أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

📁 آخر الأخبار

سأل في القرآن المكرم


سأل في القرآن المكرم

 

سأل في المعاجم:

سأل كلمة واحدة. ورجل سؤلة أي كثير السؤال. السؤل ما يسأله الإنسان. وسأل المحتاج الناس: طلب منهم الصدقة ([1])

سأل في القرآن:

ورد جذر سأل في القرآن 129 مرة في 47 سورة، بينما ورد جذر (طلب) 4 مرات فقط وجذر (فتي) 10 مرات بعد أن حذفنا منها ما يتعلق بالفتى والفتاة.

فكان من المنطقي البدء بجذر سأل لأن النصوص كثيرة، ويمكن الغوص في تلك المعاني الجليلة واستخراج المعنى الصحيح والذي يفرق بين تلك الجذور الثلاثة، لأن معاجم اللغة لا تفرق، فطلب يعني عندهم سأل، وسأل يعني استفتى.

سؤال الخضر:

{ قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْءَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا }  [الكهف: 70].

{ قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَٰحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْرًا }  [الكهف: 76].

طرح موسى الكثير من الأسئلة على الخضر، رغم أن الخضر حذره منذ البداية، لقد كان لزاماً على الخضر أن يجيب، فقد سأله موسى وهو محق في سؤاله، فلما قرر الافتراق عن موسى أجابه عن أسألته، ذلك أن للسائل حقاً فيما سأل، ولهذا حذره الخضر من السؤال الذي سيصبح إلزاماً على الخضر في إجابته.

السؤال مسؤولية:

{ فَوَرَبِّكَ لَنَسْءَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ }  [الحجر: 92].

{تَاللَّهِ لَتُسْءَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَفْتَرُونَ }  [النحل: 56].

{وَلَتُسْءَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ }  [النحل: 93].

لا يكتفي المولى العزيز المتعال بحساب وإحصاء الذنوب، بل يسأل أصحاب الذنوب عن السبب في فعلتهم تلك، فصار لزاماً عليهم أن يقدموا الإجابات، طالما هو سؤال. كما سوف يسألهم عن ذنوب أتباعهم، وهذا يعني أنه يحملهم المسؤولية (من السؤال) عن أفعال أتباعهم. لهذا سيتحملون أثقالاً فوق أثقالهم وهي أثقال الذين أضلوهم

  { وَلَيَحۡمِلُنَّ أَثۡقَالَهُمۡ وَأَثۡقَالٗا مَّعَ أَثۡقَالِهِمۡۖ وَلَيُسۡـَٔلُنَّ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ عَمَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ }  [العنكبوت: 13].

 المؤمن لا مسؤولية عليه:  

{ إِنَّا أَرْسَلْنَٰكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْءَلُ عَنْ أَصْحَٰبِ الْجَحِيمِ }  [البقرة: 119].

{ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْءَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ }  [البقرة: 134].

عشرات الآيات تبين أن السؤال  عن الأشخاص مسؤولية، فعلى الذي ألقي عليه السؤال أن يحققه، فلو كان المؤمن مسؤول عن الكافر، لسُئِل عن ذلك يوم القيامة سؤال تحقيق وإلزام، وليس طلب معلومات، لكن الرسول والمؤمنين في كل زمان ليس عليهم مسؤولية في ضلال من حولهم، أي ببساطة لن يسألهم الله لماذا ضل هؤلاء القوم، ولماذا لم تجبروهم على الدين، فهم أحرار ولا سلطة لك عليهم ولا واجب يُفرض عليك في إدخالهم للدين، فلا إكراه في الدين.

سؤال بني إسرائيل:

{اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ}  [البقرة: 61].

{ أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْءَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ وَمَن يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَٰنِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ }  [البقرة: 108].

{ يَسْءَلُكَ أَهْلُ الْكِتَٰبِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَٰبًا مِّنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَىٰ أَكْبَرَ مِن ذَٰلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّٰعِقَةُ}  [النساء: 153].

كانت لدى بني إسرائيل رغبات وحاجيات، فكانوا يسألون موسى من أجل تحقيقها، ليس من باب التلطف، بل من باب الإلزام فلما سألوه عن الخضراوات أي أصروا وألزموه بجلبها، قال لهم اهبطوا مصر، فإن لكم ما سألتم، أي ما الزمتموني بتحقيقه لكم.

