خلق في القرآن المكرم
ملخص البحث:
هل تعلم أن "الخلق" في القرآن ليس هو "الإحياء"؟ 🧬
كثيراً ما نخلط بينهما، لكن الفرق بينهما هو الفرق بين (الجسد) و(الروح).
في بحثي الجديد، أفكك شيفرة "الخلق" في القرآن:
✅ الخلق هو تصميم المادة (الميتة) وتحويلها لنوع جديد.
✅ الإحياء (النفخة) هو مرحلة تالية تماماً.
✅ لهذا قال الله {أحسن الخالقين}؛ لأننا نحن أيضاً "نخلق" حين نصمم ونبني، ولكن الله وحده هو واهب الحياة.
إليك التفاصيل الفيزيائية المذهلة لعملية الخلق في القرآن
خلق
في المعاجم:
جذرها هو الخلق وهو أصلين أحدهما تقدير
الشيء والآخر ملامسته. فخلقت الأديم للسقاء أي قدرته. والخلق هو السجية. وفلان
خليق بكذا أي هو ممن قدر فيه ذلك. والخلاق هو النصيب لأنه قد قدر لكل واحد نصيبه.
ورجل مختلق أي تام الخلق. وخلق الكذب أي اخترعه.
وصخرة خلقاء أي ملساء. واخلولق السحاب أي
استوى. ورسم مخلولق أي استوى بالأرض. والمخلق هو السهم المصلح لأنه يصير أملس.
وخلق أي بلي. وأخلقته أنا أي أبليته. والمختلق من كل شيء ما اعتدل. وثوب خلق أي
أملس
والخلاق هو الحظ والنصيب من الخير
والصلاح. ورجل لا خلاق له أي لا رغبة له في الخير. وقيل الخلاق هو الخير وقيل هو
الدين، وقيل النصيب، وهناك من رأى أن الخلاق يعني الشأن والقدر. والخلاق والخلوق
هو نوع من الطيب. والأخلاق هو الأملس المصمت من كل شيء. والخلقاء هضبة لا نبات
فيها. والخلق حال للنفس راسخة تصدر عنها الأفعال من خير أو شر، بدون تفكر. والخلقة
الفطرة ([1])
خلق
في القرآن:
ورد هذا الجذر في القرآن 218 مرة في 75
آية. وهو من أهم الجذور التي يجب معرفتها، لأنها وردت كثيرا في القرآن، ولأنها
مرتبطة بالعبودية والوحدانية. وقد زعم التراث أن الخلق هو الإيجاد من العدم فتبين
لنا بطلان هذا الافتراض، كما زعموا أن الخلق هو الإحياء، فتبين بطلانه. ثم بحثنا
في افتراضات كثيرة، فوصلنا إلى أن الخلق هو (تحويل الشيء الفاقد للحياة لنوع جديد،
هو أيضاً فاقد للحياة دون إمكانية الرجوع للخلف، على عكس الجعل الذي هو تحويل
الشيء ميت أو حي إلى نوع جديد مع إمكانية الرجوع) فإذا انطبق هذا المعنى على كل
الآيات فنعم ونعما وإذا لم ينطبق بحثنا عن افتراض آخر.
الخلق
ليس الإحياء:
{ هُوَ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ
} [يونس: 56].
لو كان الخلق هو الإحياء لما احتاج إلى
استخدام هذا الجذر من الأساس، ولقال مباشرة أحيى، دون أن يقول خلق ويخلق، ولكن أهل
التطابق يقبلون بهذا الطريق والمنهج، بينما القرآن يؤكد على روعة تصميمه وبناءه،
وأن الكلمة لا تطابق زميلتها فكان البنيان عجيباً. وسنجد الآيات الأخرى تؤكد أن
الخلق ليس الإحياء.
