أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

متى تكون الأنثى "نساء"



متى تكون الأنثى "نساء" 

بقلم: علي موسى الزهراني



مقدمة:

في دراسة الألفاظ القرآنية، لا يوجد مكان للعشوائية أو الترادف. كل كلمة توضع في مكانها لتعبر عن حقيقة مادية وميكانيكية ملموسة. ومن أكثر الألفاظ التي ظُلمت في التفسير كلمة "النساء" بمشتقاتها، حيث يُظن خطأً أنها تطلق عشوائياً على كل أنثى.

النساء في المعاجم:

هناك جذران هما النسو والنسي، وذهبت المعاجم إلى أنه مشتق من النسو. ولا يهمنا أصل الكلمة، بل ما يهمنا هو ما اصطلح عليه القرآن.

يرى اللغويون أن (نساء، ونسوة، ونسوان) هي جموع (امرأة)، وأن (النساء) للجمع، و(نسوة) لجمع القلة. والنَسوة هو الترك للعمل. والنسا عرق من الورك إلى الكعب. والنسى بالفتح هو اللبن الذي يُصب عليه الماء.

أما الاستعمال المادي الأهم فهو قولهم: امرأة (نَسِئٌ) أي: تأخر حيضها، ورُجِيَ حَبَلُهَا، ولذلك لا يُطلق هذا اللفظ على الصغيرات اللاتي لم يبلغن المحيض ([1])  

النساء في القرآن:

قبل أن نبحث في الآيات يستحسن أن نعود إلى رأي أهل اللغة الذين يرون أن (النساء) المعرفة بـ "أل" هي للجنس والعموم أي كل النساء، بينما "نساء" نكرة تعني الشيوع وعدم التحديد، و"نساء فلان" تعني الخصوصية والتشريف. أما النسوة فهي جمع قلة.

أولاً: النساء بـ "أل" التعريف

وردت كلمة (النساء) معرفة بـ "أل" التعريف 25 مرة، وبالاستقراء نلاحظ أنها تعني المتزوجة أو التي كانت متزوجة قريباً كالأرملة والمطلقة. وهذا هو افتراضنا الذي لم نجد أحداً قد قال به سابقاً، وسوف نجربه على الآيات لنتأكد:

اعتزال النساء:

{وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡمَحِيضِۖ قُلۡ هُوَ أَذٗى فَٱعۡتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ} [البقرة: 222].

لو كانت لفظة (النساء) تعني كل الإناث (المطلقة والأرملة والعزباء والأخت والأم والبنت)، لحدث تشويش في الذهن، كيف نعتزل الأرملة والأخت، ولكن هذا أحد الأدلة التي تؤكد أن المقصود بالنساء هن المتزوجات.

المطلقات النساء:

{وَإِذَا طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغۡنَ أَجَلَهُنَّ} [البقرة: 231].

{لَّا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ إِن طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ مَا لَمۡ تَمَسُّوهُنَّ} [البقرة: 236].

هذا يؤكد أن النساء كن متزوجات قريباً فتطلقن، ولو كانت لفظة (النساء) تشمل العزباء البكر، لما استخدمت هذه اللفظة، لأنه سيحدث تشويش عند السامع، وطبعاً من اليقين أنها لا تشمل الأخت والأم والبنت.

خطبة النساء:

 {وَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ فِيمَا عَرَّضۡتُم بِهِۦ مِنۡ خِطۡبَةِ ٱلنِّسَآءِ} [البقرة: 235].

النساء هنا هن الأرامل، فقد قال قبلها في الآية السابقة: {وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوۡنَ مِنكُمۡ وَيَذَرُونَ أَزۡوَٰجٗا} [البقرة: 234]. فهن اللاتي ترملن قريباً، وعدتهن لم تنقضِ وهي أربعة أشهر وعشرة أيام.

ما طاب لكم من النساء:

 {وَإِنۡ خِفۡتُمۡ أَلَّا تُقۡسِطُواْ فِي ٱلۡيَتَٰمَىٰ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثۡنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَۖ...} [النساء: 3].

{وَيَسۡتَفۡتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِۖ قُلِ ٱللَّهُ يُفۡتِيكُمۡ فِيهِنَّ وَمَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ فِي يَتَٰمَى ٱلنِّسَآءِ...} [النساء: 127].

