أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

📁 آخر الأخبار

الرحمة والرحيم في القرآن المكرم


الرحمة والرحيم في القرآن المكرم

‌‌‌رحم في المعاجم:

أصل واحد يدل على الرقة والعطف والرأفة. ورحمه أي رق له وتعطف. الرحم أي علاقة القرابة. ورحم الأنثى سمي كذلك بسبب الرقة والعطف. وشاة رحوم إذا اشتكت رحمها بعد النتاج. ورحم السقاء أي ضيعه أهله بعد عينته. ولعل أصل رحم من رح وهو الاتساع والانبساط أما رحح فهي رقة باطن الشيء. أما روح فهو انبساط الكف ونعومتها. أما رحب فهو اتساع الرحبة وخلوها. أما رحق فهو صفاء الرحيق وعدم لذعه. أما رحل فهو بعد المسافة بعد المفارقة. فرحم هو اتساع مسام جلد السقاء وكيس الجنين ([1])

الرحمة في القرآن:

ورد هذا الجذر العظيم في القرآن 339 مرة في 62 سورة. وهذا يدلل على أهميته البالغة، فلا يكاد أن يزول الضباب عن القرآن إلا بفهم معناه بمنتهى الوضوح. وقد اقترب المسلمون من فهم معناه، ولكن لم يصيبوا الهدف بدقة، فتكلموا بضبابية دون أن يبذلوا قليلاً من الجهد في فهم المعنى بمنتهى الدقة.

وقد لاحظ المسلمون أن المعنى هو اللين واللطف من الله على الإنسان، ولكن لم يبينوا كيفيته. وهناك جذور قريبة من هذا المعنى مثل: لطيف، ودود، رؤوف، بر، تواب. ولهذا نجزم أن رحيم تختلف عن هذه الألفاظ، ولو اختلافاً يسيراً، فلكل جذر خاصيته التي يختص بها دون بقية الجذور.

وقد افترضنا في الجذر رحم عدة افتراضات ثم استبعدنا الجميع وأبقينا على معن واحد وهو: أن الرحمة هي إزالة الضرر أو منعه قبل وقوعه، وأن الرحيم هو الذي يزيل الضرر أو يمنعه نتيجة شعور ملح يدفع الرحيم نحو ذلك.

وعند دراستنا لمعنى رحمن تبين لنا أنه مثل معنى الرب أو الله، وهو يعني الذي يجزي الشخص على حسب عمله فإن أحسن أثابه وإن أخطأ عاقبه، فلهذا كأن الرحمن هو عكس الرحيم، فالرحيم هو الذي يزيل العقاب أو الضر الذي لحق بالإنسان، أو منعه قبل حدوثه، رغم أنه حتمي، لكن الله يرسل الملائكة أو أي سبب آخر لمنع الضرر، والناتج عن شعور بالتعاطف مع البشر والكائنات.

وسوف نسقط هذا المعنى على كثير من الآيات، فلن نستطيع أن نستقرأ كل الآيات لكثرتها، ولكن سوف نقرأ كل الآيات، فمن نجد فيها اللبس طرحنها هنا لإزالة اللبس، أما بقية الآيات الواضحات فلن نضيع وقع القارئ في درسها. وإليك الآيات المبجلات:

الضر عكس الرحمة:

{وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُم مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُم مِّنْهُ رَحْمَةً}  [الروم: 33].

{ وَ إِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَ إِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ }  [الروم: 36].

{إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَٰشِفَٰتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ}  [الزمر: 38].

{ وَ إِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ}  [يونس: 21].

تبين هذه الآيات المبجلات أن الرحمة عكس الضر، فهي الشعور الداخلي الذي يلزمنا إلى  إزالة الضر، أو منع حدوثه.

الرحمة بعد النقص:

{ أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَٰتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَ رَحْمَةٌ وَ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ }  [البقرة: 157].

هذه الآية تتكلم عن المؤمنين بالمدينة وكيف أصابهم النقص في الأموال والأنفس والخوف والجوع، ومع هذا صبروا، فأكد لهم المولى أنه ستصيبهم الصلوات من الله أي الهداية وكذلك الرحمة أي ستزول مصائبهم التي حلت عليهم، كذلك ستمنع عنهم المصائب القادمة.

كتب على نفسه الرحمة:

{ قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَٰوَٰتِ وَ الْأَرْضِ قُل لِّلَّهِ كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَٰمَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ }  [الأنعام: 12].

