أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

📁 آخر الأخبار

كفاية سور القلاقل والفاتحة

كفاية سور القلاقل والفاتحة

أعظم سور القرآن هي القلاقل الأربعة، ومعها الفاتحة، فلماذا؟

قبل أن نجيب عن السؤال، يشدنا تساؤل وهو لماذا بدأت تلك السور بــــ قل. فهل كان الرسول عليه السلام، يبحث عن الأدعية وتسبيحات ويسأل عنها، فجاء الجواب هكذا؟ أم أنه يرد على تساؤلات الكفار وشكوكم؟

من الواضح أن سورة الكافرون كانت رداً على إصرار الكفار وضغطهم على الرسول لكي يتبع دينهم، فكان الرد حاسماً بسورة الكافرون. كذلك سورة الإخلاص، فقد يكون أحدهم قد طلب تعريفاً عن ذات الله فكانت الصمد، فالقوم لا يعرفون شيئاً عن الله العزيز ذو الجلال، فوضحت السورة في قليل من الكلمات ماهيته، البارئ المصور.

وقد تكون سورتي الناس والفلق، من طلب الناس أيضاً، فقد يكون أحدهم طلب علاجاً لخطر الشيطان وعلاجاً للأمراض، فكانت الفلق والناس، فهي تجابه الخرافة وتقطعها، فبدلاً أن تذهب إلى الكهان والسحرة والمشعوذين لكي يخلصوك من شر الشيطان ومن شر الكائنات الخفية الأخرى التي تجلب الأمراض، فقد قدم لك الدعاء المناسب لصدها.

نعود لسؤالنا وهو ما سبب عظمة تلك السور الخمس؟

سورة الصمد:

سورة الصمد تتكلم عن ذات الله، فهو أحدٌ، أي بلا زوجة كما يعتقدون. وهو صمد أي قوي وصلب وصامد، ولم يلد، ولم يولد، والولادة خلق، فهو لم يُخلق، بل هو الخالق. ولم يلد أي ليس له أبناء آلهة فهو الإله الوحيد. وهو يتكلم هنا عن ذات الله لا نعوته وأسماؤه.

لهذا هي أهم سورة قصيرة في القرآن، فكل من يسأل عن ذات الله فتكفيه سورة الصمد. ومعرفة ذات الله ضرورة عقلية لكي يدرك الإنسان أنه يتجه نحو إله عظيم وعزيز وكبير.

سورة الحمد:

أما لو أرادوا نعوت الله المحببة للبشر، فيجدون ذلك في سورة الفاتحة، فالحمد يعني النعوت الجميلة والجليلة "يسمونها الصفات" فله سبحانه كل نعت جميل وجليل. وهو رب العالمين أي الذي يعتني بهم ويؤدبهم عند الخطأ فلم يهمل البشرية. وهو الرحمن الذي يعطي ويعاقب، وهو الرحيم الذي يزيل الشر أو يمنع وقوعه قبل وقوعه المرجح، فهو رحمن يعاقب وهو رحيم يزيل العقاب، إذا صلح حال البشر.

وهو يملك يوم الحساب يوم القيامة، فكل إنسان سيدفع ما عليه من دين، والله سيدفع دينه إذا كان من المحسنين، لهذا يجب عمل الصالحات. ولهذا يقوم الناس بالدعاء لرب العالمين أن يهدهم الصراط المستقيم، وإلا يختلط عليهم الأمر فينحرفوا إلى صراط الضالين أو المغضوب عليهم.

سورة الكافرون:

ثم تأتي سورة الكافرون لتؤكد القطيعة مع الكفار، فلهم منهج يختلف عن منهج المؤمن، هذا المنهج لا يتضح في هذه السورة، ولكن في سور أخرى، لكن هذه السورة تؤكد القطيعة النهائية وتكرر استحالة اللقاء بين الكافر والمؤمن.

سورة الناس:

أما سورة الناس، فهي تحدد أن الناس وهم علية القوم وقادتهم، هم مجرد عبيد عند الله وتحت تحكمه، وهم ملكه، فلا يردعونك بقوتهم وسلطتهم فالله فوقهم، ثم أحذر من وسوستهم لك أو تخويفك، كذلك الشيطان يوسوس، فيجب أن تطلب العون من الله ضد الشيطان وضد الناس الذين يوسوسون إليك ويحاولون منعك، فالسورة تطلب من الله العون من خطر الناس ضد المصلح، ومن خطر الخناس.

