أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

قصة السارق الليلي: هل أصولها من التراث اليهودي؟

 

السارق الليلي بين أهل الكتاب والمسلمين

هل قصة الصحابة الكرام الذين قبضوا على الشيطان أثناء تسلله من أجل سرقة الطعام حدثت فعلاً في المدينة المنورة؟ أم هو قالب قصصي قديم، ظهر في التراث اليهودي، ثم أعاد القصاصون إنتاجه مع بعض التحسينات البسيطة؟

 عندما نتصفح كتب أهل الكتاب القديمة، نجد أنها هي صاحبة السبق في هذه الأسطورة، وأن لديها نفس السيناريو: حارس، ولص مسائي، وسرقة طعام، فمقايضة مقابل الحرية، بتقديم رشوة تعليمية.

مرويات أهل الكتاب وقصصهم:

قبل أن تظهر الروايات الإسلامية، كانت كتب أهل الكتاب غير المشهورة وخاصة كتب "الأبوكريفا" تكثر من سرد هذه الحكاية وإليك بعضها:   

النبي سليمان واللص المسائي:

يبدو أن أول بطل لهذه القصة كان طفلاً في زمن النبي سليمان، فقد كان الطفل يعمل بشقاء، فيأتي السارق الليلي ويسرق نصف طعامه ويمتص إبهامه، فيشكو الطفل أمره إلى النبي سليمان، فيعطيه خاتماً لكي يرميه عليه، فيسيطر على السارق الشيطاني واسمه "أورنياس" فحاول الشيطان رشوة الطفل ويقول له: "أطلقني وأعطيك ذهب الأرض وفضتها، ولا تأخذني لسليمان". لكن الطفل يرفض، وجاء سليمان وقبض عليه وسخره للعمل في البناء ([1]) وهي نفس البناء في القصة العربية: سرقة ليلية، ثم قبض، ثم محاولة رشوة أو تقديم منفعة حتى ينفك السارق من الأسر.

صراع الفجر (النبي يعقوب):

في التوراة، يصارع النبي يعقوب كائناً غريباً طوال الليل. وحين يقترب الصباح، يرتعب الكائن ويقول ليعقوب: "أطلقني، لأنه قد طلع الفجر" ([2])  نعم لا توجد سرقات هنا لكن يوجد كائن ليلي، ويطالب بتركه لأن النهار قد اقترب.

 شيطانة الليل (ليليث):

في التراث التلمودي تمسك الملائكة بشيطانة تدعى "ليليث". وحتى تنجو من العقاب تقدم للملائكة ما يشبه الرشوة، فتقول لهم: "إذا رأيتُ أسماءكم في تعويذة، فلن أقرب هذا المكان"([3]) وهو يطابق تقديم الشيطان لأبي هريرة آية الكرسي العظيمة.

القصة عند المسلمين:

انتقلت هذه الأسطورة إلى البيئة الإسلامية، ونُسبت إلى بعض الصحابة كأبي هريرة ومعاذ بن جبل وابي بن كعب وغيرهم، كما سوف نرى في التالي:

قصة أبي هريرة مع الشيطان السارق:

أشهر رواية في هذه الأسطورة هي قصة أبي هريرة مع الشيطان، الذي جاء في المساء، في صورة رجل فقير ليسرق الطعام، وبعد أن قبض عليه أبو هريرة قال له: «... دَعْنِي أُعَلِّمْكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهَا... قَالَ: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ {اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ}، حَتَّى تَخْتِمَ الآيَةَ، فَإِنَّكَ لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ وَلاَ يَقْرَبَنَّكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ» ([4])

فكما حاول الشيطان رشوة الطفل لكيلا يسلمه إلى سليمان، هنا يحاول الشيطان رشوة أبا هريرة لكيلا يسلمه للرسول، وذلك بتقديم معلومات سرية وخطيرة تحميه من الشياطين.