الخلق
لا حياة فيه:
إذا تم خلق الشيء، فهو في حالة ميتة
وليست حية، فإذا كان ذلك المخلوق من الكائنات التي تقبل الحياة، نفخ فيه فصار
حياً، وإن كان من الجمادات أدى عمله الجديد كما هو. ولا يمكن خلق شيء من كائن حي،
فالخلق يكون من الجمادات والكائنات غير الحية.
الخلق
لا يكون إلا بالمواد:
{ مِنۡ أَيِّ
شَيۡءٍ خَلَقَهُۥ } [عبس: 18].
لا يخلق المولى أو غيره إلا بالمواد،
فإذا توفرت المادة جاء الخلق بعدها، وهذا ما حدث مع الجن، فكانت هناك النار ففعل
فيها فعله جل جلاله، فتحولت إلى جني أو مادة قابلة للنفخة وللحياة. كذلك الإنسان
خلقه عدة خِلق وليس خلقة واحدة، فخلقه نطفة، ثم خلقه علقة، ثم خلقه مضغة وهكذا نفخ
في تلك المادة الأخيرة، فصارت حية.
الخلق
بقدر:
{ إِنَّا كُلَّ
شَيۡءٍ خَلَقۡنَٰهُ بِقَدَرٖ } [القمر: 49].
لا يوجد خلق عشوائي اعتباطي، فالمولى
يخلق كل شيء ولديه المقادير، فيمزج ويخلط المواد جل جلاله بكيفية لا نعلمها لكن
تلك المواد كلها مقدرة
الخلق
لا يختص بالله وحده:
{فَتَبَارَكَ
ٱللَّهُ أَحۡسَنُ ٱلۡخَٰلِقِينَ}
[المؤمنون: 14].
{ أَتَدۡعُونَ بَعۡلٗا وَتَذَرُونَ أَحۡسَنَ ٱلۡخَٰلِقِينَ} [الصافات: 125].
{ ٱلَّذِيٓ أَحۡسَنَ كُلَّ شَيۡءٍ خَلَقَهُۥۖ
} [السجدة: 7].
لو كان الله هو وحده الذي يخلق لما قال أحسن الخالقين، وربما قال:
أوحد الخالقين. وهناك آيات أخرى تؤكد أن الخلق لله ولغيره مثل:
{ قَالَ يَٰٓإِبۡلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسۡجُدَ
لِمَا خَلَقۡتُ بِيَدَيَّۖ أَسۡتَكۡبَرۡتَ أَمۡ كُنتَ مِنَ ٱلۡعَالِينَ } [ص: 75].
وهنا يخاطب إبليس أنه خلق آدم بيده، وهذا
يعني أن هناك خلقاً لله ليس بيده، بل بيد غيره من المخلوقات الأخرى، فلو كان لا
يخلق إلا هو لما احتاج النص أن يذكر أنه خلق الله آدم بيده.
{أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلۡأَرۡضِ} [فاطر: 40].
وهذه الآية لا تتعارض، فهي تخاطب الكفار
الذين يعبدون الملائكة الذين في السماء، ويسألهم المولى ماذا خلقوا في الأرض، وهذا
يعني أنه من الممكن أن غيرهم خلقوا شيئاً في الأرض أو أن أولئك الملائكة يخلقون أشياء،
ولكن في السماء.
{ ءَأَنتُمۡ أَشَدُّ خَلۡقًا أَمِ ٱلسَّمَآءُۚ بَنَىٰهَا
} [النازعات: 27].
وفي هذه الآية يؤكد المولى أنهم يخلقون،
ولكن خلقهم هزيل وضعيف، بينما خلق الله هائل وعظيم مثل خلق السماء التي صارت
بنياناً.
{ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖ
لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ} [غافر: 62].
وهذه الآية هنا لا تنفي الخلق عن غير
الله، ولكن الله إما أنه يخلق مباشرة بيده كما رأينا في آدم، أو يخلق بوجود وسطاء
كالبشر، أو أن عبارة كل شيء لا تعني كل الموجودات، ولكن يقصد بها أشياء معينة والتي
لم يخلقها البشر.