استخدم "أل" التعريف في لفظة (النساء) ليؤكد أنهن أرامل، فالآية تقول أنت لا تستطيع العناية باليتيم من أقاربك، فلك أن تتزوج بأمه الأرملة "النساء" لتستطيع الدخول والاعتناء الشديد بهؤلاء اليتامى.

النساء من الشهوات:

 {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ مِنَ ٱلنِّسَآءِ} [آل عمران: 14].

شرحنا هذه الآية سابقاً وقلنا إن الطبقة المترفة لا تكتفي بما لديها من زوجات، بل تطمع في زوجات الآخرين، لهذا نعتت الآية الأمر بأنه شهوة قبيحة، وفي آيات أخرى اعتبرها فاحشة، لأن ذلك الطمع في زوجات الآخرين يدمر البيوت والأسر.

المهر والنساء:

 {وَءَاتُواْ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَٰتِهِنَّ نِحۡلَةٗۚ...} [النساء: 4].

لا يُعقل أن يكون الصداق لأي سيدة في عرض الطريق، إنه حق الزوجة؛ لذا استخدم لفظة (النساء) ليؤكد أنها السيدة المتزوجة.

وراثة النساء:

 {يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَحِلُّ لَكُمۡ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرۡهٗاۖ... إِلَّآ أَن يَأۡتِينَ بِفَٰحِشَةٖ مُّبَيِّنَةٖۚ...} [النساء: 19].

الآية تؤكد يقيناً أن النساء هنا هن المتزوجات، فالمتزوجة يضغط عليها زوجها ليرثها أي يحصل على كامل مالها. ويبين أنها قد تأتي بفاحشة، وهذا اللفظ لا يُنعت للعزباء، بل للمتزوجة، ويحدث ذلك منها بعد أن يحاصرها زوجها لتضطر إلى هذا الفعل، فحينها يستطيع استرداد مهره، لأنه يهددها بذلك الإفك.

النساء والآباء:

 {وَلَا تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَابَآؤُكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِلَّا مَا قَدۡ سَلَفَۚ إِنَّهُۥ كَانَ فَٰحِشَةٗ وَمَقۡتٗا وَسَآءَ سَبِيلًا} [النساء: 22].

ما أن يموت الأب حتى يتزوجها ابنه الأكبر (عادة عند بعض القبائل اليهودية)، لهذا نعتهن بالنساء وليس نساءً، لأنهن كن متزوجات فترملن، ولن يمضي زمن طويل حتى يتزوجن، فهن من زواج إلى زواج والانقطاع قصير جداً.

المحصنات من النساء:

{وَٱلۡمُحۡصَنَٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ إِلَّا مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡۖ كِتَٰبَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡۚ...} [النساء: 24].

وفي آيات أخرى: {يَنكِحَ ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ} [النساء: 25]، {نِصۡفُ مَا عَلَى ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ} [النساء: 25]، {يَرۡمُونَ ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ} [النور: 4].

هن اللاتي يمتنعن عن الذكور إما لأنهن مؤمنات ملتزمات، أو لأنهن متزوجات لا يرغبن في هدم بيوتهن. فالآية الرئيسية تمنع الذكر من ممارسة العلاقة مع المتزوجة وتجعله في مقدار حرمة نكاح الأم والأخت.

القوامة على النساء:

{ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ وَبِمَآ أَنفَقُواْ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡۚ فَٱلصَّٰلِحَٰتُ قَٰنِتَٰتٌ حَٰفِظَٰتٞ لِّلۡغَيۡبِ بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُۚ وَٱلَّٰتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَٱهۡجُرُوهُنَّ فِي ٱلۡمَضَاجِعِ وَٱضۡرِبُوهُنَّۖ...} [النساء: 34].

الآية تؤكد أن النساء هن المتزوجات، فتشير إلى الهجر في المضاجع، وحفظ الغيب، والنشوز.

لمس النساء:

 {أَوۡ لَٰمَسۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمۡ تَجِدُواْ مَآء} [النساء: 43] و [المائدة: 6].

يقيناً النساء هنا هن الزوجات، فلا يُعقل أن يشمل الأخوات والأمهات، أو الغريبات عن الذكر، فلا قيمة للتوجيه نحو الوضوء لشخص فاجر يلامس النساء الغريبات. والملامسة هنا لا تعني الممارسة الجنسية، بل اللمس الذي يثير الذكر فيفسد عقله ويضعف تركيزه.