{ وَ إِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِءَايَٰتِنَا فَقُلْ سَلَٰمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَٰلَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَ أَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }  [الأنعام: 54].

أي أن المولى وضع نظاماً للرحمة تبدأ بالتوبة ثم الإصلاح وطلب المغفرة فحينها تأتي رحمة الله أي يزيل بعدها الضراء والبأساء التي أصابتهم، بعد توبتهم واستغفارهم، أو يمنع حدوثها لو تابوا.

وقد يكون المعنى أن الرحمة رغم أنها نعت من نعوته جل جلاله، فقد كتبها على نفسه، أي ألزم نفسه بها وجعلها كتاباً أي لها نظام وقانوناً. فالرحمة لدى المولى جل جلاله مضاعفة، فهي شعور وهي واجب ألزم نفسه بها جل جلاله من عند نفسه تعالى وتبارك.

رحمت ربك:

{ ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا }  [مريم: 2].

تذكر زكريا رحمة الله أي أن من نعوته أنه الرحيم، هو الذي يزيل الضرر أو يمنعه، فنادى ربه أن يزيل الضرر عنه وذلك بأن يهبه غلام يساعده ويتكفل بالموالي من النساء من بعده.

خير الراحمين وأرحم الرحمين:

{ وَ قُل رَّبِّ اغْفِرْ وَ ارْحَمْ وَ أَنتَ خَيْرُ الرَّٰحِمِينَ }  [المؤمنون: 118].

أرحم الراحمين، لأن الأمر درجات فهناك الرحيم والأرحم وأرحم الراحمين، فالمولى أرحم الراحمين أي الأكثر والأعظم في الشعور بالمتضررين، فيقوم بإزالة الضرر كله أو منع حدوثه.

أما خير الراحمين، فلأن هناك من يرحم أي يزيل الضرر عمن لا يستحقه، أو أن رحمته نافعة وكلها خير.

تقسيم الرحمة:

{ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَوٰةِ الدُّنْيَا وَ رَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَٰتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَ رَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ }  [الزخرف: 32].

رفض كفار قريش نزول القرآن على الرسول وهناك من هو أغنى منه، وقيل يقصدون أن الأولى أن ينزل القرآن على الفرس والروم وليس العرب، ومهما يكن المقصد فإنهم يطلبون نزول القرآن على أناس أغنياء أكثر من الرسول، فتعجب منهم القرآن كيف يقسمون رحمة الله أي هديه وكتبه ووحيه على مزاجهم، ثم بين أن تلك الأموال الزائدة عند الأغنياء ليست دليل حب زائد، بل هي وسيلة في توزيع العمل بين البشر.

الرحمة في التشريع:

{ يَٰأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَ الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَ الْأُنثَىٰ بِالْأُنثَىٰ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَ أَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَٰنٍ ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَ رَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ }  [البقرة: 178].

يكلم المولى من آمن من اليهود وكيف كان القصاص عندهم وكيف خفف الحكم عليهم مع ظهور الإسلام، فبين أنه تخفيف وبين أنه رحمة، وهو رحمة لأنه يزيل أسباب الاقتتال بين العشائر فيتوقف القتل ويسود السلام بعد الخيفة، فالتشريع الذي جاء به الرسول أوقف العذاب ومنع أسبابه لهذا هو رحمة.

الكتب المقدسة رحمة:

{ هُدًى وَ رَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ }  [لقمان: 3].

عشرات الآيات تنعت الكتب المقدسة بأنها هدى ورحمة، فأما هدى فقد عرفناها، فكيف تكون رحمة؟

ذلك ببساطة لأنها دائماً تأتي لتسقط تكاليف ما أنزل الله بها من سلطان صنعها الكهنة ورجال الدين، فتأتي لكي تسقطها وتبطلها فهذه رحمة أولى، حيث كانوا يعانون من التكاليف الباطلة وزالت عنهم، كذلك فإن الكتاب المقدس يعد أتباعه بالنعيم ورضى الله، وفي هذا استقرار للنفس وسكينتها، وهذه رحمة ثانية حيث كان الإنسان يعاني من القلق الوجودي والشك والريبة، وهذه الرحمة ليست في الكتب المقدسة، بل في المولى جل جلاله الذي لديه شعور الرحمة مما يسبب في نزول تشريعات رحيمة.

