يحسب المؤمنون أن الجنة والنار في عالم آخر وكوكب آخر غير هذا الكوكب، لأنه يرى في ذلك نقصاً وعيباً على الجنة، وكأن هذه الأرض الفريدة من نوعها، لا تليق باسم الجنة، رغم أن القرآن ذكر أن هناك أماكن فيها هي جنة، وجنة آدم كانت على هذه الأرض.
وهؤلاء لا يدركون أن هذا الكوكب فريد من نوعه، وأن العلوم الفلكية
اكتشفت ملايين الكواكب ولم تجد كوكباً مثل كوكبنا، ولا حياة مثل حياتنا، بل لا حياة
مطلقاً، على حد علمنا الحالي.
ولهذا سوف يتأكد لنا بالأدلة النقلية أن الجنة هنا، بعد أن تتغير
الأرض والغلاف الجوي (السماء) بحيث تنشأ حياة جديدة بأشكال عجيبة، لكن لا تبعد عما
في الحياة الدنيا، فنحن في حياة دنيا وتلك حياة عليا.
الأدلة من السنة على أن الجنة هنا:
لم أجد مرويات منسوبة إلى الرسول تبين موقع الجنة، باستثناء حديث
واحد قال فيه الرسول الكريم: (الْجَنَّةُ فِي السَّمَاءِ
السَّابِعَةِ، وَيَجْعَلُهَا حَيْثُ شَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَجَهَنَّمُ فِي
الْأَرْضِ السَّابِعَةِ) ([1]) وسئل ابن عباس: "أَيْنَ
الْجَنَّةُ؟ قَالَ: فَوْقَ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ، قُلْتُ: فَأَيْنَ النَّارُ؟ قَالَ:
تَحْتَ سَبْعِ أَبْحُرٍ مُطْبَقَةٍ" ([2])
وحديث الرسول وكلام ابن عباس لا يتنافيان
مع آيات القرآن، فالسماء لا تعني هنا الغلاف الجوي أو الأفلاك الكونية، بل يقصد
الرسول أن الأرض سوف يتغير شكلها وتضاريسها فترتفع أجزاء منها حتى تصل السماء أي
الغلاف الجوي، فهي ستكون كبيرة جداً، ونتيجة تصادم التكتونات الأرضية، وسيعاد
تشكيل الأرض، فتظهر قمم هائلة سماوية هناك ستكون الجنة على عكس النار التي ستكون
في القاع.
أين النار كما تقول المرويات:
المرويات عن مكان النار كثيرة، وكلها
تشير إلى أنها في هذه الأرض، في قيعانها ومنها الحديث الذي ذكرناه بالأعلى (وَجَهَنَّمُ فِي الْأَرْضِ
السَّابِعَةِ) ([3]) وسئل ابن عباس، فقَالَ: "تَحْتَ
سَبْعِ أَبْحُرٍ مُطْبَقَةٍ" ([4]) وفي حديث منسوب إلى الرسول أن المولى
يقول لأحدهم: "اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى" ([5]) وفي رواية أن علي سأل
يهودياً: "أَيْنَ جَهَنَّم؟ فقال اليَهُودِيُّ: تَحْتَ البَحْر، فقال
عَلِيٌّ: صَدَقَ" ([6])
وقد رجحنا في كتابنا "دار السلام ودار الملام" أن قاع جهنم
قد يكون في قاع المحيطات في منطقة تسمى (خندق ماريانا) في غرب المحيط
الهادي ويبلغ عمقه 11 ألف متر. ولازلنا لا نستبعد هذا الأمر، نعم الأرض
ستتغير في تضاريسها الظاهرية، ولكن سيكون التغير في الظاهر فقط، فلن تتغير في ذلك
العمق وإلا كان فناؤها والله أعلم.
{فَأُمُّهُ
هَاوِيَةٌ (9) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (10) نَارٌ حَامِيَةٌ} [القارعة: 9 -
11]
هل يحدد القرآن موقع الجنة؟
لا يكترث الناس بموقع النار، ما يهمهم هو
موقع الجنة، فحتى لو أخبرتهم أن النار على هذه الأرض، لما وجدوا في ذلك إشكالاً،
ولكن لو أخبرتهم أن الجنة على الأرض، هنا سيختلفون معك وربما أتهموك.
ولو أنهم تأملوا لوجدوا أن عشرات الآيات
تؤكد أن الجنة والنار مترابطتان وعلى كوكب واحد، فأصحاب النار ينظرون إلى ثمار
الجنة ويطلبون من سكانها أن يساعدهم، وأصحاب الجنة يرون مواقع الكفار فيشكرون الله
على النجاة منها، فالتواصل مرئي وظاهر بين الطرفين، لكن هناك حواجز، لهذا فإن من
يسلم بأن موقع النار على هذه الأرض، فلزاماً عليه أن يسلم بأن الأرض كذلك.