الرجال والنساء:

 {وَمَا لَكُمۡ لَا تُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلۡمُسۡتَضۡعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلۡوِلۡدَٰنِ...} [النساء: 75] و [النساء: 98].

دائماً في القرآن تأتي لفظة (رجل) لتشير إلى مَن يتحمل المسؤولية ولديه أسرة ومتزوج، لهذا اقترن اسمه بـ "النساء" لأنهن المتزوجات أيضاً. المتزوجون يكونون في ضعف شديد بسبب الذرية، ولو كانوا عزاباً لكانت لديهم القوة للمواجهة.

العدل بين النساء:

 {وَلَن تَسۡتَطِيعُوٓاْ أَن تَعۡدِلُواْ بَيۡنَ ٱلنِّسَآءِ وَلَوۡ حَرَصۡتُمۡۖ...} [النساء: 129].

من الطبيعي أن النساء هنا لسن الأخوات أو الأمهات، بل هن المتزوجات اللاتي يجب العدل بينهن.

النساء في مواجهة الشذوذ:

 {إِنَّكُمۡ لَتَأۡتُونَ ٱلرِّجَالَ شَهۡوَةٗ مِّن دُونِ ٱلنِّسَآءِۚ...} [الأعراف: 81] و [النمل: 55].

من المستحيل أن يشمل اللفظ الأخوات والأمهات، وإلا لما وجّه لوط قومه إليهن. فهو يقول لهم: لديكم زوجات يغنينكم عن هذه الفاحشة.

القواعد من النساء:

{وَٱلۡقَوَٰعِدُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ ٱلَّٰتِي لَا يَرۡجُونَ نِكَاحٗا...} [النور: 60].

وهن اللاتي ترملن أو تطلقن، وانقطع عنهن القرء، ولكن لكبر سنهن هن قواعد لا يرجون نكاحاً جديداً.

نساء النبي:

 {يَٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ لَسۡتُنَّ كَأَحَدٖ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِنِ ٱتَّقَيۡتُنَّۚ فَلَا تَخۡضَعۡنَ بِٱلۡقَوۡلِ...} [الأحزاب: 32].

من المؤكد أنه يقصد زوجاته، خاصة الجديدات اللاتي لا يعرفن التشريعات جيداً مثل القديمات. ولا يُعقل أن يكون الكلام عن بناته؛ لأنهن يعرفن التشريعات منذ اليوم الأول.

لا يحل لك النساء:

 {لَّا يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِنۢ بَعۡدُ وَلَآ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنۡ أَزۡوَٰجٖ...} [الأحزاب: 52].

الرسول عند نزول هذه الآية قد شارف على الستين، ومن المؤكد أنه لا يبحث عن العزباوات الصغيرات، بل يبحث عن الأرملة والمطلقة الكبيرة في السن التي تناسب عمره. لهذا استخدم النص لفظة "النساء" ليشير إلى المطلقة والأرملة التي في حاجة ماسة لزوج يرعاها بعد الطلاق أو الترمل. والتاريخ يؤكد أن كل زوجاته كن "ثيبات" إلا -كما يقولون -عائشة. ([2])


النتيجة تتويجاً للاستقراء: الهيئة المادية للكلمة (لماذا سُميت المطلقات والأرامل نساء؟)

بعد استعراض الآيات السابقة، قد يسأل سائل: إذا كانت (النساء) تعني المتزوجات، فلماذا يُبقي القرآن هذا اللفظ على المطلقات حديثاً والأرامل؟

الجواب يكمن في المحرك المادي الدقيق للكلمة في المعاجم: (تأخر حيضها ورُجي حبلها). فالنساء هن مَن دخلن في حالة "التأخير البيولوجي" بسبب الارتباط الزوجي.

وهذا يفسر العبقرية القرآنية في إبقاء إطلاق لفظ (النساء) على المطلقات والأرامل؛ لأنهن في فترة (العدة) يخضعن تماماً لاختبار هذا "التأخير البيولوجي والنسيء"، فهن قيد الانتظار لاكتشاف الحمل من عدمه، ولا ينسلخن من جرم (النساء) ليعُدن إلى حالة الاستقلال الفردي كـ (امرأة) إلا بانتهاء العدة وتأكد براءة الرحم.