الهداية رحمة:

{ قَالَ يَٰقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَ ءَاتَىٰنِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَ أَنتُمْ لَهَا كَٰرِهُونَ }  [هود: 28].

وكما قال نوح لقومه، فإن الهداية التي جاءته كانت رحمة له، فقد كان من قبلها في شقاء وضياع، فأزال المولى عنه الضرر الفكري الذي أضله، فصار في هداية وتخلص من العذاب والخرافات التي تجلب الضرر، وآمن بالواحد الأحد فاطمئن قلبه وسكنت نفسه.

المال رحمة:

{ قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي}  [الإسراء: 100].

{ وَ إِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا}  [الإسراء: 28].

{ وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ }  [الكهف: 82]

إذا جاء المال بعد جوع وفقر وحاجة، فهو رحمة أي يحمل الرحمة التي تزيل الجوع والفقر والحاجة، فمن يحصل على المال بعد ضر أصابه فقد حصل على الرحمة. وقد يأتي المال لكي يمنع الضر والشر، فهو بهذا رحمة.

الليل رحمة:

{ وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ والنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }  [القصص: 73].

الإنسان يتعب طوال النهار، فجعل الله الليل رحمة أي يسكن فيها الإنسان فيزيل عذابه ويرتاح فيعود في اليوم التالي إلى نشاطه، فتلك الرحمة.

طلب الرحمة:

{فَقَالُوا رَبَّنَا ءَاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا }  [الكهف: 10]

هرب أصحاب الكهف من قومهم الظلمة، فطلبوا الرحمة من لدنه جل جلاله، أي طلبوا أن يأتي قائد جديد يرحمهم أي يزيل الضراء والبأساء عنهم.

ردم ذو القرنين رحمة:

{ قَالَ هَٰذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي}  [الكهف: 98].

عندما أنهى ذو القرنين بناء الردم – وليس السد- نعت الردم بأنه رحمة، وهو صادق في هذا، فإن السد منع يأجوج ومأجوج من الزحف على تلك القرى فيدمر مزارعهم.

الرسول رحمة للعالمين:

{ ومَا أَرْسَلْنَٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَٰلَمِينَ }  [الأنبياء: 107].

شرحنا معنى العالمين وقلنا هي كل المجموعات البشرية، لكن الآية تقصد بالعالمين هنا الجماعات المتضررة من الدول الديكتاتورية، وهم الفرس والروم في زمنه، فقد أرسله الله لكي يوقف ضررهم على الناس، فهذه هي الرحمة، وهذا ما حدث، فلم يمت الرسول عليه السلام إلا وقد كون جيشاً قادراً على البطش بالفرس والروم، ولم تمض بضع سنوات حتى سقط حكمهما فزال الضرر عن بقية الشعوب الذي هو الرحمة.

وقد نضيف إلى خطة الرسول في القضاء على الفرس والروم، ما جاء به من شريعة تزيل عن الناس ما يعيشونه من ضنك بسبب كهنة اليهود والنصارى ودين قريش الذي فيه عنت وغلو فجاء الرسول لكي يعيد الشريعة السمحة.

الرسول رحمة:

{ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَ هَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ }  [آل عمران: 8].

هذا كلام اليهود في المدينة الراسخون في العلم بعد أن قرأوا القرآن، طلبوا من المولى أن يهب لهم رحمة والهبة لا تكون إلا في الإنسان كما تبين لنا عند دراسة هذا الجذر فأنظره هناك، فطلبوا أن يهب لهم الرسول عليه السلام لأنه أرسل رحمة للعالمين، فإذا جاء المدينة جمع كلمة سكانها وأطفأ الحرب الأهلية فيها، فلهذا هو رحمة أي يزيل الضرر والشقاء.

وهذا تؤكده آية مشهورة

{ وَ مَا أَرْسَلْنَٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَٰلَمِينَ }  [الأنبياء: 107].

فهذه الآية تؤكد أنه رحمة لكل المجموعات البشرية على الأرض، لأنه يزيل الشر عن الأرض والضرر، وهذا ما حدث فقد أعد قومه لقتال قوى الشر الفرس والروم.

لينته رحمة:

{ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَ لَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَ شَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ }  [آل عمران: 159].

والرسول لينته رحمة من الله، لأن لينه يزيل التوتر والقلق والخيفة التي يشعرون بها، فلو كان غليظ القلب لأصابهم الجزع والخيفة ثم تفرقوا من حوله، وعادوا إلى حربهم الأهلية بالمدينة. وكذلك لينته منعت الفرقة والتمزق، فلو كان غليظ القلب لتفرقوا وتلك أم الكوارث.

