَيَعْقُوبَ}  [مريم: 49].

لم يقل النص رزقناه ولا أعطيناه، بل قال وهبناه، فقد جاءه الولد والحفيد وهو حي لم يمت بعد، فهذا هو معنى الهبة فقط أصبحا من ضمن أهله، وقد قاما بالعناية به وخدمته ووراثة ملكه، والروايات تقول أنه عاش طويلاً.

ولهذا استخدم إبراهيم نفس اللفظة "وهب" لأن الأمر كان معجزاً من جهة، ولأن الأعطية كانت بشراً يساعدونه.

{ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَٰعِيلَ وَإِسْحَٰقَ}  [إبراهيم: 39].

اليهود بالمدينة يطلبون الرحمة:

{ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ }  [آل عمران: 8].

عندما قرأ أهل الكتاب بالمدينة المنورة وما حولها، بعض الآيات القرآنية، وعلموا بظهور النبي المنتظر، طلبوا من الله أن يهبهم هذا النبي، فهو الرحمة كما أشارت آيات أخرى عن نبينا الكريم (رحمة للعالمين) ولهذا استقبل أهل المدينة الرسول أحسن استقبال، بعد أن انتقل كثير منهم من اليهودية إلى الإسلام

زكريا يطلب الولد:

{قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً}  [آل عمران: 38].

{فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا}  [مريم: 5].

لم يقل أعطني أو أرزقني، بل قال هب لي، خاصة أنه كبير في السن وزوجته عاقر، فيصبح الأمر كمعجزة وهي كذلك، وقد طلب الهبة من خزائن اللدن، لأنه يعلم يقيناً استحالة ذلك طبياً، وما طلبه كان ابناً يحمل اسمه ويعتني به وبأمه على كبرهما ويعتني بالموالي من بعده.

{ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَىٰ}  [الأنبياء: 90].

مريم توهب الولد:

{ قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَٰمًا زَكِيًّا }  [مريم: 19].

من الطبيعي أن يكون عيسى عليه السلام، هبة من الله، لأنه جاء بشكل معجز ومن خزائن الله العظمى، وهو هبة لمريم، لأنه غلام يساعدها ويخدمها.

هبة إبراهيم وإسحق ويعقوب:

{ وَوَهَبْنَا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا }  [مريم: 50].

نعلم أن إبراهيم وإسحق ويعقوب قد أنجبوا الأولاد، فهذه هي الهبة التي أعطيت لهم، وقد كانوا بارين بهم.

هارون هبة لموسى:

{ وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا أَخَاهُ هَٰرُونَ نَبِيًّا }  [مريم: 53].

أدرك موسى أنه قد لا يستطيع أن يقوم بالرسالة وحده فطلب من المولى أن يهب له هارون، أي يكون هارون في خدمته يتحمل الوزر عنه لهذا كان وزيره، فلم يقل النص أعطيناه هارون أو سخرنا له هارون بل قال وهبه هارون، ولأن هارون قد تحمل عن موسى الوزر، فلهذا كان هبة وكان رحمة على موسى، فقد منع عنه الضر والشر.

وهبنا نافلة:

{ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَٰقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَٰلِحِينَ }  [الأنبياء: 72].

طلب إبراهيم من المولى أن يهبه الولد، فوهبه إسماعيل، ثم زاد في الهبة بإسحق ويعقوب، فكانا في خدمته مثل إسماعيل، ونرجح أن نافلة تعني زيادة وسوف ندرس هذا الجذر في حينه.

هب لنا من أزواجنا:

{ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَٰجِنَا وَذُرِّيَّٰتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ }  [الفرقان: 74].

يدعو هؤلاء المؤمنين أن يهب الله لهم قرة أعين أي أولاد من أزواجهم ومن ذرياتهم أي يطلبون الولد ويطلبون الأحفاد، ويطلبون ذلك لكي يشعروا بالسكينة، فتقر أعينهم. والأولاد والأحفاد سيخدمون أجدادهم.

حكم إبراهيم:

{ رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّٰلِحِينَ }  [الشعراء: 83].

 الحكم يعني أن يكون كثير من الناس في طاعة أحدهم يأتمرون بأمره فهم في خدمته وعونه، ولهذا يُعتبر الحكم هبة كما بينا في معنى هبة، وهذا ما طلبه إبراهيم عليه السلام، فقد طلب الحكم واستخدم الجذر الصحيح وهو "وهب" لأن الحكم يعني خضوع وطاعة كثير من البشر للحاكم.

الحكم هبة:

{ فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ }  [الشعراء: 21].

يبين موسى للفراعنة أنه وهب الحُكم، أي أنه صار له أتباع من البشر بداية من هارون ونهاية بأصغر طفل من اليهود، بل حتى بعض الفراعنة صاروا يتبعونه، فهو يحكمهم وهم يخدمونه ويساعدونه، بل زاد الله في أعطيته فجعله من المرسلين، والمرسل يحتاج إلى مزيد من الأعوان لكي يتم رسالته.