أدلة القرآن على أرضية الجنة:
كل القرآن يصرح بذلك، ولكن هناك أدلة
أكثر وضوحاً، ومنها:
ميراث الجنة والأرض:
{ وَ لِلَّهِ مِيرَٰثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ
وَ ٱلۡأَرۡضِۗ وَ ٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ } [آل عمران: 180].
{ وَ قَالُواْ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعۡدَهُۥ وَ أَوۡرَثَنَا ٱلۡأَرۡضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلۡجَنَّةِ
حَيۡثُ نَشَآءُۖ فَنِعۡمَ أَجۡرُ ٱلۡعَٰمِلِينَ } [الزمر: 74].
الله يرث الأرض من البشر والكفار، ثم
يورثها إلى المؤمنين وحدهم، أي بعد الموت في الحياة الآخرة، فإذا كانت الأرض ستفنى
أو سنتحول عنها إلى كوكب الآخر فما فائدة أن نرث الأرض من الله.
الافتداء بما في الأرض:
{ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡ أَنَّ لَهُم مَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ
جَمِيعٗا وَ مِثۡلَهُۥ مَعَهُۥ لِيَفۡتَدُواْ بِهِۦ مِنۡ عَذَابِ يَوۡمِ
ٱلۡقِيَٰمَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنۡهُمۡۖ وَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ } [المائدة: 36].
الكفار لو كانوا يملكون كل ما في الأرض
في ذلك الزمن لافتدوا بها لكي ينجوا من النار، وهذا يعني أنهم على الأرض وأنهم
يشاهدون النار أمامهم.
ما دامت السموات والأرض تدوم الجنة:
{ خَٰلِدِينَ فِيهَا مَا
دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَ ٱلۡأَرۡضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَۚ إِنَّ رَبَّكَ
فَعَّالٞ لِّمَا يُرِيدُ } [هود: 107].
{ وَ أَمَّا ٱلَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي ٱلۡجَنَّةِ خَٰلِدِينَ فِيهَا
مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَ ٱلۡأَرۡضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَۖ عَطَآءً
غَيۡرَ مَجۡذُوذٖ } [هود: 108].
لو كانت الجنة والنار في كوكب آخر، غير
الأرض، فما علاقة دوام الجنة والنار بدوام الأرض، إلا أن تكونا "الجنة والنار"
على هذه الأرض، فالسماء أي الغلاف الجوي والأرض سيدومان فإن تدمرا زالت الجنة
والنار، لأنهما على هذه الأرض.
تبدل الأرض والغلاف الجوي:
{ يَوۡمَ تُبَدَّلُ ٱلۡأَرۡضُ غَيۡرَ ٱلۡأَرۡضِ وَ ٱلسَّمَٰوَٰتُۖ وَ
بَرَزُواْ لِلَّهِ ٱلۡوَٰحِدِ ٱلۡقَهَّارِ }
[إبراهيم: 48].
تكبر الأرض وتتسع بشكل هائل، وربما
تتصادم القارات وقد تتحد كما يقول علماء الجيولوجيا، وذلك في المستقبل (بعد حوالي
250 مليون سنة) لتشكل قارة عظمى جديدة يطلق عليها حالياً اسم "بانجيا بروكسيما"
(Pangea Proxima)." ([7])
الأرض هي الجنة:
{ وَ قَالُواْ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعۡدَهُۥ وَ
أَوۡرَثَنَا ٱلۡأَرۡضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلۡجَنَّةِ حَيۡثُ نَشَآءُۖ فَنِعۡمَ
أَجۡرُ ٱلۡعَٰمِلِينَ } [الزمر: 74].
حتى أصحاب الجنة يدركون ذلك فيقولون، أن
الله أورثهم الجنة أي جمع نصيبيهم منها مع نصيب الكبار وأعطاهم وحدهم دون الكفار، يعيشون
في جنانها، فهل بعد قول أصحاب الجنة الشهود، قول لمجادل.
الخلاصة:
الجنة والنار على هذه الأرض، بعد أن
يتغير شكلها الظاهري وتتسع رقعتها، وهذا ليس نقصاً في الجنة، فالأرض من خلق الله
وكمال صنعه، والأرض كوكب بلغ سدرة المنتهى في الفرادة والتميز.
ثم إن أحاديث الرسول لا تتعارض مع صريح
القرآن، فقد أكدت أن النار في قيعان البحار، وهذا ما يؤكده القرآن أن النار هاوية،
كذلك كلام الرسول أن الجنة في السماء، لا يعني أنها في مجرة "ميقال"
مثلاً، بل هي مرتفعة حتى تبلغ الغلاف الجوي لأن الأرض قد تغير شكلها وتوسعت وكبر
حجمها، وكذلك توسعت السماء "الغلاف الجوي" وإنا موسعون.
هذا والله أعلم.
علي موسى الزهراني
هل لديك نظرة أخرى
أطرحها هنا كي نستفيد من علمك