قصة أبي أيوب الأنصاري (الغول):

نفس الشيء حدث مع الصحابي أبي أيوب الأنصاري، لكن هذه المرة كان السارق هو الغول (وهي أنثى الجن) فلما قبض عليها، قالت له: «... قُلْتُ: مَا هُوَ؟ (أي الشيء الذي يحرزنا منكم)، قَالَتْ: آيَةُ الْكُرْسِيِّ، تَقْرَؤُهَا فِي بَيْتِكَ فَلا يَقْرَبُكَ شَيْطَانٌ وَلا غَيْرُهُ» ([5])

قصة أُبيّ بن كعب (الدابة ذات يد الكلب):

كذلك حدث المر مع الصحابي أبي بن كعب، لكن الذي ظهر له دابة تشبه الغلام ولها يد كلب وشعر كلب، فلما اعترضها قالت له: «... قَالَ: فَمَا يُنْجِينَا مِنْكُمْ؟ قَالَ: هَذِهِ الْآيَةُ الَّتِي فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ}، مَنْ قَالَهَا حِينَ يُمْسِي أُجِيرَ مِنَّا حَتَّى يُصْبِحَ، وَمَنْ قَالَهَا حِينَ يُصْبِحُ أُجِيرَ مِنَّا حَتَّى يُمْسِيَ» ([6])

 قصة أُسيد بن حضير (الظلة/السحابة):

شاهد الصحابي أسيد ظلة أو سحابة تغشى التمر وذلك في المساء فاعترضه أسيد بن حضير، فقال له الشيطان «... قَالَ: تِلْكَ آيَةُ الْكُرْسِيِّ، فَاقْرَأْهَا؛ فَإِنَّكَ إِذَا قَرَأْتَهَا لَمْ نَزَلْ عَنْكَ، أَوْ لَمْ نَقْرَبْكَ (حتى تصبح)» ([7])

فكما في كل القصص نجد الشيطان يقدم رشوة معلوماتية غاية في الأهمية مما يجعل الصحابي يطلق سراحه.

قصة زيد بن ثابت (الجلبة في الحائط):

سمع الصحابي زيد بن ثابت جلبة في بستانه ليلاً، فوجد شخصاً فاعترضه،وقال له: «... فَقَالَ لَهُ: مَا يُعِيذُنَا مِنْكُمْ؟ قَالَ: آيَةُ الْكُرْسِيِّ» ([8])

وهكذا تستمر القصة بنفس القالب، لص يسرق في المساء، فيتم اعتراضه أو القبض عليه، فيقدم رشوة عبارة عن معلومات قيمة.

 قصة معاذ بن جبل

قصة الصحابي معاذ فيها إضافات وتناقضات؛ فمرة يقال إن الرشوة لم تكن آية الكرسي بل كانت من خواتيم سورة البقرة «... فَقُلْتُ: مَا يُنْجِينِي مِنْكُمْ؟ قَالَتْ: تَعَوَّذْ بِالآيَاتِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ» وفي رواية أخرى:  "إِنَّهُ لا يُنْجِيكَ مِنَّا إِلا آيَاتٌ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ" ([9])

وفي قصة أخرى ظهر اللص في صورة حيوان الفيل يقول معاذ: «... فَرَصَدْتُهُ لَيْلاً، فَلَمَّا ذَهَبَ هَوِيٌّ مِنَ اللَّيْلِ أَقْبَلَ عَلَى صُورَةِ الْفِيلِ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى الْبَابِ دَخَلَ مِنْ خَلَلِ الْبَابِ عَلَى غَيْرِ صُورَتِهِ...» ([10]) وكما هي العادة فقد رشاه الفيل بتعليمه أهمية آية الكرسي.

لاحظ أن الراوي المتفرد بهذه الرواية هو عبدالمؤمن بن خالد، وهو من سكان بلاد فارس "مرو"، لهذا تخيل الشيطان في صورة فيل بسبب خلفيته الثقافية التي تأثر بها وهي ثقافة الفرس والهنود. بينما نجد في الروايات الأخرى أحجام صغيرة كشخص وكلب وغول ودابة وشيخ كبير في السن، تناسب بيئة أهل الجزيرة العربية.

روايات أخرى مهمة:

وردت روايات أخرى ليس فيها ذكر القصة، لكن فيها نفس الغرض وهو الحماية من الشيطان، فترديد بعض الآيات، تحمي من الشيطان مثل:

«... أَنْزَلَ مِنْهُ آيَتَيْنِ خَتَمَ بِهِمَا سُورَةَ الْبَقَرَةِ، لاَ يُقْرَآنِ فِي دَارٍ ثَلاَثَ لَيَالٍ فَيَقْرَبَهَا شَيْطَانٌ».