نجاة هود وصالح وشعيب، بالرحمة: 

{ وَ لَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا والَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَ نَجَّيْنَٰهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ }  [هود: 58].

{ فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَٰلِحًا والَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا ومِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ }  [هود: 66].

{ وَ لَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا والَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَٰرِهِمْ جَٰثِمِينَ }  [هود: 94]

نجينا تعني نقلنا الشخص من المكان الخطير إلى المكان الآمن، أما الرحمة فمن المرجح أنه الملك أو الملائكة المسؤولين عن إنقاذ النبي ومن آمن معه، فلو لم يكن هناك ملائكة حاضرين لربما تعرض النبي للضرر ومن معه، وهذا تؤكده آية واضحة.

{ لَهُۥ مُعَقِّبَٰتٞ مِّنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ وَمِنۡ خَلۡفِهِۦ يَحۡفَظُونَهُۥ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡۗ وَإِذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ سُوٓءٗا فَلَا مَرَدَّ لَهُۥۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَالٍ }  [الرعد: 11].

فلولا المعقبات أي الملائكة التي تتعقب أمر الله، فتمنعه عمن أراد الله حفظه أي حمايته، لما نجا من تلك الكوارث أحدٌ.

وقد نعتت تلك الملائكة بالرحمة، لأن هؤلاء الأنبياء والذين آمنوا معه، تعرضوا للخيفة والرعب من هول الآيات التي دمرت الكفار، ولهذا جاءت الملائكة كرحمة أي أزالت ذلك الخوف والرعب، ولهذا نعتت الملائكة بالرحمة لأنها أزالت الضرر، أو لأنها منعته عمن أراد الله منعه عنهم.

أقرب رحما:

{ فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَوٰةً وَ أَقْرَبَ رُحْمًا }  [الكهف: 81].

أراد المولى أن ينجب الشيخان طفلاً جديداً بدلاً من الذي قتله الخضر، يكون أقرب رُحما أي يخفف عن والديه العذاب، أو يمنع ما يقدر أن يمنعه من ضرر وعذاب عنهما.

 جناح الذل من الرحمة:

{ وَ اخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَ قُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا }  [الإسراء: 24].

يأمر المولى الولد أن يخفض جناح الذل للوالدين، أي أن يرفع قدرهما فوق قدره، فرغم أنه يملك القوة والمال والقدرة، فإنه يتعامل معهما كما كان صغيراً وهما فوقه حينها. أما قوله "من الرحمة" أي دافعك هو الرحمة، فهما يعانيان صعوبة شديدة في الحياة، فأنت بهذا الذل ترحمهما أي تخفف من ضغط الحياة النفسية عليهما.

أما قوله "أرحمهما كما ربياني" فالمقصد أزل عنهما العذاب والألم والتعب، فيعودان بصحة كما كانا عند صغري، أو أن المقصد تقبل يا رب دعائي فيهما بالرحمة، فقد بذلا جهداً في تربيتي عند صغيري، فهما يستحقان الرحمة أي إزالة الضرر.

  تواصوا بالمرحمة:

{ ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَ تَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَ تَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ }  [البلد: 17].

المؤمنون ينصحون بعضهم البعض، ومن ذلك النصيحة بالصبر وهو معلوم وقد شرحناه، وكذلك يتواصلون بالمرحمة، أي أن يكونوا عوناً لأي شخص فيهم تعرض للضيق والشدة والعذاب، فلا يبخلون عليه.

رحمة الخضر:

{ فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا ءَاتَيْنَٰهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَٰهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا }  [الكهف: 65].

هذا العبد الذي يلقب بالخضر، كان عبداً لله، أي ممن وطن نفسه على العمل لله وفق ما يريده جل جلاله، فآتاه الله رحمة من عنده، ونرجح أنه كان يعينه على مهماته ملك من الملائكة، ذلك أن الخضر شخص يتصادم مع الآخرين كما رأينا، فموسى لم يتحمل تصرفاته رغم علمه بحقيقته، فكيف ببقية الناس. فهذا الخضر في حالة صدام شديد مع المجموعات البشرية، مثل الذين خرق سفينتهم فلو وقع في يدهم لقتلوه، فلهذا جعل الله معه ملكاً يساعده أي يخلصه من تلك المشاكل فلهذا هو رحمة لأنه يزيل الضر عن الخضر.

