الرفث في القرآن المُكرَّم
كلامٌ يتردَّد بين الزوجين ولا ينفذ إلى الفعل
نهى المولى عن الرفث في الحج، وأباحه في ليل الصيام. فما هذا الذي يُمنع منه المحرم ويُؤذن فيه الصائم؟
والمفسرون يقولون إنه الجماع، ولست أدري كيف يستقيم هذا؛ فالجماع مذكور في آية الصيام نفسها بلفظ آخر، وذُكرت معه مقدمته بلفظ ثالث. فبقي الرفث بلا معنى، أو صار الكلام مكرراً ثلاثاً في آية واحدة.(١)
الرفث في المعاجم
الرفث أصل واحد، وهو كل كلام يستحيا من إظهاره. وأصله الرفث وهو النكاح. والرفث الفحش. والرفث الجماع وغيره مما يكون بين الرجل والمرأة، مثل التقبيل والمغازلة ونحوهما، وأصله قول الفحش.
فالمعاجم تجمع الكلام والفعل في مادة واحدة ولا تفصل. والفصل عندنا يأتي من الأصل الثنائي ومن نظم الآية، لا من المعاجم.
أصله الثنائي: الرف
أصل الرفث الثنائي هو الرف. وحدُّه: حركة ترتد على نفسها فتتردد ولا تنفذ. وأصدق صورة له في أقدم المعاجم قول ابن دريد في الرفرفة: "رفرفة الطائر، وهو أن يرفرف بجناحيه ولا يبرح كأنه يحوم على الشيء". فالجناح لا يسكن، والطائر لا يفارق موضعه. حركة كاملة، ولا انتقال.(٢)
ومن هذا الباب أخوات كثيرة تجري كلها على هذا:
رفف: الرف في البيت لوح ملاصق للجدار يحمل ما عليه ولا يفارقه. والرف أيضاً المصّ والترشّف، والشفة فيه تُقبل وترتد. وقالوا: فلان يرفّنا، أي يحوطنا.
رأف: رقة القلب. قال المولى ﴿وَلَا تَأۡخُذۡكُم بِهِمَا رَأۡفَةٞ فِي دِينِ ٱللَّهِ﴾ [النور: 2]، فهي حال تأخذ صاحبها فتحبس يده عن الجلد. تتحرك في النفس ولا تنفذ إلى الفعل.
رفق: قال الخليل: "الرفق: انفتال المِرفق عن الجنب". فالعضو ينفتل ثم يعود، ومنه الارتفاق وهو التوكّؤ على المرفق.
رفه: قال الخليل: "الرَّفه: وِرد كل يوم"، و"الإرفاه: الادّهان كل يوم". وِرد يعود بعد وِرد، لا انقطاع فيه.
رفص: في كتاب الجيم لأبي عمرو: "الرُّفصة في الوِرد، لهذا رُفصة ولهذا أخرى". والمناوبة عود بعد عود.
رفز: في التهذيب: "رفز العرق إذا ضرب، وإن عرقه لرفّاز أي نبّاض". وهو النبض، يخرج ويرجع في مكانه.(٣)
ومقلوبه (فر) على النقيض تماماً: ينفرج ثم يخرج فلا يعود. فرّ الرجل: هرب فلم يرجع. وفارت القدر وأفرت: قال الخليل "كأنما تنزو نزواً"، فما علا منها لا يرجع إليها. وقد نبّه ابن دريد على هذا التقابل بنفسه، فأورد رفف ورفرف ثم قال: "ومن معكوسه: الفَرفَرة".(٤)
حرفان اثنان، عُكس ترتيبهما فانعكست الجهة: جناح يتردد ولا يبرح، وماء ينزو فلا يعود.
وشاهد من الجذر نفسه: رفّ الرجل المرأة
وأصرح ما في هذا الباب كله أن ابن دريد افتتح مادة (ر ف ف) بهذا، قبل أن يذكر رفرفة الطائر:
"رفّ الرجلُ المرأةَ يَرُفّها رَفّاً إذا قبّلها بأطراف شفتيه. وفي الحديث: إني لأرُفّها وأنا صائم."
فانظر إلى ثلاثة في سطر واحد. الفعل بين رجل وامرأة، لا بين طائر وشجرة. و"بأطراف شفتيه" - أخفّ ملامسة يقدر عليها الإنسان، دنوّ يقف عند حدّه ولا يتجاوزه. و"وأنا صائم" - والآية التي نحن فيها في الصيام بعينه: ﴿أُحِلَّ لَكُمۡ لَيۡلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمۡۚ﴾.(٦)
فاللفظ نفسه، والفعل نفسه، والمقام نفسه. ولم يبق بين "رفّ" و"رفث" إلا الثاء.
