هل الطلب عمل أم سؤال ورجاء؟
بقلم: علي موسى الزهراني
المقدمة:
لطالما فُسّر "الطلب" في
التراث على أنه مجرد السعي، أو الملاحقة الأفقية، أو محاولة الحصول على الشيء،
وهذا الخلط جعل الكلمة تترادف مع "السؤال" في أذهان الكثيرين. لكن عند
إدخال الجذر (ط ل ب) إلى معمل "كيمياء اللسان" وإسقاط أقنعة المجاز،
تبرز لنا هندسة ميكانيكية صارمة لا علاقة لها بالسير الأفقي أو النداء، بل هي حركة
فيزيائية دقيقة تعني "السقوط للاستحواذ". في هذا المقال، سنعيد بناء
الفهم القرآني لهذا الجذر وفق قوانين المادة.
طلب في المعاجم:
الطلب أصل واحد يدل على ابتغاء الشيء.
وأطلبت فلاناً أي أسعفته بما طلبه. وأطلبته أي أحوجته إلى الطلب. وأطلب الكلأ أي
تباعد عن الماء. والطلب محاولة إيجاد الشيء وأخذه. والطلبة ما كان لك عند آخر من
حق. والإطلاب أن تسعف بما يطلب إليك. والمطالبة أن تطالب أحدهم بحقك. وطلب النساء
هو زير النساء. والمطلوب هو الشديد الطلب. والطلب هو الجيش يطلبون أعداءهم. وبئر
طلوب، أي بعيدة القعر. وكل بعيد فهو مطلوب ([1])
طلب في اللغات السامية:
(ط ل ب): في السريانية (ṭlab)؛
تعني السعي والمطالبة ([2])
التشريح المادي (كيمياء اللسان):
لفهم الآلية الحقيقية للكلمة، يجب
تفكيكها إلى قواها المادية الأصلية، كما تقرر النظرية الكيميائية للسان العربي،
حيث تؤكد النظرية أن لكل حرف معنى مادي ظاهر، ولهذا وجدنا واختبرنا حروف "ط،
ل، ب" وتبين لنا معناها الصحيح وهو:
- المتجه (ط): المساحة والتسطيح (الفرش والانبساط).
- المتجه (ل): المسار العمودي (سقوط من أعلى لأسفل، أو
العكس).
- الجرم (ب): الكتلة المادية المتمركزة.
عندما تتفاعل هذه القوى بالترتيب (ط + ل
+ ب)، تتشكل لدينا (هندسة الاستحواذ):
المساحة المبسوطة المفرودة (ط) هي التي
تبدأ الحركة، فتهوي وتسقط عمودياً نحو الأسفل (ل)، لتطبق وتقبض على الجرم المادي
(ب). "الطلب" ليس مشياً للأمام، ولا نداءً باللسان، بل هو مساحة تهوي من
الأعلى لاصطياد كتلة، كَيَدٍ مبسوطةٍ تنزل بسرعة قاهرة للقبض على ذبابة. ولمزيد من التوسع في هذا الباب؛ يمكن مراجعة مقالنا المفصل عن التشريح المادي للتقليب السداسي لحروف (ط، ل، ب)
طلب في القرآن:
ورد هذا الجذر في القرآن المكرم في مواضع
معدودة، تصف جميعها حركة مادية بحتة (سقوط من الأعلى للاستحواذ)، ولا علاقة لها
بالسؤال القولي:
1. إطباق الليل على النهار:
{يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ
يَطْلُبُهُ حَثِيثًا} [الأعراف: 54]
الطلب هنا ليس ملاحقة أفقية كما يُتخيل،
بل هو مساحة ظلامية واسعة ومبسوطة (ط) تهوي وتسقط من الأعلى (ل) لتبتلع وتقبض على
كتلة النهار المنيرة (ب). لقد صور القرآن المشهد المهيب، وكأن الليل يد تقبض على
النهار وتمحوه من الوجود.
2. اصطياد الذبابة:
{وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْءًا
لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ} [الحج: 73]
عندما يسرق الذباب شيئاً، فإن الإنسان لا
يسأله إرجاعه، ولا يركض خلفه في خط مستقيم، بل يهوي بيده المبسوطة (ط) بحركة
عمودية خاطفة نحو الأسفل (ل) ليطبق على الذبابة (ب). الآية تجسد الحركة
الميكانيكية بدقة؛ فرغم ضخامة مساحة "الطالب" وسقوطه السريع، فإنه يعجز
مادياً عن الإمساك بكتلة "المطلوب" المتناهية الصغر.
3. السقوط خلف الماء الغائر:
{أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَن
تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا} [الكهف: 41]
الماء الغائر هو الذي غاص وابتعد عميقاً
في جوف الأرض (استقر في أسفل المحور العمودي). الوصول إليه يتطلب مساحة حفر تهوي
وتسقط عمودياً للأسفل للقبض على كتلة الماء. نعت القرآن تتبع الماء هنا بأنه طلب،
وهو الجذر الوحيد المناسب، لأن الطلب هو الهبوط للأسفل من أجل الحصول على الشيء أو
ملاحقته.
الخلاصة
شوشت علينا المعاجم القديمة عندما جعلت
"الطلب" مرادفاً لـ "السؤال" أو مجرد سعي أفقي. السؤال -كما
شرحنا سابقاً- هو توجيه الكلام لمن بيده القدرة للحصول على الشيء، أما الطلب فهو
السعي للأسفل من أجل الحصول على الشيء، ويقابله جذر السعي، الذي هو التقدم للأمام
للحصول على الشيء. اللسان العربي لا يعترف بالمجاز، وكل فعل "طلب" في
القرآن الكريم هو انقضاض مادي وحركة عمودية محكومة بقوانين المادة الصارمة التي لا
تحابي أحداً.
هذا والله أعلم.
هل لديك نظرة أخرى
أطرحها هنا كي نستفيد من علمك