ثانياً: نساء الخصوصية (المضافة لمعرفة)

إذا نُسبت النساء إلى الذكور فهذا يعني أنهن الزوجات، ولكن التحديد كان أكثر دقة في مواضع، انظر الآيات:

نساؤكم ونساؤنا:

{فَقُلۡ تَعَالَوۡاْ نَدۡعُ أَبۡنَآءَنَا وَأَبۡنَآءَكُمۡ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمۡ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمۡ ثُمَّ نَبۡتَهِلۡ فَنَجۡعَل لَّعۡنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلۡكَٰذِبِينَ} [آل عمران: 61].

دعاهم القرآن إلى الدعاء على أغلى ما يحبه الإنسان؛ نفسه، ثم ولده الذكر، ثم الزوجة. ولم يُذكر الوالدان لأن الأبوين في الغالب قد توفيا عند معظم الوفد لكبر سنهم.

استحياء نساء بني إسرائيل:

 {يُذَبِّحُونَ أَبۡنَآءَكُمۡ وَيَسۡتَحۡيُونَ نِسَآءَكُمۡۚ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَآءٞ مِّن رَّبِّكُمۡ عَظِيمٞ} [البقرة: 49].

{قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبۡنَآءَهُمۡ وَنَسۡتَحۡيِۦ نِسَآءَهُمۡ وَإِنَّا فَوۡقَهُمۡ قَٰهِرُونَ} [الأعراف: 127].

فرعون كان يقتل أبناء المؤمنين بالتوحيد، ولكي يزيد الألم كان يستحيي النساء (يبقيهن أحياء) وهن أمهات الأبناء المقتولين، ليزيد العويل والبكاء، فتتحطم أنفسهم ويقلّوا عن نشر التوحيد، وقد رأينا كيف أصبح فؤاد أم موسى فارغاً. إن هذا الفعل الفاجر، كان سبباً في تحطم الأزواج الرجال، الذين يقفون عاجزين أمام طغيان فرعون، لهذا تركوا دينهم وتحولوا إلى عبادة الفراعنة.

نسائهن (لماذا تُمنع العزباء من رؤية الزينة الخفية؟):

{أَوۡ نِسَآئِهِنَّ أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُنَّ...} [النور: 31].

قد يُظن للوهلة الأولى أن كلمة (نسائهن) هنا تعني كل الإناث بلا حصر. ولكن لكي نفهم دقة التخصيص القرآني، يجب أن نعرف ما هي "الزينة" التي يمنع القرآن إبداءها؟ الزينة هنا ليست مجرد مجوهرات كخاتم أو قلادة؛ فهذه أشياء لا يضر أن تراها أي أنثى. الزينة الخفية المقصودة حددتها نفس الآية في قولها: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ}، والجيب هو منطقة الصدر والنحر. إذن، الزينة هنا تعني: المفاتن الجسدية والتفاصيل الخاصة بجسد المرأة.

وهنا يتجلى جمال التشريع؛ فلو رأت الفتاة الصغيرة أو العزباء (غير المتزوجة) تفاصيل جسد امرأة أخرى، فقد تذهب بحسن نية وتتحدث عنها أمام إخوتها الذكور أو أقاربها، وتقول بجهل وسذاجة: "صدرها كذا، ولون بشرتها كذا، وشكلها كذا"، لأن الفتاة في هذه المرحلة لا تدرك خطورة هذا الوصف على الذكور وميكانيكية الغريزة لديهم. أما (المرأة المتزوجة)، فهي تمتلك الوعي البيولوجي، وتدرك تماماً أن وصف جسد امرأة لذكر آخر هو كشف للعورات وهدم للبيوت. وهذا هو ذاته ما حذر منه الرسول ﷺ بقوله: "لا تباشر المرأة المرأة، فتصفها لزوجها كأنه ينظر إليها". ([3])

ولا ننسى أن هذه الآية وردت في (سورة النور)، وهي السورة التي نزلت خصيصاً لمحاربة النميمة، ونقل الكلام، والبهتان، والشائعات التي كادت أن تدمر مجتمع المدينة. لذلك، حصر القرآن إبداء هذه الزينة الخاصة في دائرة (نِسَآئِهِنَّ)؛ أي: النساء المتزوجات ذوات الوعي والإدراك من الدائرة المقربة، واستبعد الفتيات والعزباوات، مما يثبت بصرامة أن القرآن لا يستخدم لفظ (النساء) ليعني الإناث مطلقاً، بل يخص به المرتبطة التي تحمل الوعي والمسؤولية.