وقد يكون المقصد أن الخضر صار كتلة من مشاعر الرحمة، فلا يرى ضرراً على أحدٍ إلا وأراد إزالته أو منعه قبل حدوثه، فعدوه اللدود هو الضراء والبأساء التي تصيب الطيبين، لما في قلبه من رحمة، فلهذا تدفعه هذه الرحمة على التدخل لمنع الضرر قبل وقوعه، خاصة وأن مع رحمته كان لديه علم غريب وكأنه يكشف المستقبل ويعرف ما سوف تؤول إليه الأمور.

التوبة قبل فوات الأوان:

{ إِلَّا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ }  [النمل: 11].

{ قَالَ يَٰقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ }  [النمل: 46].

قلنا إن الرحمة إما إزالة الضرر أو منع حدوثها، فإن من تعجل وتاب واستغفر وعمل حسنة بدلاً من السيئة، فإن المولى لا يصيبه بالسوء فقد رحمه أو منع عنه العقاب.

جعل بينكم الرحمة:

{ وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً ورَحْمَةً إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَءَايَٰتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }  [الروم: 21].

المودة والرحمة بين البشر وليس الزوجين، فالزوجين بينهما صلة أقوى هي السكينة، فإذا تضرر أحدهم حزن البقية عليه وقاموا بمعونته أي رحمته أي إزالة الضرر عنه. هذا هو جوهر طبعنا، ولكن قد يخالفه الواقع مع تأثيرات الشيطان والظروف الأخرى.

رحماء بينهم:

{ مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ والَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ}  [الفتح: 29].

الرحمة كما يظهر جلياً هي ضد الشدة، فتجد المؤمن رحيم بالمؤمن، أي لا يقبل فيه الضرر ويحاول رفعها عنه.

{ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ }  [الحجرات: 10].

 

الرحمة يوم القيامة:

{ وَقِهِمُ السَّيِّءَاتِ وَمَن تَقِ السَّيِّءَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ }  [غافر: 9].

عشرات الآيات تتكلم عن الرحمة يوم القيامة، ويقصد بها الفترة ما بين الخروج من القبر وما قبل الحساب، حيث تتعرض الأرض للكوارث والأهوال، ويصاب البشر بالرعب، لكن المولى يخلص المؤمنين من ذلك فيقيهم السيئات أي المصائب، وهذه هي الرحمة فالرحمة إما رفع المصائب والضرر عن الإنسان أو منع وقوعها رغم حتمية حدوثها.

أنظر رحمته تعالى بأهل الأعراف

{ أَهَٰؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ ولَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ }  [الأعراف: 49].

شرحنا عشرات المرات أن أهل الأعراف يقفون بالقرب من تلك الجبال لا يدخلونها، لأن هناك حرس من الملائكة تمنع إلا من يستحق، والأعراف كما شرحنا هي جنات مؤقتة، يمكث فيها من فيه ولو قليل من الإيمان حتى يحين موعده في الحساب.

لهذا تقول لهم الملائكة التي تحرس الأعراف: ادخلوا الجنة أي هذه المؤقتة، ولن ينالكم أي شر من كوارث الساعة، ولا يجب أن تحزنوا فهنا الطعام والشراب، ومن في الخارج ليس له إلا ماء آسن. وهنا تتجلى الرحمة بكل وضوح، فقد عانى المؤمنون من السفر إلى المحشر عدة أيام بلا ماء ولا طعام في أيام خالية أي سابقة، ثم ها هو المولى يرحمهم أي يزيل الضرر عنهم ويدخلهم الأعراف، كذلك يرحمهم بأن يمنع عنهم الشر القادم والجوع المستمر.

آيات آخر في رحمة يوم القيامة:

{ وَ لَئِن قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَ رَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ }  [آل عمران: 157].

{ دَرَجَٰتٍ مِّنْهُ وَ مَغْفِرَةً وَ رَحْمَةً وَ كَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا }  [النساء: 96].

{ فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا بِاللَّهِ وَ اعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَ فَضْلٍ وَ يَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَٰطًا مُّسْتَقِيمًا }  [النساء: 175].

{ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَ رِضْوَٰنٍ وَ جَنَّٰتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ }  [التوبة: 21].