{أَنِّيٓ أَخۡلُقُ لَكُم مِّنَ ٱلطِّينِ كَهَيۡـَٔةِ
ٱلطَّيۡرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيۡرَۢا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۖ} [آل عمران: 49].
وهذه الآية تؤكد وتجزم أن الخلق يكون لله
ولغيره، فهذا عيسى يخلق من الطين كهيئة الطير، ثم ينفخ فيه والنفخة تهب الحياة
لهذا التمثال.
وبهذا تبين لنا أن الخلق فعل يفعله أكثر
البشر، بل غيرهم، وأنه ليس إحياء، بل هو تصميم وبناء كما يصنع النحات التماثيل.
والخلق قدرة عادية تملكها كل الكائنات
تقريباً، فهي قادرة على التصميم والبناء وتحويل المادة من شيء إلى آخر، بإذن الله.
وهو مثل الرزق فالله هو الذي يرزق وغيره من الكائنات ترزق أيضاً {وَٱرۡزُقُوهُمۡ فِيهَا وَٱكۡسُوهُمۡ}([2])
التصوير
ليس الخلق:
{ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّ
وَصَوَّرَكُمۡ فَأَحۡسَنَ صُوَرَكُمۡۖ وَإِلَيۡهِ ٱلۡمَصِيرُ } [التغابن: 3].
يتشدد غلاة الدين، في الرسومات التي
يرسمها البشر، ويعتبرون ذلك مضاهاة لخلق الله، والصحيح أن الرسم ليس خلقاً، ولكن
التماثيل هي التي تعتبر خلقاً، فالنحات استخدم مادة من مواد الأرض ويشكل منها
تمثالاً لحيوان أو إنسان، أما الرسام فهو يطبع صورة ذهنية في عقله على ورق، فليس
له علاقة بالخلق.
أما التصوير الفوتوغرافي، أي ما يسمى
بالكاميرا، فليس له أي علاقة بالخلق مطلقاً، ولا يوجد أي شبهة فيه، وإنما هو فقط
كالمرآة التي تلتقط الأشكال وتظهرها على سطحها، أو كالماء الذي يلتقط الصور
ويطبعها على سطحه إذا كان ساكناً.
ويجب أن ننوه القارئ إلى أن الخلق الذي
يقوم به الإنسان أو غيره إنما هو في الحقيقة من خلق الله، ولكن بواسطة كائن وسيط، فلا
يستطيع أحدٌ أن يخلق بدون الرجوع إلى ربه وبدون أن يمده الله بالمدد اللازم، فلا
يوجد شيء اسمه المضاهاة التي أزعجنا بها أهل التراث، فلا أحد يضاهي خلق الله، لأن
كل مخلوق هو من خلق الله مباشرة أو بالواسطة.
وقد درسنا التصوير وتبين لنا أنه تشكيل الجمجمة
والوجه، فهو مرحلة تالية للخلق، فالخلق قد تم وقضي أمره.
خلق
الجان:
{ وَٱلۡجَآنَّ خَلَقۡنَٰهُ مِن قَبۡلُ مِن نَّارِ
ٱلسَّمُومِ } [الحجر: 27].
{ وَخَلَقَ ٱلۡجَآنَّ مِن مَّارِجٖ مِّن نَّارٖ
} [الرحمن: 15].
هناك لفظة جان وجن جنة، فإذا كان جان هو
مفرد جن وجنة، فإننا نكون بهذا قد عرفنا ما هي المادة التي خلق الله بها الجن، وهي
من نار السموم، ثم حدد في الآية الثانية بأنه من مارج من نار، وهذا يعني أن الجان
خُلق من مارج من نار السموم.
وهذا لا يعني أنه صار كائن يتحرك، بل كل
ما في الأمر أن المولى جل جلاله ومن معه من كبار الكائنات السماوية، قد خلقوا الجن
أي جمعوا المادة المكونة للجن وهي النار فشكلوها وحورها، ثم بعد ذلك نفخوا في تلك
المادة فصارت الجن.