نساء النبي:

 {يَٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ مَن يَأۡتِ مِنكُنَّ بِفَٰحِشَةٖ مُّبَيِّنَةٖ يُضَٰعَفۡ لَهَا ٱلۡعَذَابُ ضِعۡفَيۡنِۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٗا} [الأحزاب: 30].

بما أن "نساء النبي" معرفة، فهو يقصد بالتأكيد زوجاته وما ملكت يمينه، وتؤكد ذلك كلمة فاحشة التي لا تكون إلا للمتزوجة.

نساء المؤمنين:

{يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لِّأَزۡوَٰجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ يُدۡنِينَ عَلَيۡهِنَّ مِن جَلَٰبِيبِهِنَّۚ...} [الأحزاب: 59].

لم يقل النص نساء النبي، بل قال زوجاته وبناته (وهن متزوجات)، ثم نساء المؤمنين. فهو يتحدث عن المتزوجات فقط، ويوجههن الشارع للاحتشام ليتبيّن أنهن متزوجات فلا يُعاكسن.

نساء العالمين:

 {وَإِذۡ قَالَتِ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَٰمَرۡيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰكِ وَطَهَّرَكِ وَٱصۡطَفَىٰكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلۡعَٰلَمِينَ} [آل عمران: 42].

شرحنا سابقاً معنى "العالمين" وقلنا إنها تعني كل المجموعات البشرية، وبيّنا في مقالنا هذا أن النساء هن المتزوجات، وأنهن لو نُسبن إلى شخص أو جماعة فهن المتزوجات أيضاً. وهنا نجد نفس الشيء، فلو أحدثنا استثناءً هنا لبطل المقال كله؛ لهذا نؤكد أن النساء هنا هن المتزوجات أو اللاتي سبق لهن الزواج.

فما الميزة في هذا الاختيار؟ هذا الاختيار يؤكد علو كعب مريم في أخلاقها ورجاحة عقلها؛ فرغم أنها فتاة غضّة غُرّة، ورغم خبرة وحنكة النساء المتزوجات ورجاحة عقلهن وتجاربهن في الحياة، إلا أن المولى اختار مريم من بينهن. لهذا نرى في الآية تكريماً عظيماً لمريم بتفضيلها على المتزوجات الأكبر منها سناً وعقلاً، فضلاً عن تفضيلها على مَن هُنَّ في مثل سنها وحالتها.


ثالثاً: (نساء) بصيغة النكرة (الشيوع في فئة المرتبطات والمستقلات)

إذا وردت اللفظة كاسم نكرة، فهي لا تفقد محركها المادي ولا تنزل لتعني مجرد "بنات حواء" أو جنس الإناث، بل تبقى دالة بصرامة على الإناث اللاتي ارتبطن واستقللن بحياتهن بالزواج. ومجيئها نكرة يعني الحديث عنهن كـ "شريحة اجتماعية" بشكل عام، وليس فئة محددة بعينها:

لماذا بث النساء فقط؟

 {وَبَثَّ مِنۡهُمَا رِجَالٗا كَثِيرٗا وَنِسَآءٗۚ} [النساء: 1].

لم يذكر القرآن الكريم بث الإناث أو الفتيات أو فقط ذكر بث النساء؛ فلماذا؟

ذلك لأن الآية تتكلم عن خروج الذكور والإناث من بيوت أهلهن في حالة تكوين أسرة جديدة بالزواج، ولهذا استخدم لفظة رجال ونساء، فنساء كما قلنا هن المتزوجات اللاتي يترقبن انقطاع وتأخر المحيض، ويشمل ذلك المطلقات والأرامل حديثاً، فهن أيضاً في انتظار وترقب.

ففي الغالب لا تخرج الأنثى من بيت أهلها إلا بالزواج، وكذلك الذكر، فتتحول من أنثى وفتاة إلى زوجة تنشئ أسرة جديدة فهذا هو البث، وليس الانتشار الجغرافي البحت.