سورة الفلق:

هي توجه الرسول بالدعاء للوقاية من أخطار غائبة عنه، لا يراها، وتضر جسمه، لهذا يجب أن نستعين برب الفلق، فلماذا رب الفلق وليس رب العالمين مثلا؟

قد اختلف أهل التفسير في معنى الفلق فقالوا هو كل ما انفلق، وقيل، بل هم الخلق، وقيل، بل واد في النار أو بيت في النار أو جب في النار([1])  وقال أصحاب المعاجم إن الفلق هو الصبح. وقيل، بل الشق. وقيل، بل مطمئن من الأرض. وقيل، بل الخلق كله. والفلق أصل واحد يدل على فرجة وبينونة. والفالق فضاء بين شقيقتي رمل. والفيلق هو الكتيبة العظيمة. وقوس فلق أي مشقوقة ([2])

ونستبعد كلياً أن يكون معنى الفلق هو الصبح، فالسورة تتكلم عن حماية الإنسان من الشرور، فما علاقة الصبح بذلك؟ والراجح هو ما يشبه الأداة التي تفلق الأشياء، أي أن الله بيده فلق كل شيء جل جلاله، فهي تفلق أي تمزق الشيء وتدمره، فنحن نطلب من الله الذي يملك الفلق ويديره، أن يفلق الشرور التي تترصد بها.

 

والغاسق عندهم يعني الحية، وقيل، بل القمر إذا طلع. وقيل الليل إذا اشتد ظلامه. أما النفاثات فهن السواحر ([3]) ونستبعد هذه التفسيرات، لكن نرجح أنها كائنات تحمل الشر ومخفية، فهناك كائنات تتخفى في الظلام، وهناك كائنات تتخفى بصغر حجمها وعدم قدرة العين على رؤيتها، وهناك الحاسد الذي يخفي حسده، ثم إذا أعمل حسده فهنا نطلب من الله العون، ضد الحاسد الذي يعمل في الخفاء.

ونرجح أن السور يجب أن تكون مرتبة على الشكل التالي:

فسورة الصمد هي أول ما يجب أن عرفه الإنسان عن ربه، فهي تعريف بذات الله، ثم يليها الفاتحة ففيها تعريف بنعوت الله، ثم طلب الهداية بعد تلك المعرفة. وبعدها سوف نصبح على علم بمنهج الله. ثم يليها بعد ذلك سورة الكافرون، وفيها البراءة من منهج الكفار، والإصرار على منهج الله.

بعد هذا الإعلان للكفار، سيظهر أعداء يتربصون بالمؤمن، لهذا جاءت سورة الناس، فيطلب الطيب من الله أن يحميه من الخناس الذي يدفع الناس إلى القيام بالشر ضد الطيب. كما يقوم الخناس بعمل الغواية للطيب ذاته.

وبعد ذلك وفي الختام، تأتي سورة الفلق ويطلب فيها الطيب أن يحميه الله من كل شر خفي عنه، يضر جسمه، أي شرور المخلوقات كلها ومن ضمنها شر الحاسد، الذي هو أحد الناس الذي وسوس له الخناس، لأنه رفض منهج الله، ورضي بمنهج الشيطان، ذلك أنه رفض أن يعرف نعوت الله ويعرف ذاته.  

وقد يقول قائل لماذا نزلت هذه السور القصار ولم تكن مطولة؟

نقول إن كثير من الناس لم يكونوا قادرين على القراءة، فكانت هناك حاجة شديدة لمادة بسيطة يحفظونها تغنيهم عن السور الطوال، ويستطيعون نقلها إلى بلادهم البعيدة وترديدها في منازلهم وتكون مختصراً لعقيدة الإسلام كله، فكانت هذه القلاقل والفاتحة.

بقي السؤال الأخير لماذا لا نشعر بأهمية تلك السور؟

بسبب العادة والتكرار، فنحن نردد كما الببغاء، دون تركيز ودون فهم لمقاصد تلك السور، فكل سورة نزلت ولها قصة، حتى وإن لم يذكرها التراث، فلما ربطناها ببعضها وجدنا تكاملها وتآزرها في عمل الاكتفاء للإنسان المؤمن.

الخلاصة:

نلاحظ من كل هذا أن كل سورة من هذه السور الخمس قد اختصت في موضوع، وأنها كلها متكاملة مع بعضها، تجعل الإنسان البسيط الجاهل بالقراءة في غنى وكفاية من ناحية العقيدة والإيمان، فالصمد تعريف بالله، والفاتحة تعريف بنعوت الله، وتحذير من الحساب، وتوجيه إلى طلب الهداية.

ثم تأتي الكافرون لتأمر هذا الإنسان بقطع الصلة مع الكافر، حينها سيكثر الأعداء، فتأتي سورتي الناس والفلق بالحل، فأما الناس فيطلب المؤمن من الله أن يحميه من الخناس الذي يخرب العقول، وتأتي الفلق فيطلب المؤمن من الله أن يحميه من الشرور التي تخرب الأجسام.

هذا والله أعلم

علي موسى الزهراني  



([1]) «تفسير التستري» (ص210): «التفسير الوسيط - مجمع البحوث» (10/ 2054): «تفسير القرآن الثري الجامع» (12/ 531):

([2]) «معجم مقاييس اللغة» (4/ 452):«المغرب في ترتيب المعرب» (2/ 150):

([3]) «التفسير الوسيط - مجمع البحوث» (10/ 2056): «موسوعة التفسير المأثور» (23/ 704):

ali
ali
تعليقات