«مَنْ قَرَأَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي لَيْلَةٍ، لَمْ يَدْخُلْ ذَلِكَ الْبَيْتَ شَيْطَانٌ تِلْكَ اللَّيْلَةَ... وَثَلاثًا مِنْ خَوَاتِيمِهَا».

«مَا أَرَى رَجُلًا... يَبِيتُ لَيْلَةً حَتَّى يَقْرَأَ الآيَاتِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، فَإِنَّهُنَّ مِنْ كَنْزٍ تَحْتَ الْعَرْشِ» ([11])

فحول هؤلاء الرواة، آيات جليلات عظيمات مبجلات من توعية وتعريف بالله وتقريب البشر منه، إلى طلاسم وتعاويذ.

خاتمة:

يتبين لنا من هذا المقال، أن القوم ساروا في طريقين منحرفين وتركوا الطريق القويم، فأما الأول: هو الأخذ من أهل الكتاب ومن أساطيرهم، من أجل جذب السامع أو القارئ، على حساب الحقيقة، فكثرة الأبطال في القصة وتغير الأحداث فيها يدلل بكل تأكيد أنها قصص مختلقة، خاصة وأن لها أصل توراتي وتلمودي.

لاحظ أن كل الأبطال كانوا من الأنصار وهم الطبقة المتأثرة باليهود والمتشبعة بالثقافة اليهودية، كذلك أبو هريرة فهو أزدي وتتلمذ على بعض اليهود، كما تزعم قصصهم، وإن كنت أرجح أنها مرويات منسوبة إلي هؤلاء "أبو هريرة والأنصار" لشهرتهم الكبيرة، فهكذا الراوي المختلق يبحث عن شخصية مشهورة لكي يلصق بها مثل هذه المرويات.

أما الانحراف الثاني: فهو تفريغ الآيات العظيمات من قيمتها وجعلها تعاويذ وتمائم ودروشة، يتم فيها طرد السارق الليلي أو الشيطان، ومنعه من سرقة التمر.

هذه الآيات نزلت لكي تنير القلوب وتطهر الأنفس، وتشبع الروح العطشة بمعرفة ربها ودعائه بأجمل وأرق دعاء ينعش القلب ويبث السكينة

ﵟرَبَّنَا لَا تُؤَاخِذۡنَآ إِن نَّسِينَآ أَوۡ أَخۡطَأۡنَاۚ رَبَّنَا وَلَا تَحۡمِلۡ عَلَيۡنَآ إِصۡرٗا كَمَا حَمَلۡتَهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِنَاۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلۡنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِۦۖ وَٱعۡفُ عَنَّا وَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَآۚ أَنتَ مَوۡلَىٰنَا فَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَﵞ [البقرة: 286] 

هذا والله أعلم

علي موسى الزهراني



([1])  F. C. Conybeare, "The Testament of Solomon", Jewish Quarterly Review, Vol. 11, No. 1 (Oct., 1898), p.

([2]) (سفر التكوين: 32/ 24)

([3]) «Babylonian Talmud» (Eruvin: 100b)

([4]) صحيح البخاري (كتاب الوكالة - 2311).

([5]) سنن الترمذي (2880)، وصححه ابن حبان (780).

([6]) (مستدرك الحاكم ج3 / ص286)

([7]) المعجم الكبير للطبراني (ج1 / ص201).

([8]) موسوعة ابن أبي الدنيا (كتاب مكايد الشيطان) المؤلف: أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا (ت 281 هـ) المجلد: 4 الصفحة: 534

([9])  ابن حجر في فتح الباري (ج4 ص489) وعزاها للطبراني وابن أبي الدنيا.

([10]) لمعجم الكبير للطبراني (ج20 / ص51 / ح 101).

([11]) أنظر المصادر لهذه الأحاديث: سنن الترمذي (ح 2882). سنن الدارمي (ح 3387).سنن الدارمي (ح 3386).

ali
ali
تعليقات
    جاري استحضار النفحات القرآنية...