فإذا كان البشر خلقوا من طين والجن من
نار، فلا نستطيع أن نفضل أحداً على أحدٍ، فكلها مواد من عند الله، على أننا نلاحظ
أن الجن هم أكثر من سيدخل النار، أو أكثر من الإنس، كما شرحنا في كتابنا دار
السلام.
كما أن خلق البشري أكثر تعقيداً من خلق
الجان، فالجان خلق مباشرة من مارج من نار، لكن البشري خلق من نطفة، ثم خلق من علقة
ثم خلق من مضغة، ثم خلق ذكر وأنثى وهكذا، فهو شديد التعقيد، وهذا يعني علو كعب
البشري على الجان.
الخلق
ثم الهداية:
{ قَالَ
رَبُّنَا ٱلَّذِيٓ أَعۡطَىٰ كُلَّ شَيۡءٍ خَلۡقَهُۥ ثُمَّ هَدَىٰ } [طه: 50].
{ ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهۡدِينِ } [الشعراء: 78].
يخلق المولى الخلائق من مواد الكون، ثم
يضع لها برنامج الهداية، ونضرب مثالاً بالحاسوب الذي خلقه الإنسان، فهذا الحاسوب
هو الخلق الذي خلقه الإنسان ثم وضع له البرامج التي تشغله فتعمل قطعه على أكمل
وجه، أي وضع المولى الهارد وير والسوفت وير، الذي يهدي هذا الهارد وير إلى عمله
الصحيح. والهداية في هاتين الآيتين لا يقصد بها هداية الدين، بل هداية التخلق
والعمل الصحيح، وهو لكل كائن متخلق.
لم
يخلق مثلها:
{ ٱلَّتِي لَمۡ يُخۡلَقۡ مِثۡلُهَا فِي ٱلۡبِلَٰدِ } [الفجر: 8].
الخلق هنا ليس خلق الله، بل خلق البشر،
فهي ابتكار عظيم من البشر، وهي من العجائب مثل عجيبة ثمود لأنهم جابوا الصخر،
وكذلك فرعون الذي عمل الأوتاد.
خلقت
وحيداً:
{ ذَرۡنِي وَمَنۡ خَلَقۡتُ
وَحِيدٗا } [المدثر: 11].
هذا أحد كبار الكفار، خلقه الله وحيداً، وقد اختلفوا في معنى وحيد،
فقيل خرج من بطن أمه وحيداً، وقيل: بل خلقه الله وحده دون أن يشرك معه أحد في
خلقته، وقيل، بل ذرني يا محمد وحدي معه فسوف انتقم منه ([3])
والصواب أن النص يخبر مدى ثراء هذا
الكافر، فقد أولده وحيداً فلا أحد من إخوته شاركه الورث فحصل على ورث طائل، ثم جعل
له مال ممدوداً ثم بنين شهوداً أي كبار يعاونونه على إدارة المال، ثم يطمع أن
يزيده الله.
خلق
الإفك:
{ إِنَّمَا
تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡثَٰنٗا وَتَخۡلُقُونَ إِفۡكًاۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ
تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَمۡلِكُونَ لَكُمۡ رِزۡقٗا فَٱبۡتَغُواْ عِندَ
ٱللَّهِ ٱلرِّزۡقَ وَٱعۡبُدُوهُ وَٱشۡكُرُواْ لَهُۥٓۖ إِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ } [العنكبوت: 17].
الإفك كما شرحنا هو قلب الحقائق
والأشياء، فهذا الصنم الذي خلقوه هو إفك أي نسبوا إليه أشياء وأفعال هو عكسها
كالسمع والاستجابة وغيرها، فهذا الاختلاق هو خلق فكري وليس مادي، فقد صنع من هذا
الصنم مادة فكرية جديدة وهي الخلق الفكري.