نصيب النساء ونصيب الإناث:

{يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيٓ أَوۡلَٰدِكُمۡۖ لِلذَّكَرِ مِثۡلُ حَظِّ ٱلۡأُنثَيَيۡنِۚ فَإِن كُنَّ نِسَآءٗ فَوۡقَ ٱثۡنَتَيۡنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ...} [النساء: 11]. بعيداً عن تعقيدات التراثيين وقوالبهم، فإن الآية تضع قانوناً رياضياً ومادياً في غاية البساطة والدقة، وتُعد أقوى دليل ينسف الترادف بين (أنثى) و(نساء).

بدأ القرآن بالقانون الأصلي: {لِلذَّكَرِ مِثۡلُ حَظِّ ٱلۡأُنثَيَيۡنِ}. الذكر الواحد ينال الضعف مع أنثيين، مهما كان وضعهن (صغاراً أم كباراً، متزوجات أم عازبات)، ولذلك استخدم النص لفظ الجنس البيولوجي (أنثى).

لكن هذا القانون ينكسر وتتغير الحسبة إذا تحقق شرطان مدمجان في قوله: {فَإِن كُنَّ نِسَآءٗ فَوۡقَ ٱثۡنَتَيۡنِ}. الشرط الأول عددي: (أكثر من اثنتين مقابل ذكر واحد). الشرط الثاني مادي وظيفي: (أن يكنَّ نِسَاءً).

لماذا قال (نساء) ولم يقل (إناثاً)؟ لأن هؤلاء البنات قد كبرن، وخضن تجربة الارتباط الزوجي، وأصبحن مستقلات في بيوتهن مع أزواجهن وأولادهن. في هذه الحالة المادية، تُعطى لهؤلاء "النساء" الكتلة الأكبر من التركة (الثلثين)؛ لأنهن بحكم ارتباطهن واستقلالهن أشد حاجة للمال لسد ثغرات الحياة من العزباء أو الفتاة الصغيرة.

كما أن إطلاق وصف (نساء) عليهن يكسر وصاية الذكر (الأخ)؛ فلا يحق له إمساك المال بحجة أنهن ضعيفات أو لا يعرفن إدارة المال، فهن مستقلات وربات أسر. هذا الانتقال الدقيق من (أنثى) إلى (نساء) يثبت أن اللفظ لا يعني مجرد الجنس، بل يعني حالة الاستقلال والارتباط.

نساء ساخرات:

{ وَلَا نِسَآءٞ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُنَّ خَيۡرٗا مِّنهُنَّۖ} [الحجرات: 11].

الأنثى هي أكثر حديثاً في الشؤون الاجتماعية، وخاصة مجتمع المتزوجات، لأنهن أكثر مقارنة ورغبة في التفوق على الأخريات، أما الفتاة فهي مشغولة بنفسها في الغالب.

نساء مؤمنات:

{هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمۡ عَنِ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ وَٱلۡهَدۡيَ مَعۡكُوفًا أَن يَبۡلُغَ مَحِلَّهُۥۚ وَلَوۡلَا رِجَالٞ مُّؤۡمِنُونَ وَنِسَآءٞ مُّؤۡمِنَٰتٞ لَّمۡ تَعۡلَمُوهُمۡ} [الفتح: 25].

يأمر القرآن بأن يهاجر المؤمن إلى بلاد الإسلام المدينة، لكنه في حالة الزوجية وتكوين الأسرة فإن الهجرة تكون صعبة، فالمولى يبين أن هناك أسراً مؤمنة بالرسالة ولكن لا يظهرون ذلك، ويصعب عليهم الهجرة، فلا يصح الضرر بأهل مكة، لأن ذلك سيعود على هؤلاء المؤمنين. وقد بين القرآن سبباً قوياً لعدم هجرة هؤلاء الأفراد وهي أنهم متزوجون، لهذا سماهم نساءً ورجالاً.


رابعاً: النسوة ونسوة

{وَقَالَ نِسۡوَةٞ فِي ٱلۡمَدِينَةِ ٱمۡرَأَتُ ٱلۡعَزِيزِ تُرَٰوِدُ فَتَىٰهَا عَن نَّفۡسِهِۦۖ...} [يوسف: 30].

{وَقَالَ ٱلۡمَلِكُ ٱئۡتُونِي بِهِۦۖ فَلَمَّا جَآءَهُ ٱلرَّسُولُ قَالَ ٱرۡجِعۡ إِلَىٰ رَبِّكَ فَسۡـَٔلۡهُ مَا بَالُ ٱلنِّسۡوَةِ ٱلَّٰتِي قَطَّعۡنَ أَيۡدِيَهُنَّۚ...} [يوسف: 50].

