أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

التربص في القرآن المكرم

 

التربص في القرآن المكرم

ربص في المعاجم:

ربص أصل واحد يدل على الانتظار. وتربص في المكان أي مكث. وتربص بسعلته الغلاء، أي أبقاها لوقت الغلاء. وتربص أي احتكر. وربصه أمره أي حبسه. وتربص عن الأمر أي توقف ([1])

التربص في القرآن:

سوف نلاحظ أن التربص من أقارب الانتظار، ولكن له شروطه وهي:

-     انتظار مضي الوقت.

-     انتظار تجاه البشر، أي تنتظر ما سوف يحدث لهم، كذلك التربص بالنفس هو من هذا.

-     التمني والرجاء: فالمتربص يتمنى شيء معين، فهو لا يراقب بسلبية تامة، بل يتمنى حدوث شيء معين لمن يتربص به.

-     المتربص غالباً يرجح ما يتمناه، فهو تمنى مع ترجيح.

-     التعجيل: المتربص يريد انقضاء الوقت سريعاً وحدوث ما يتمناه.

-     والتربص في كل الآيات يعني انتظار حدوث السوء كما سوف يتبين لنا.

وللنظر للآيات المبجلات:

تربص المنافقين:

{الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} [النساء : 141]

{قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [التوبة : 24]

تربص الأعراب:

{وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [التوبة : 98]

{قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى} [طه : 135]

بعض الأعراب المنافقين مثل غيرهم، يتوقعون ويتمنون وقوع الشر على المؤمنين.

تربص الجنون:

{إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ} [المؤمنون : 25]

{أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ} [الطور : 30]

كان يتربص الكفار بالرسول ريب المنون أي ظهور الجنون بشكل فاضح، فلن يطول عليه الأمر حتى يستفحل فيه الجنون، وتظهر حقيقته.

تربص بهم وتربصوا به:

{قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ} [الطور : 31]

وفي آية

ﵟقُلۡ هَلۡ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلَّآ إِحۡدَى ٱلۡحُسۡنَيَيۡنِۖ وَنَحۡنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمۡ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٖ مِّنۡ عِندِهِۦٓ أَوۡ بِأَيۡدِينَاۖ فَتَرَبَّصُوٓاْ إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ 52ﵞ [التوبة: 52] 

فكما تتربصون بنا أن تقع المصائب علينا، فكذلك نحن نتربص بكم أن تقع عليكم المصائب، فهو تهديد ونبوءة.

تربصتم وارتبتم:

{يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ} [الحديد : 14]

المنافقون لم يكتفوا بالارتياب بيوم القيامة، بل تربصوا أي تمنوا وتوقعوا حدث المصائب على المسلمين،

التربص بالنفس:

{وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة : 228]

{وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [البقرة : 234]

هنا المطلقة والأرملة تتربصان مضي الوقت المحدد، وهما تتربصان وليس تنتظران مضي الأجل، لأن الأجل هنا مؤلم  فهو أيام طوال وكثيرة، لكن مع هذا تفرح الأرملة والمطلقة بوقوعه عليهما، فالمطلقة تتربص الشر بنفسها الذي هو العدة، لكي تتزوج من جديد.

فهنا انتظار وتمني وتعجيل وطلب وقوع السوء على "بشري" الذي يتمثل في المطلقة نفسها، والأرملة.

الخلاصة:

التربص هو انتظار، ولكن يزيد عليه في أنه محدد بشروط، وهو انتظار وقوع الشر على الآخرين، مع وجود ترجيح وما يشبه الجزم. وهو فيه تمني ورجاء، ولهذا فيه العجلة، أي أن المتربص عجول بأن يحدث في الآخر ما يتمناه.

وهو يختلف عن الانتظار وعن الترقب، فالانتظار هو مجرد تركيز تجاه شيء معين فقط، دون تمني ودون تعجل، والترقب هو الملاحظة للسلوك كما يلاحظ القائد جنوده لكي يعاقبهم أو يجازيهم.

هذا والله أعلم

علي موسى الزهراني

 

 




([1]) «معجم مقاييس اللغة» (2/ 477): المعجم الاشتقاقي المؤصل (2/ 745)

ali
ali
تعليقات
    جاري استحضار النفحات القرآنية...