زيادة
الأجنحة زيادة في الخلق:
{أُوْلِيٓ
أَجۡنِحَةٖ مَّثۡنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَۚ يَزِيدُ فِي
ٱلۡخَلۡقِ } [فاطر: 1].
خلق المولى الملائكة مع الاختلاف بينهم،
فإذا زاد الجناح فهو يعني زيادة في الخلق، لأن الخلق هو تشكيل المادة بشكل جديد،
وهذا يعني أن زيادة الأجنحة أمر كبير وعظيم، فهو خلق وليس جعل.
تعقيد
الخلق:
{ لَخَلۡقُ
ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ أَكۡبَرُ مِنۡ خَلۡقِ ٱلنَّاسِ} [غافر: 57].
نرجح أن خلق السموات والأرض أكبر أي أكثر
تعقيداً من خلق الناس، وقد رأينا أن خلقهم استغرق ستة أيام من أيام الله. وهذا
يعني أن خلق الإنسان أيضاً معقد، ولهذا وجهنا للنظر في خلقنا؛ لكن خلق الأرض
والسماء أكثر تعقيداً.
خلق
الأرض في يومين:
{خَلَقَ ٱلۡأَرۡضَ فِي يَوۡمَيۡنِ} [فصلت: 9].
كانت مادة الأرض قديمة وعمرها أربعة
مليار سنة، ثم أعاد المولى خلقها أي تشكيلها من جديد وتم الأمر في يومين من أيام
الله.
أشهدوا
خلقهم:
{ وَجَعَلُواْ
ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمۡ عِبَٰدُ ٱلرَّحۡمَٰنِ إِنَٰثًاۚ أَشَهِدُواْ خَلۡقَهُمۡۚ} [الزخرف: 19].
أي هل كان الكفار حاضرون حين خلق المولى
الملائكة؟ فتبين من المشاهدة أنهم إناث وليسوا ذكوراً، وهذا يؤكد أيضاً أن
الملائكة كانوا قبل ذلك مادة خاماً لم يبينها القرآن والتي زعموا أنها النور، فأخذ
المولى هذه المادة وشكلها من جديد أي خلقها ثم نفخ في الملائكة فصارت حية مثل
البشر.
خلق
من ذكر وأنثى:
{ يَٰٓأَيُّهَا
ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ} [الحجرات: 13].
اندمجت مياه الذكر مع مياه الأنثى، فتكون
خلق جديد هو العلقة ثم المضغة وهكذا، وهو إذ يشير إلى أصل خلقيتهم التي هي من ذكر
وأنثى، فهو يقصد أمرين تكريم الأنثى وأنها مشاركة في عملية التخليق فهي أم الناس،
وأنه لا يحق للناس أن يتكبروا على البقية من الإنس فهم من أصل واحد.
مخلقة
وغير مخلقة:
{ يَٰٓأَيُّهَا
ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ مِّنَ ٱلۡبَعۡثِ فَإِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن
تُرَابٖ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةٖ ثُمَّ مِنۡ عَلَقَةٖ ثُمَّ مِن مُّضۡغَةٖ
مُّخَلَّقَةٖ وَغَيۡرِ مُخَلَّقَةٖ لِّنُبَيِّنَ لَكُمۡۚ وَنُقِرُّ فِي
ٱلۡأَرۡحَامِ مَا نَشَآءُ} [الحج: 5].
يمر الكائن بمراحل خلق، حتى ينتهي إلى
خلق المضغة، ومنها المخلقة وغير المخلقة. ويرى أهل التراث أن المقصد هو قبولها للنفخة
وحلول النفس عليها أو عدم قبولها ([4]) ولكن وفق ما تشي به بقية الآيات، فإنه يجب أن تكون المضغة مقسمة إلى
نوعين، مخلقة أي تتغير وأخرى ثابتة، وقد أكد العلم ذلك فهناك خلايا جذعية لا تتغير
ولا تتحول، وهناك خلايا متخصصة هي التي تبدأ في تكوين الأجهزة، فهي المخلقة.