كذلك تبين الآية الثانية أن السؤال ليس رغبة بلطف وأدب، بل بإصرار وإلزام، لهذا اعتبر القرآن أن السؤال كفر، لأنه يلزم موسى والمولى بتحقيقه لهم، وقد سألوا موسى رؤية الله، وأنه لن يؤمنوا طالما لم يحقق رغبتهم.

السؤال عن الله:

{ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَٰوَٰتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ}  [العنكبوت: 61].

{ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً }  [العنكبوت: 63].

{ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَٰوَٰتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ}  [لقمان: 25].

أي لو أن الرسول سألهم هذه الأسئلة لكان جوابهم هو الله، أي أراد منهم أن يجيبوا عن هذه المعلومات، وألزمهم بالجواب، لأن الصيغة جاءت بصيغة "سأل" فالرسول هو الذي أحرجهم بهذا السؤال، فكان لزاماً عليهم الإجابة، فعدم إجابتهم هو تهرب من الحوار، فإن أجابوا فقد أقروا بضلالهم.

السائلين:

{وَءَاتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَٰمَىٰ وَالْمَسَٰكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ}  [البقرة: 177].

السائلين هنا هم من يسأل عن الصدقة أو المال أو الرزق، فهو يراها من حقه، فهو وإن تذلل، فإنه يرى أنه لا يحق للغني أن يتنعم وحده ويموت الآخرون من الجوع، لهذا هو يسأل وقد يبالغ بالسؤال فيلح.

وقد أكد القرآن ذلك في آيات أخرى

{ وَفِي أَمْوَٰلِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ }  [الذاريات: 19].

{ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ }  [المعارج: 25].

فطالما نُعت بأنه سائل، فهو حق له، لأن أي سؤال يفترض أن يكون كذلك طالما وجبت الإجابة سواء أكان سؤالاً عن مال أو معلومات. والمحروم هو مثل السائل تماماً في الحق، إلا أنه يستحي أو يعجز عن السؤال عن حقه، فلا يكفي أن تعطي المتسولين، بل يجب البحث عن المعدمين.

بل للسائل حق الاحترام أيضاً

{ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ }  [الضحى: 10].

فما سأل إلا وقد شعر أنه محق في سؤاله سواء أكان يسأل الصدقة أو يسأل العلم وقد ذكر هذا الكلام في سورة عبس عندما جاء الأعمى ليستفسر، فعبس في وجهه لأنه يكرر السؤال.

وسؤال الكائن البشري للأقوات من حقه، فقد خلقه الله من جسم يحتاج القوت

{ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَٰسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَٰرَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَٰتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِّلسَّائِلِينَ }  [فصلت: 10].

فصار من حقه أن يسأل عن حق جسمه من الطعام.

الأسئلة الدينية:

{ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي }  [البقرة: 186].

{ يَسْءَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ }  [البقرة: 189].

{ يَسْءَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ}  [البقرة: 215].

{ يَسْءَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ }  [البقرة: 217].

{ يَسْءَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ}  [البقرة: 219].

إذا ورد سؤال ديني، فالرسول مجبر على الجواب، ولهذا نجد الجواب في نفس الآية مباشرة، فمن حقهم أن يعرفوا الجواب، باستثناء سؤال واحد لم يجب عنه الرسول وهو السؤال عن موعد الساعة

{ يَسْءَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَىٰهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي}  [الأعراف: 187].

ذلك أن علمها عند الله وحده لا غير، وهم عندما سألوا حسبوا أنه إلزام على الرسول إن يجيب، فلو أرادوا المعرفة لسألوا بلين ولطف.

أما السؤال عن الروح

{ وَيَسْءَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا }  [الإسراء: 85].

فلم يتم الإجابة عنه، ليس لأنه علم خاص بالله، بل لأن السائلين هنا هم قريش وهم جهلة بقصة الروح، ليس عندهم علم مثل أهل الكتاب في هذه الأمور، والذي يسمى عندهم جبريل وهو كبير الملائكة، وهو لديه قدرة وغرض في الاتصال بالبشر وتلقينهم الرسالة كما حدث مع موسى، لهذا بين لهم أن استغرابهم من جبريل لأنهم جهلة ليس عندهم كتاب مقدس قبل ذلك.