ملك سليمان هبة:

{ قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ }  [ص: 35].

لا يقصد سليمان بالملك أي حكم أرض شاسعة، فلو كان هذا مقصده فقد حكم غيره مناطق أضعاف مناطقه، مثل جنكيز خان ومعاوية وعبدالملك وملوك بريطانيا، وغيرهم من الملوك والأباطرة.

لكن طلب الهبة في الملك، أي طلب أن يكون في عونه وتحت سلطته ما لا يستطيع أحدٌ أن يفعل مثله إلى قيام الساعة، فكانت الهبة العظيمة وهي أنه وُهب الجن والملائكة والإنس، كلهم تحت خدمته وطوع إشارته، فكانت تلك هي الهبة، التي لا مثيل لها.

وهبت نفسها:

{وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ}  [الأحزاب: 50].

معنى أن تهب المرأة نفسها للرسول، أي تتزوج بلا مهر، فهي لا تريد مقابل على خدمتها له، فتريد أن تصبح من أهله الذين يعتنون بحاجياته، وقد منع المولى ذلك عن الناس، فلا زواج بلا مهر، لأنه حقها فهي ستخدمه وتعتني بشؤونه، فلو أن سيدة عرضت نفسها على الرسول فهي تريد أن تكون بجواره لا طلباً للمال أو المتع.

داود يحصل على سليمان:

{ وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَٰنَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ }  [ص: 30].

وهب الله لداود سليمان لكي يساعده في شؤون الملك، ولهذا نقول أن كل نصوص القرآن في الهبة تعني هبة الله لاحدهم بتقديم إنسان يساعده.

هبة أيوب:

{ وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا}  [ص: 43].

كما بينا فإن الهبة تعني هبة الله للإنسان إنسان آخر يساعده، ونجد أيوب هنا يهبه الله أهله الذي ذهبوا عنه بسبب مرضه، فقد يكون قد طردهم حتى لا يصابوا بالعدوى أو ربما فروا من عند أنفسهم، فلما زال المرض وهبه الله أهله السابقين ومثلهم آخرين.

الإناث هبة:

{يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ إِنَٰثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ}  [الشورى: 49].

الذين تسود وجوههم من هبة الله لهم بالإناث لا يدركون أنها هبة أي من خزائنه العظيمة، بل قدم هنا الإناث على الذكور، ففي المجتمع الذكوري المريض والشاذ، يصبح الذكر كل شيء، والأنثى منزوية لا قدرة لها ولا قيمة، فيفسد المجتمع ويسهل اغتياله.

بينما قدم القرآن الإناث على الذكور، لأن الواقع يؤكد ذلك، فإن البنت هي التي تعتني بأبيها أكثر من الابن، وهذا مشاهد ومعلوم، ولهذا قدم الأنثى على الذكر.

الهبة مرتبطة بالدعاء:

لاحظنا أن الهبة وهي أعظم ما يعطيه المولى للإنسان، مرتبطة بالدعاء، فإبراهيم يدعو وموسى وسليمان وبقية البشر، كلهم يدعون الله فيستجيب لهم ويهبهم أي يعطيهم من خزائن الرحمة أو اللدن، نعم لا نستطيع أن نعمم، ولكن يبدو أن الطلب العجيب والفريد، مرتبط بالدعاء الشديد، مثل زكريا الذي كرر الدعاء بأن يوهب الولد.

الخلاصة:

الهبة بمنتهى اليسر هي أن يعطي المولى أحدهم، بشراً لكي يخدمونه ويساعدونه في شؤونه، ولا يوجد هبة غيرها، فالولد هبة والأخ الذي يساعد هبة، والخدم في المنزل هبة، والأهل هبة، وإذا صرت حاكماً عظيماً فأنت قد وُهبت المواطنين في خدمتك وخدمة مشروعك.

والطعام ليس هبة بل رزق، والمال ليس هبة، بل حظ ونصيب، وإنما الهبة فقط في امتلاك سواعد البشر الآخرين يخدمونك.

وأعظم من وهب هو سليمان فقد وُهب الملائكة والجن والإنس، كلهم في خدمته لهذا لن يستطيع أحدٌ أن يحصل على ملك مثل ملكه، فالملك ليس باتساع الأراضي، بل بنوعية المحكومين.

ويبدو أن الهبة لها علاقة بخزائن المولى والتي تسمى "لدن" أو "عند" أو "رحمة" فكلها خزائن المولى وعن طريقها يوهب الإنسان بشراً يخدمونه ويساعدونه، وهي أمر طارئ على الطبيعة ولم تكن في التقدير الأول، ثم جعلها المولى بكن فيكون.

هذا والله أعلم

علي موسى الزهراني

 



([1]) «معجم مقاييس اللغة» (6/ 147): «المعجم الاشتقاقي المؤصل» (4/ 2280):

ali
ali
تعليقات