خلق الإنسان:
{ وَلَقَدۡ
خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِن سُلَٰلَةٖ مِّن طِينٖ } [المؤمنون: 12].
تبين هذه الآية المبجلة أن خلق الإنسان
من سلالة وأصل هذه السلالة من طين، أي خلقه من طين ثم من سلالة، فما هي السلالة ؟
نرجح أنها كما تقول آيات أخرى هي النطفة،
ثم العلقة ثم مضغة والمضغة ليست آخر الخلق، بل هناك تخلق آخر
ويسميه خلق آخر وهو الأخير، ولعله سماه
خلق آخر لأنه قد يكون خلق أنثى أو خلق ذكراً لهذا لم يحدد، وهذا ليؤكد أن الذكر
والأنثى أصلهم واحد ولم يحدث الافتراق إلا قريباً وكان في الجسم البشري وليس في
النفس التي هي واحدة لا تتبدل عند الاثنين.
{ هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٖ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةٖ ثُمَّ مِنۡ
عَلَقَةٖ ثُمَّ يُخۡرِجُكُمۡ طِفۡلٗا ثُمَّ لِتَبۡلُغُوٓاْ أَشُدَّكُمۡ
ثُمَّ لِتَكُونُواْ شُيُوخٗاۚ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ مِن قَبۡلُۖ
وَلِتَبۡلُغُوٓاْ أَجَلٗا مُّسَمّٗى وَلَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ } [غافر: 67].
جعل
الزوج وخلقه:
{ٱلَّذِي
خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ وَخَلَقَ مِنۡهَا
زَوۡجَهَا وَبَثَّ مِنۡهُمَا رِجَالٗا كَثِيرٗا وَنِسَآءٗۚ } [النساء: 1].
{هُوَ ٱلَّذِي
خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ وَجَعَلَ مِنۡهَا
زَوۡجَهَا لِيَسۡكُنَ إِلَيۡهَاۖ}
[الأعراف: 189].
سوف نعتبر الخلق هنا للجزء الغامض منّا
وهو النفس، وليس الجزء الظاهر وهو الجسم، والذي يبتدأ بنطفة فعلقة فمضغة. فالنفس
واحدة عند كل البشر أخذها وخلق بقية الأنفس منها.
هل
النطفة مخلوقة أم مجعولة؟
{ خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِن نُّطۡفَةٖ فَإِذَا هُوَ
خَصِيمٞ مُّبِينٞ } [النحل: 4].
ﵟأَلَمۡ
نَخۡلُقكُّم مِّن مَّآءٖ مَّهِينٖ 20 فَجَعَلۡنَٰهُ فِي قَرَارٖ مَّكِينٍﵞ [المرسلات: 20-21]
ﵟوَلَقَدۡ
خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِن سُلَٰلَةٖ مِّن طِينٖ 12 ثُمَّ جَعَلۡنَٰهُ نُطۡفَةٗ
فِي قَرَارٖ مَّكِينٖ 13 ثُمَّ خَلَقۡنَا ٱلنُّطۡفَةَ عَلَقَةٗ فَخَلَقۡنَا
ٱلۡعَلَقَةَ مُضۡغَةٗ فَخَلَقۡنَا ٱلۡمُضۡغَةَ عِظَٰمٗا فَكَسَوۡنَا ٱلۡعِظَٰمَ
لَحۡمٗا ثُمَّ أَنشَأۡنَٰهُ خَلۡقًا ءَاخَرَۚ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحۡسَنُ
ٱلۡخَٰلِقِينَ ﵞ [المؤمنون: 12-14]
في هاتين الآيتين مرة يقول أنه جعل
النطفة ومرة يقول أنه خلقها، على اعتبار أن النطفة هي الماء المهين، فكيف نفسر
الأمر؟
ببساطة لأن النطفة في حالة تغير فقط وليس
تكوين، أي عندما حركها من مكانها إلى القرار المكين، أطلق على ذلك جعلاً، كذلك كما
رأينا في الزوجية، فمرة يقول خلق زوجها ومرة يقول جعل زوجها، والجعل هو تغيير
وظائف الشيء أو تحريك الشيء، وليس التصرف في تكوينه الداخلي المادي، فهو بداية خلق
النطفة ثم جعلها في قرار مكين وهو الرحم.