عدم السؤال الفقهي:

{ يَٰأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَسْءَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْءَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْءَانُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ }  [المائدة: 101].

{ قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَٰفِرِينَ }  [المائدة: 102].

يحذر مولى من التنطع والمبالغة في كثرة الأسئلة الفقهية، والتي قد تدل على زيغ وضلال أصحابها، فإن سأل هؤلاء في أمور سكت عنها المولى، فصار من حقهم الإجابة لأنه سؤال، لكن هل سوف يطبقون ما دعت إليه تلك الإجابات، أم هو مجرد خوض ولعب.

والآية تقول لا تسألوا قبل أن تنزل الآيات، فإن نزلت الآيات يحق لكم السؤال للاستيضاح؛ فتُبد لكم ما خفي عنكم من غموض، لكن لو سألتم عن شيء سكت عنه الشارع، فصار لزاماً عليكم تطبيقه، إذا جاء الجواب، والشارع لا يريد أن يكثر من التشريعات لأن ذلك ضار بهم فيريد الدافعية ذاتية.

تساءلون به والأرحام:

{ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا }  [النساء: 1].

مثل عبارتنا "أسألك بالله أن تفعل كذلك وكذا" فكما أننا نستخدم اسم الله في سؤال بعضنا بما لنا من حقوق وكذلك نسأل الناس بالرحم والقرابة التي بيننا وبينهم. فكان لزاماً أن نتق الله الذي كان حامياً لنا من ظلم الناس، لهذا بين أنه رقيب عليهم فمن سألك الله أي طالبك بحق من حقوقه وجاعلاً اسم المولى وسيطاً بينك وبينه؛ فأجب، لأن الله رقيب.

سؤال الرسل الأجر:

{ وَمَا أَسْءَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ الْعَٰلَمِينَ }  [الشعراء: 127].

{ وَمَا أَسْءَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ الْعَٰلَمِينَ }  [الشعراء: 145].

من حق الرسل أن ينالوا الأجر، على ما يقدمونه لأقوامهم من هداية، ذلك أنهم تفرغوا لهذا الأمر تفرغاً كاملاً، كما نجد ذلك عند الرسول الكريم. لهذا قال جميعهم "ما أسأل" فلو سأل لصار إلزاماً على أقوامهم دفع الأجر، لكن الأجر عند الله، لهذا لم يطالبوا بالأجر. ولو سأل الرسل الأجر لكان حجة للنخبة في رفض دين النبي بحجة أنه يطمع في أموالهم.

سؤال نوحٍ:

{ قَالَ يَٰنُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَٰلِحٍ فَلَا تَسْءَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَٰهِلِينَ }  [هود: 46].

{ قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْءَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَٰسِرِينَ }  [هود: 47].

كان نوح يرى أنه محق في السؤال، وأن الله جل جلاله يفي بالوعود، فابن نوحٍ هو من أهله، فحذره المولى من مثل هكذا أسئلة تفرض على الله جل جلاله ما ليس عليه إجابتها. وفوق هذا بين المولى له أن ابنه هذا ليس من أهله، أي ليس ممن يعتنون ويرعون نوح.

 سؤال يوسف:

{ قَالَ ارْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَسْءَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ}  [يوسف: 50].

يوسف رفض الخروج من السجن قبل الإجابة على سؤاله، فهو لا يرجو أو يطلب، بل يجعل من حقه الإجابة عن استفساره، لهذا هو سؤال يعلو على الاستفسار، فهو يطلب حقه في رد كرامته.

سؤال يعقوب:

{ وَسْءَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَٰدِقُونَ }  [يوسف: 82].

من حق يعقوب أن يعرف ما حدث لابنه بنيامين، فالقرية هي الدولة كما شرحنا وهي التي يديرها يوسف، وهذه الدولة هي التي سجنت ابنه بنيامين، والعير كذلك مسؤولة عن الإجابة على استفسار يعقوب، لأن بنيامين كان مع تلك القافلة، وحجز مقعداً فيها.

 هل يصح سؤال الله؟

{ وَءَاتَىٰكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ}  [إبراهيم: 34].

{ الَّذِي خَلَقَ السَّمَٰوَٰتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَٰنُ فَسْءَلْ بِهِ خَبِيرًا }  [الفرقان: 59].