ومما يزيد الصورة وضوحاً - وهو مما يُرى لا مما يُروى - أن الطائر الذكر يرفرف بجناحيه عند الأنثى قبل أن يدنو منها، ثم يلامسها، ثم يسفدها. ثلاث مراحل: حركة لا تصل، ثم مسّ، ثم نفوذ. وهي بعينها الثلاثة التي في الآية: الرفث، ثم المباشرة، ثم الابتغاء. والعرب سمّت الأولى في الطائر والإنسان باسم واحد: رفّ.(٧)
فإذا كان الرف حركة تتردد ولا تنفذ، فأي شيء يكون الرفث؟
الرفث في القرآن: موضعان لا ثالث لهما
ورد هذا الجذر مرتين اثنتين، مرة في الصيام ومرة في الحج. ونبدأ بآية الصيام؛ فهي أحدّ في التعيين، وفيها الجواب كله.
أولاً: رفث الصيام
وأصرح من هذا كله أن الخليل نفسه سمّى الجماع في هذه المادة كناية، فقال في العين: "الرَّفَث: الجِماع، رفث إليها وترفّث، وهذه كناية. وفلان يرفُث أي يقول الفحش". فالذي عنده أصل هو القول، والجماع كناية عنه. ولست أدري كيف مرّ هذا على المفسرين وهو في أقدم معجم بين أيدينا.(٥)
﴿أُحِلَّ لَكُمۡ لَيۡلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمۡۚ هُنَّ لِبَاسٞ لَّكُمۡ وَأَنتُمۡ لِبَاسٞ لَّهُنَّۗ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمۡ كُنتُمۡ تَخۡتَانُونَ أَنفُسَكُمۡ فَتَابَ عَلَيۡكُمۡ وَعَفَا عَنكُمۡۖ فَٱلۡـَٰٔنَ بَٰشِرُوهُنَّ وَٱبۡتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمۡۚ﴾ [البقرة: 187]
ونلاحظ أن المولى استعمل في نص واحد ثلاثة ألفاظ مرتبة: الرفث، ثم المباشرة، ثم الابتغاء.
فالمباشرة مسّ البشرة بالبشرة، وهي القبل والأحضان. والابتغاء طلب ما كتب الله، وهو الجماع. فماذا بقي للرفث؟
بقي ما يسبق المسّ. والذي يسبق المسّ بين الزوجين هو الكلام: الغزل والملاطفة والتعريض. ولهذا قدّمه المولى وأخّر أخويه.
وههنا موضع يخطئ فيه كثيرون. فلم يقل: أُحل لكم ليلة الصيام أن تباشروا نساءكم، بل قال ﴿ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمۡۚ﴾ ثم قال بعدها ﴿فَٱلۡـَٰٔنَ بَٰشِرُوهُنَّ﴾. فلو كان الرفث هو المباشرة لكان اللفظ مكرراً في آية واحدة، ولا يكون هذا في كتاب الله.
ثم لم يقل: الرفث بنسائكم، بل قال ﴿إِلَىٰ نِسَآئِكُمۡۚ﴾. وإلى للغاية والتوجّه، والباء للإلصاق والمباشرة. فالرفث يُوجَّه إليهنّ ولا يقع عليهنّ، وهذا شأن الكلام لا شأن الفعل. ولو كان فعلاً واقعاً لعُدّي بالباء كما عُدّيت المباشرة.
وفي الآية نفسها صورة الرف كاملة: ﴿هُنَّ لِبَاسٞ لَّكُمۡ وَأَنتُمۡ لِبَاسٞ لَّهُنَّۗ﴾. واللباس يلابس البدن ولا ينفذ فيه، ويلازمه ولا يفارقه. فالتشبيه واقع على الملازمة والتردد، لا على الاختراق. وهو حدّ الكتلة بعينه، جاء في الآية التي فيها لفظ الرفث.
ثم إن المرء قد يكتفي بالرفث ولا يمضي إلى ما بعده، ملاطفة ومزاحاً بين الزوجين، ولم يلزمه الشارع أن يتمّ عمله. وهذا هو معنى "لا ينفذ" في الحدّ؛ فالرفث حركة تتردد بين الزوجين، فإن نفذت صارت مباشرة، فإن مضت صارت ابتغاء.
فإذا صحّ هذا في الصيام، فما بال الحج؟
ثانياً: رفث الحج
﴿ٱلۡحَجُّ أَشۡهُرٞ مَّعۡلُومَٰتٞۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلۡحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي ٱلۡحَجِّۗ﴾ [البقرة: 197]
حرّم المولى في الحج ثلاثة: الرفث والفسوق والجدال. والجدال كلام، وهذا أشهر من أن يُذكر. والفسوق كلام أيضاً، وقد فسّره المولى بنفسه في نص آخر:
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَسۡخَرۡ قَوۡمٞ مِّن قَوۡمٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُونُواْ خَيۡرٗا مِّنۡهُمۡ وَلَا نِسَآءٞ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُنَّ خَيۡرٗا مِّنۡهُنَّۖ وَلَا تَلۡمِزُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ وَلَا تَنَابَزُواْ بِٱلۡأَلۡقَٰبِۖ بِئۡسَ ٱلِٱسۡمُ ٱلۡفُسُوقُ بَعۡدَ ٱلۡإِيمَٰنِۚ﴾ [الحجرات: 11]
فالسخرية واللمز والتنابز بالألقاب كلها كلام، وسمّاها المولى فسوقاً. ولم يقل: بئس الفعل الفسوق، بل قال ﴿بِئۡسَ ٱلِٱسۡمُ ٱلۡفُسُوقُ﴾ - والاسم ما يُنطق به لا ما يُفعل.
