أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

العشر والمعشر في القرآن المكرم

 



العشر والمعشر في القرآن المكرم

عشر في معاجم اللغة:

تشير معاجم اللغة إلى أن مادة (ع ش ر) تعود إلى أصلين: أحدهما في عدد معلوم (العشرة)، والآخر يدل على مداخلة ومخالطة. تقول العرب: عشار القوم أي صار عاشرهم، والعشار سمي بذلك لأنه يكمل العشرة. والعُشْر (بضم العين) هو جزء من الأجزاء العشرة. ومنه: إبل عواشر أي وردت الماء عشراً. أما الأصل الثاني (المخالطة) فيتجلى في "المعاشرة"، وعشيرك هو الذي يعاشرك ويخالطك، وسُميت عشيرة الرجل بذلك لأنهم يعاشرون بعضهم بعضاً وتتداخل أمورهم كتشابك العش (وهو أصل ثنائي محتمل: ع ش) ([1])

ونميل في بحثنا هذا، إلى وجود علاقة عضوية قديمة بين المعاشرة والعدد عشرة؛ فالرقم عشرة يمثل "الكمال" في العقد الأول للأعداد، وكذلك "المعاشرة" لا تسمى كذلك إلا إذا اكتملت فيها المخالطة وطال زمنها. ولعل العدد اشتق من معنى الاجتماع والكمال هذا.

العِشْرَة في القرآن:

ورد جذر "عشر" في القرآن 27 مرة، جاء في 18 موضعاً منها دالاً على العدد، وفي 9 مواضع دالاً على المعاشرة والعشيرة. وباستقراء هذه المواضع، نخلص إلى نتيجة جوهرية: العِشرة في المفهوم القرآني هي علاقة "منفعة متبادلة" ممتدة في الزمن، ولا علاقة لها بالقرابة، وقد يكون قريبك من عشيرتك أي الذين يعاشرونك أي يتبادلون معك المنافع، وقد لا يكون. كما أن الشرط الثاني هو أن تكون العلاقة ممتدة، وليس لقاء عابر، فلا تعتبر العِشرة كذلك حتى يطول أمدها في تبادل للمصالح والمنافع.

وفيما يلي شواهد ذلك من القرآن العظيم التي نرى أنها تثبت فرضيتنا:

الزواج عِشرة:

{ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ} [النساء : 19]

العشرة هنا واضحة، وهي علاقة منفعة متبادلة بين الزوجين، وهي ممتدة في الزمن. ويحث الشارع على أن تكون تلك العِشرة بالمعروف أي بالأخلاق الحميدة كالرحمة واللطف واللين، لكن ذلك ليس شرطاً في الأساس، فالعشرة هي تبادل المنافع، ومن المنطقي أن تكون العلاقة في الغالب محترمة ومقدرة.

عشير مخيب للآمال:

{يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ} [الحج : 13]

بئس هو فعل ذم نقيض نِعم، والمولى هو النصير المعين، والعشير الذي يعاشرك أي يتبادل معك المنافع. وبهذا يكون هذا الولي الذي يعلوك في الطبقية، على عشرة معك أي على علاقة نفعية معك، هذا المولى في الحقيقة، لا ينصرك فعلاً فهو بئس المولى، وهو بئس العشير، أي لا ينفعك فعلاً فضره أقرب من نفعه. 

التعاون من أجل النفاذ:

{يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ} [الرحمن : 33]

لأن العشرية بين الجن والإنس هي المنافع المتبادلة بينهم، فإن الكلام موجه إليهم، كي ينفذوا من أقطار السموات والأرض، بتعاونهم لأنهم معاشر، فالآية تقول بما أنكم في عشرة أي تعاون وتبادل منافع، فتعاونوا على اختراق أقطار السماوات، إذا كانت لديكم قدرة.

الاستكثار من الإنس:

{وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} [الأنعام : 128]

والخالق ناداهم بالنعت الذي يجمعهم في الغواية (المعشر/التحالف) لا بنعوتهم الخلقية المجردة (الجن)." فقال يا معشر الجن أي يا من تعاشرون البشر، تتبادلون معهم المنافع، قد استكثرتم من الإنس، فكان الرد من قبل الإنس: "استمتع بعضنا ببعض". والاستمتاع هو تبادل الخدمات أو المنافع، وسوف نشرح ذلك في مقال آخر.

والذي يؤكد أن العشرية هي تبادل المنافع هو قول الإنس "استمتع بعضنا ببعض" ونلاحظ أن العلاقة بين الطرفين علاقة ولاء، أي أن الإنس يطلبون النصرة من الجن، مقابل الخدمة والعبودية.

معشر الجن والأخلاق:

{يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ} [الأنعام : 130]

تعاشر الجن والإنس بعلاقة ولاء ونفع متبادل، فعبد الإنسُ الجن، وقدسوهم، فجاءت رسل من الإنس والجن، لفض هذه العلاقة غير السوية، لهذا اعترفوا بالحقيقة يوم القيامة وأنهم طلاب دنيا. لقد كان الشياطين الجن يأمرون الإنس بأفعال كفرية وكانوا ينفذونها.