{ يَسْءَلُهُ مَن فِي السَّمَٰوَٰتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ }  [الرحمن: 29].

{ وَسْءَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا }  [النساء: 32].

رأينا أن السؤال هو إلزام الطرف الآخر بالإجابة، سواء أكان الغرض مادياً أو معلوماتياً. فهل يصح سؤال الله أي إلزامه معنوياً بالإجابة؟

لا، الأمر ليس كذلك، فالله هو من ألزم نفسه من عند نفسه بأن يستجيب للسائل، طالما أن سؤاله معقول، وطالما أنه من الصالحين الطيبين، وطالما أنه يطبق القوانين فيتصدق.

أما الآية

{ لَا يُسْءَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْءَلُونَ }  [الأنبياء: 23].

فهي ترد على اعتراضهم أن لماذا الله يرسل الرسالة عن طريق البشري محمد ولا يرسلها عن طريق الملائكة، فأنظر ماذا قالوا في بداية السورة ﵟهَلۡ هَٰذَآ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡۖ ﵞ [الأنبياء: 3] 

ويقصد بالسؤال هو السؤال الاعتراضي وليس السؤال الحاجي(من الحاجيات) فلا يحق لهم السؤال الذي يقصد الاعتراض على اختيار الله، فقد اختار بشراً واختار محمداً بالذات.

أما السؤال عما يفعله الله أو يشرعه، بقصد العلم والمعرفة، فلا بأس به، بل يحث عليه القرآن فيجب أن نعرف الله، ويجب أن نعرف لماذا شرع الصوم والحج وخلافه.

سؤال النعجة:

{ قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ}  [ص: 24].

هذا أكبر دليل على صحة ما ذهبنا إليه، فلو كان السؤال لا يعني ضمناً الأحقية، لما ذهبوا للاحتكام إلى النبي داود، فأحدهم سأل صاحبه أن يضم نعجته إلى نعاجه، فصار يرى صاحب النعجة أنه يجب أن يجيب ويرد على صاحب النعاج؛ فاحتكما إلى داود، فصاحب النعاج يرى أن له أحقية في ضم تلك النعجة، لهذا لم يطلب ولم يترج، بل سأل أي طالب بالنعجة لأنه يرى أحقيته فيها.

سؤال زوجات النبي:

{وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَٰعًا فَسْءَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ}  [الأحزاب: 53].

مجتمع بسيط مجتمع المدينة، لا يوجد تكلف، يدخلون على بيوت النبي باعتباره أبٍ لهم، فيدخلون لتناول الطعام، ويدخلون لطلب الآلات والأجهزة التي عند النبي، فقد كان بيته مثل مستودعات توضع فيها حاجيات البلد، فكانوا يطلبون (بالسؤال) لأن لهم حق في تلك المتع (الحاجيات) فهي ملك لأهل المدينة اعتبارياً.

سؤال الموءودة:

{ وَإِذَا الْمَوْءُدَةُ سُئِلَتْ }  [التكوير: 8].

يجتمع الطرفان القاتل والمقتول، فيُسأل القاتل لما قتلت هذه الطفلة، وتُسأل الموءدة. ولن تستطيع الإجابة، لأنها لا تعلم شيئاً مما حدث، لقد صار حقاً لكل من عرف قصة الموءدة أن يسأل ما سبب قتلك، لشناعة وغرابة الأمر.

الخلاصة:

طالما أن الشخص يسأل فهو يرى أنه من حقه الإجابة عن سؤاله، سواء أسأل المعلومات أو سأل الماديات، فالمتسول من حقه أن يسأل الصدقة، والجاهل من حقه أن يسأل العلم عند من يعلم، والعباد من حقهم أن يسألوا الله فضله، لأن المولى ألزم نفسه بالإجابة.

وهو يخالف الطلب فالطلب هو بذل الجهد للوصول إلى الشيء والاستحواذ عليه أو أخذ شيء منه، بينما السؤال فهو بذل الكلام لكي يستجيب لنا من يملك الشيء، لأننا نرى أن لنا أحقية فيه.

هذا والله أعلم

علي موسى الزهراني



([1]) مقاييس اللغة (3/ 124): الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (5/ 1723): «المعجم الاشتقاقي المؤصل» (2/ 1053):

ali
ali
تعليقات