فبقي الرفث محفوفاً بكلامين، ولو كان فعلاً لشذّ عن قرينيه. والأرجح عندنا أنه من جنسهما.
ولو أراد المولى بالرفث الجماع، لكان عطف الجدال عليه من عطف الأخفّ على الأشدّ ثم السكوت؛ وأيّ نسبة بين مجادلة رفيق في الطريق وبين إفساد الحج كله؟ فترتيب الثلاثة على درجة واحدة دليل على أنها من باب واحد: كلام يُمنع منه المحرم.
وههنا تظهر حكمة النهي. فالمحرم ممنوع من مقدمات النكاح قبل أن يُمنع من النكاح نفسه، فحُرّم عليه ما يستثير قبل أن يُحرّم عليه ما يُستثار له. وهذا أشبه بحمى الشارع حول حماه.
لئلا يختلط
قرب من الرفث في اللفظ جذور من الباب نفسه، وليس بينها وبينه ترادف؛ والعربية لا ترادف فيها.
الرفت: قال الخليل: "رفتُّ الشيء بيدي رفتاً فارفتَّ، كما يرفتُّ العظم البالي والمدر ونحوه حتى يصير رُفاتاً فيترفّت أي يتكسّر". فهو تفتّت ومضيّ، لا تردّد ولا عود. قال المولى ﴿وَقَالُوٓاْ أَءِذَا كُنَّا عِظَٰمٗا وَرُفَٰتًا﴾ [الإسراء: 49]. وليس الرفت هو التِّبن؛ التبن الرُّفَة، وهي عند الخليل في مادة رفه لا في رفت.
الرفض: قال الخليل: "الرفض: تركك الشيء. والرَّفَض: الشيء المتحرك المتفرق... وارفضّ الدمع: سال ارفضاضاً". وهذا نفوذ ومفارقة، فهو إلى المقلوب أقرب منه إلى الأصل.
الرفغ: قال الخليل: "من باطن الفخذ عند الأُربيّة، وناقة رفغاء: واسعة الرُّفغ". وهي المَطواة التي يلتقي فيها عضوان، ولم ينحلّ عندنا بعد.
الخلاصة
الرفث هو الغزل والكلام الجنسي الذي يسبق المباشرة والممارسة.
حركة تتردد بين الزوجين ولا تنفذ إلى الفعل؛ فإن نفذت فقد صارت مباشرة، فإن مضت فقد صارت ابتغاء. وقد أباح المولى الثلاثة جميعاً في ليل الصيام، ومنع الأولى منها في الحج قبل أن يمنع ما بعدها.
هذا، والله أعلم.
- وذهب جمهور المفسرين إلى أن الرفث الفحش من القول، ثم جعلوه كناية عن الجماع. ↩
- ابن دريد، جمهرة اللغة، مادة (رفرف). ونحوه عند الخليل في العين: "الرَّفرَفة: تحريك الطائر جناحه في الهواء وهو لا يبرح مكانه". ↩
- الرفق والرفه والرفض والرفت والرفغ: الخليل، كتاب العين، في موادها. والرفز: الأزهري، تهذيب اللغة، مادة (رفز). والرفصة: أبو عمرو الشيباني، كتاب الجيم، مادة (رفص). والمصّ والترشّف وحوط الرف: الجوهري، الصحاح، مادة (رفف). ↩
- نزو القدر: الخليل، كتاب العين، مادة (أفر) ومادة (فور). والتقابل بالمعكوس: ابن دريد، جمهرة اللغة، مادة (فرفر). ↩
- الخليل، كتاب العين، مادة (رفث). ↩
- ابن دريد، جمهرة اللغة، باب (ر ف ف)، وهو أول ما في المادة. والحديث "إني لأرفها وأنا صائم" نقله ابن دريد، ولم أقف عليه في النهاية لابن الأثير ولا في اللسان ولا التاج ولا التهذيب. ↩
- ورفرفة الذكر عند الأنثى مشاهدة حسّية لا نصّ معجمي؛ فالمعاجم تذكر الرفرفة مطلقة ولا تخصّها بهذا. وإنما سيقت لتقريب المعنى، والدليل نصّ ابن دريد قبلها. ↩
التعليقات (0)