العشيرة ليسوا الأقارب:

{قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [التوبة : 24]

{لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [المجادلة : 22]

لو كانت العشيرة هم الأقارب لما ذكر قبلها الآباء والأبناء والإخوة والأزواج، فقد يكون هؤلاء الأقارب من العشيرة، أي من الذين نعاشرهم في الدنيا ونتبادل المنافع معهم. وقد لا يكونون كذلك. وتبادل المنافع معهم منطقي ومعقول، لكن العشيرة هنا هم من نتبادل معهم المنافع والمصالح، لهذا ذكر الأموال بعدها لأن هؤلاء العشيرة هم من نستفيد منهم في بيع أو شراء، أو جوار.  

ويقول اللغويون إن هناك قاعدة لغوية هي "عطف العام على الخاص" أي ذكر الخاص ثم يليه العام، أي أن النص تكلم عن الخاص وهو الأقارب، ثم تكلم عن العام وهم العشيرة. وهذا يؤدي للحشو، وحاشا للقرآن من هذا الداء، فهو مبارك أي مضغوط جداً جداً كما شرحنا في كلمة مبارك ويمكن شرح هذا الكتاب في مئات المجلدات ولا تنتهي عجائبه لأنه مضغوط وليس حشواً.

لهذا العشير والمعاشر، يكون أظهر في النفع والفائدة من القريب النسيب، لأنه في الغالب لا تقوم علاقة مع الآخر إلا إذا كانت هناك منافع ومصالح، وهي أقوى من المنافع التي مع القريب، لأن تلك المصالح والمنافع حقيقية وصريحة، بينما القريب ففيه المجاملة.

لهذا يكثر الود والمجاملة بين المتعاشرين خشية أن تتضرر منافعهم " وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا" فقد يقاطعهم ذلك المعاشر، إذا تم نصحه وتوجيهه والوقوف ضد ظلمه.

إن ذكر الأقارب بالتفصيل (آباء، أبناء...) ثم ذكر العشيرة، يقتضي المغايرة في المعنى، وإلا لكانت كلمة (أقربائكم) تغني عن كل هذا التفصيل. فالعشيرة إذن كيان آخر موازٍ للأقارب، وهو كيان المصالح.

عشيرتك الأقربين:

{وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء : 214]

يوجه المولى الرسول إلى تكثيف الدعوة إلى من يرتبط معهم بمصالح ومنافع، خاصة الاقتصادية، ولا يكتفي هذه المرة بالموعظة اللطيفة، بل عليه أن ينذرهم ويحذرهم. وقد درسنا سورة العلق وتبين لنا أن هناك تهديداً من قبل كبار تجار قريش، بمقاطعة الرسول إذا لم يتوقف عن النصح والدعوة. وهنا يتكرر الكلام بعدم الاكتراث والاستمرار بالدعوة لهذه الفئة التي تربطك معهم منافع ومصالح.

العشار عطلت أي انهار النظام الاقتصادي:

{وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ} [التكوير : 4]

يوم القيامة تتعطل كل العلاقات، فلا علاقة ود ومحبة وقرابة (يوم يفر المرء من أخيه) كذلك تتعطل العِشار، أي العلاقة المنفعية الاقتصادية، "وإذا العشار عطلت" فكل إنسان في ذلك الزمن هائم على وجهه لا يدري من هو ولا يدري من أقاربه، وليس لديه حاجة لتبادل المنافع مع الآخرين، فلا يبحث إلا عن قوت يومه والمتوافر من حوله.

فإذا تفجرت الأرض وهرب الناس إلى المحشر واستعادوا الذاكرة، وتعرفوا على بعضهم من جديد، ودخل المؤمنون الجنة، توقفت أعطال العِشرة، وعادوا يتبادلون المنافع والمصالح.

الخلاصة:

تبين لنا بالشواهد القرآنية، أن العِشرة لكي تكون كذلك فيجب أن تقوم على أمرين: وهما أولاً: العلاقة النفعية المصلحية، بين طرفين، وأنه لا علاقة للأقارب بها، فقد يكون عشيرك هو قريبك في نفس الوقت، إذا كانت هناك مصلحة ومنفعة تربطك به، وقد لا يكون قريبك، فالمهم أن تكون هناك منفعة ومصلحة، وخاصة المصلحة الاقتصادية. أما ثانيا: فيشترط في العشرة أن تكون مصلحة ممتدة في الزمن، فلا يصح أن ننعت العلاقة العابرة بأنها عِشرة.

هذا والله أعلم

علي موسى الزهراني

 



([1]) «معجم مقاييس اللغة» (4/ 324): المعجم الاشتقاقي المؤصل (3/ 1469)

ali
ali
تعليقات
    جاري استحضار النفحات القرآنية...