وهذه الآيات تؤكد الرحمة، فبعد شقاء السفر إلى المحشر وطول الانتظار للحساب، ها هي الرحمة تحل عليهم فيزول الضرر والشقاء ويدخلون الجنة.

السلام رحمة:

{ سَلَٰمٌ قَوْلًا مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ }  [يس: 58].

هذه الآية تصوير لمنظر للمؤمنين يوم القيامة، من زاوية أخرى، فالملائكة تطمئن المؤمنين يوم القيامة المتجهين للمحشر، أنه لا خوف عليهم وأنهم في سلام من الله فلن تضرهم تلك الكوارث. ولهذا هو رب رحيم.

{وَ لَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَ نِسَاءٌ مُّؤْمِنَٰتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَءُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِّيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا }  [الفتح: 25].

باطنه الرحمة:

{بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَ ظَٰهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ }  [الحديد: 13].

يشاهد المنافقون حال المؤمنين، وكيف أنهم دخلوا منطقة كلها رحمة ولهذا المنطقة باب، من داخله يحصل على الرحمة وهي الأكل والطعام والسكينة، بينما من هو خارجها فما له إلا الشقاء.

الرحمة قبل العذاب:

{ وَ قِهِمُ السَّيِّءَاتِ وَ مَن تَقِ السَّيِّءَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ }  [غافر: 9].

كان من المقرر أن يعاني كل البشر، من ويلات الساعة من جوع وعطش وتشرد، لكن بعض البشر يرحمه الله، أي يمنع عنه الشر قبل وقوعه عليه، رغم أنه كان من المفروض أن يتضرر، فعلى هذا تكون الرحمة بإزالة الضرر أو بمنعها عمن كانت تحاصره.

لماذا نقول للميت الله يرحمه؟

الدعاء للميت بالرحمة دعاء صائب تماماً، فقد يكون الدافع هو الخشية من عذاب القبر، وقد يكون الخشية من أهوال يوم القيامة وقد شرحنا أن من يُرحم عند أهوال يوم القيامة فقد ضمن الجنة، وقد نُسب إلى أمنا عائشة الدعاء لأبيها بالرحمة: "رحمك الله يا أبت" ([2]) كذلك الدعاء للميت المنسوب للرسول عليه السلام: " واغفر له ‌وارحمه، ‌وعافه ‌واعف ‌عنه" ([3]) وقد رجحنا في مقالات سابقة لأنه لا وجود لعذاب القبر، وأن طلب الرحمة من الرسول للميت هو رحمة يوم القيامة ما قبل الحشر والحساب.

الخلاصة:

الرحمة هي ذلك الشعور الداخلي الذي يدفعك نحو مساعدة الآخرين الذين تعرضوا للضرر أو العذاب، وهو الشعور الذي يدفعك لمساعدة الآخرين لمنع وقوع الضرر عنهم والعذاب.

فالرحمة هي شعور يدفعك بقوة لمساعدة الآخرين، عندما تراه يتألم أو تتوقع أنه سيتألم لو حدث شيء ما له، وهو يختلف عن الرأفة والود وغيرها من الدوافع التي سندرها في حينها.

والمغفرة تجلب الرحمة في الغالب، فدائما تسبق الرحمة، المغفرة، ولا تأتي المغفرة إلا إذا سبقتها التوبة الصادقة، فإذا صدقت التوبة جاءت المغفرة ثم تلتها الرحمة، لكن قد يرحم المولى جل جلاله البشر وإن لم يتوبوا فهو أرحم الراحمين.

والرحمة يوم القيامة ستبدأ مع الخروج من المقابر، فإن حدثت كوارث الأرض لحظة الساعة، تبدأ رحمة الله، فتخلص المؤمنين من عثرات الطريق، كما ترسل الملائكة لتطمين المؤمنين ثم ينزلون منازل مؤقتة هي الجنات المؤقتة لحين موعد حسابهم، فلما يبدأ حساب الإنسان يكون الذي يحاسبهم هو الرحمن وهو الرب الإله الذي يجزي الإنسان حسب أعماله لأنه الرب الرحمن، فلا رحمة حينها.

هذا والله أعلم

علي موسى الزهراني

 

 

 



([1]) «معجم مقاييس اللغة» (2/ 498): المعجم الاشتقاقي المؤصل (2/ 776)

([2]) «تاريخ دمشق لابن عساكر» (30/ 442):

([3]) «مسند أبي داود الطيالسي» (2/ 341):

ali
ali
تعليقات