لم يرد هذا الاشتقاق إلا مرتين، ويبدو أنه جمع قلة (ما بين ثلاثة إلى عشرة)، وهذا ينسجم مع قصة يوسف. (النسوة) تعني عدداً منتهياً يمكن إحصاؤه، أما (النساء) فعدد غير منتهٍ. ولا يتبين لنا ماهية النسوة، ولا يوجد تعارض بين نسوة ونساء في الدلالة إلا في العدد، فالنسوة هن أيضاً متزوجات مثل امرأة العزيز، وكن يردن يوسف في الحرام، ولهذا دبر أزواجهن كيداً ليوسف فزجوا به في السجن.


ردٌ على شبهات التراثيين (الهندسة المادية مقابل الفقه المتأخر):

يقع المتمسكون بالتفاسير التقليدية في خلل منهجي قاتل حين يحاكمون النص القرآني بقواعد الفقه المتأخرة والجموع النحوية العشوائية، متجاهلين "الهندسة المادية" للسان العربي. فزعمهم أن (نساء) مجرد جمع عشوائي لامرأة يشمل الطفلة والعزباء، ينسفه الجذر الفيزيائي للكلمة (نَسْء: التأخير البيولوجي والارتباط). وحين يطرحون آيات لكسر هذه القاعدة، فإنهم في الحقيقة يُثبتونها بالعمق الإعجازي؛ فاستحياء آل فرعون لـ (النساء) لم يكن استبقاءً لطفلات رضيعات لا يخدمن غرضاً، بل كان إبقاءً للأمهات المتزوجات لتعذيبهن نفسياً بذبح أبنائهن أمامهن. واصطفاء العذراء مريم على (نساء العالمين) هو التضاد الإعجازي الأكبر، حيث فُضّلت الغرّة الخالية من التجربة الزوجية على كل الخبيرات والمنجبات. وحتى في المواريث، تعمّد النص التحول من وصف الجنس البيولوجي (أنثى) إلى وصف الحالة الاجتماعية (نساء) ليشرّع لكسر الوصاية عن المستقلات وربات الأسر الأشد حاجة للمال. إن اللفظ القرآني يحمل حمضه النووي المادي بصرامة ولا يتغير من آية لأخرى، بل القوالب التراثية هي التي تخبطت في تأويله.


الخلاصة

  درسنا معظم إن لم يكن كل الآيات التي ورد فيها كلمة نساء، وتبين لنا بشكل جازم أنها تعني المتزوجات أو اللاتي تطلقن حديثاً أو ترملن فهن في العدة، يراقبن تأخر المحيض.

وهذا الاستقراء القرآني تدعمه المعاجم (كما أوردنا في النتيجة) وتنسف وهم "الجمع الذي لا مفرد له من لفظه"؛ فمفرد (نساء) مثبت وهو (نَسْء / نَسُوء) ويعني الأنثى التي تأخر حيضها لعلة الحمل. ولا يهم دخلت لفظة النساء في أل التعريف أو كانت معرفة بمضاف، أو كانت نكرة فالمعنى واحد وهي الأنثى التي تأخر حيضها لعلة الحمل فهي الزوجة أو المطلقة أو الأرملة حديثاً.

هذا والله أعلم 



([1]) «تاج العروس من جواهر القاموس» (40/ 69): «المعجم الاشتقاقي المؤصل» (4/ 2183):

([2]) لا يصح استخدام مفردة "ثيبات" فلا علاقة لها بحالة الأنثى بل لها علاقة بسلوكها فالثيبة هي الراجعة لربها. والبكر هي التي تبادر بعمل  الصالحات، لكن استخدمنا اللفظ هنا لكي يفهم القارئ، وإلا فإن المطلقات والأرامل هو الصواب، وقد كان الرسول قد تزوج كل نسائه من الأرامل أو المطلقات وحتى عائشة محل شك فهناك إشارة أنها كانت مخطوبة. الرسول كان يتزوج لأسباب دينية وسياسية واجتماعية.

([3]) البخاري، الجامع المسند الصحيح (صحيح البخاري)، كتاب النكاح.


ali
ali
تعليقات
    جاري استحضار النفحات القرآنية...