خلق
الموت:
{ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡمَوۡتَ وَٱلۡحَيَوٰةَ لِيَبۡلُوَكُمۡ
أَيُّكُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗاۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡغَفُورُ } [الملك: 2].
كما يخلق المولى الماديات من ماديات،
كذلك يخلق المعنويات، كالموت والحياة، والموت لم يكن موجوداً فأخذ المولى مكونات
معنوية لا نعلمها فخلق منها الموت وكذلك فعل مع الحياة، وقد يكون الموت والحياة
ماديات لا نبصرها ولا ندركها بحواسنا.
كيف
خلقت:
{ أَفَلَا
يَنظُرُونَ إِلَى ٱلۡإِبِلِ كَيۡفَ خُلِقَتۡ
} [الغاشية: 17].
يوجه النص إلى فحص جسم الإبل، لما فيها
من عجائب وغرائب، وما عليك إلا البحث عن عجيبة هذا الخلق لتتأكد مدى قوة هذه الآية
المبجلة.
خلق
في أحسن تقويم:
{ لَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ فِيٓ أَحۡسَنِ تَقۡوِيمٖ } [التين: 4].
شرحنا هذه الآية كثيراً وقلنا أن المقصد
أن الله خلق كبراء قريش في أحسن مقام وهو مكة، حيث يعيشون حياة رغيدة، ولو قال من
أحسن تقويم لقلنا أن مادة صنع هذا الإنسان كانت منطقة "أحسن تقويم" ولكن
قال: "في" أي هذا الإنسان يعيش في أحسن مكان ثم سيرد يوم القيامة أسفل
سافلين أي جهنم، بسبب كفره.
ولا يقصد خلقه في أحسن تقويم أي شكله،
فعندما يريد وصف شكله يستخدم لفظة صورة، فهو خلقنا فأحسن صورنا أي أشكالنا
الظاهرية.
وقد يقول قائل لماذا لم يقل "أحيينا
الإنسان في أحسن تقويم" بدلاً من الخلق؟ فنقول لأن هؤلاء قد يموتون في بلاد
بعيدة غير مكة، فكان الخلق هو الصائب، أي أن بداية نشأتهم منذ خلقهم ثم ولادتهم
كانت في مكة حيث الحياة الرغيدة.
تنكيس
الخلق:
{ وَمَن نُّعَمِّرۡهُ نُنَكِّسۡهُ فِي ٱلۡخَلۡقِۚ أَفَلَا يَعۡقِلُونَ } [يس: 68].
التنكيس هو الأفول والنقصان، فكما أن خلق
الإنسان يعطيه قدرات هائلة تظهر عند نموه فإن ذلك الخلق يتنكس ويذبل وإن لم يزل
بالكلية، فيظهر هذا الانتكاس على جسمه الذي يأفل مع أفول الخلق نفسه.
ونكتفي بهذا القدر من الآيات
الخلاصة:
اتضح لنا من خلال هذا البحث أمور هي:
- الخلق ليس الإحياء، فالإحياء هو نفخ الروح
- الخلق لا يعني الإيجاد من العدم، بل تشكيل مادة موجود إلى مادة جديدة لا
حياة فيها أيضاً
- الخلق لا يختص بالله وحده، فمعظم الكائنات تخلق، ولكنها لا تحيي فالله
الوحيد الذي يحيي.
هذا والله أعلم
علي موسى الزهراني
هل لديك نظرة أخرى
أطرحها هنا كي نستفيد من علمك